تعليم الكبار، ذلك الركن المنسي أو المهمش في العملية التعليمية، شكاوى كثيرة واقتراحات أكثر بثها القائمون على أمر المراكز المسائية، بعضهم قال «سكتنا بما فيه الكفاية» وآخر اكتفى بالدعوات ثم الدعوات للمسؤولين أن ينظروا إلى حالهم المنعزل في ظلمة لا تبددها موازنات عاجزة عبارة عن 22 مليون درهم مخصصة لمكافآت العاملين.

ومدير قال أصبحنا شحاذين من كثرة سؤال الجمعيات والجهات الخيرية، وواقعنا يحتاج إلى دورة في الشحاذة، وفي النتيجة كان القاسم المشترك في رأي الوزارة ومناطقها التعليمية بالمراكز المسائية عدم الرضا عن حالتها، رغم أن الأوضاع تشير إلى الإقرار بتهميش 22 ألف دارس في تلك المراكز.

المبنى أولاً ثم الهيئات الإدارية والتدريسية ثم الإمكانيات المادية والموازنات، حتى الأنشطة والفعاليات لطلبة لا يعتبرونهم مديرو المراكز عاديين، كلها احتياجات ملحة، وكما يبدو فإن عملية التعليم لا يمكن أن تسير من دون هذه الأركان.

وواقع الحال يشير إلى افتقاد تلك المراكز أو افتقارها للكثير من مقومات العملية التعليمية العادية، فما بالك إذا كان طلبتها ممن ترفضهم المدارس الصباحية، سؤال طرحه أحد مديري المراكز المسائية.

يقول أحمد الجزيري مدير مركز المنخول المسائي «آل مكتوم» سابقاً إنه مع بداية كل عام يجمع الطلبة الذين لا يمكنهم مواصلة مسيرتهم في المدارس الصباحية، ويحولون إلى المراكز المسائية.

ومن بين هؤلاء أصحاب السلوك السيئ والمشكلات وحالاتهم متنوعة وصعبة، ومقابل ذلك ماذا وفرت الوزارة من الإمكانيات التي تمكننا من احتواء هذه الحالات غير السهلة.

ويضيف أن عدد الطلاب في مركزه يصل إلى الأربعمئة، وإلى الآن تسير العملية التعليمية من دون مساعد مدير، وهذه مخالفة لنظم ولوائح الوزارة، إضافة إلى تأخر بعض المدرسين مع بداية الفصل الأول.

وكل ما في المركز من الهيئة الإدارية مدير ونصف سكرتير وأمين مختبر رغم عدم وجود مختبر فعلي، معتبراً أن طلبة المركز غير عاديين وهو ما لا يحتمل أي خلل حتى وإن كان نقصاً أو تأخراً لمدرس.

ويشير إلى أنه مع بداية الفصل الأول ورغم توقعه زيادة عدد طلاب الصف السابع ليصلوا إلى ثمانين طالباً وأن شعبة واحدة لا تكفيهم، حيث طالب بضرورة فتح شعبة أخرى، إلا أن المسؤولين لم يكترثوا بذلك.

وبقيت الأمور لأكثر من شهر حتى حلت، وبالتالي اضطر الطلبة إلى عدم دخول الفصل وانتظامهم بالدراسة، فمثل هذه الأمور لا تخدم العملية التعليمية، والمتابعة يجب أن تكون أكثر التصاقاً بواقع هذه المراكز.

فاتورة الهاتف

وتطرق الجزيري إلى ضرورة أن توفر ميزانيات ثابتة وكافية تمكن المراكز من القيام بواجبها من دون عراقيل، مشيراً إلى أن أكثر من 90 في المئة من احتياجات المركز يتكفلها بنفسه، وأنه اضطر في إحدى المرات إلى دفع فاتورتي الهاتف والفاكس رغم علم المنطقة التعليمية بأمرهما.

وبالرغم من أن مركزه واقع في مبنى مستقل إلا أن مسؤولي تعليم الكبار لم يوفروا حتى الآن لوحة تعريفية على مدخله تبين اسمه، وقال: نخشى أن نتكفل بدفع فاتورة الماء والكهرباء مستقبلاً!

وأبدت فاطمة آل مالك مديرة مركز قرطبة لتعليم الكبار تذمراً كبيراً بشأن المبنى المشترك الذي تتقاسمه مع مديرة أخرى في الفترة الصباحية، حيث عدم الاستقرار وكبت لطاقات الطالبات، علاوة على حاجة الطالبات لمختبر علمي متكامل وهو غير متوفر مثلما مختبر للحاسوب، فالمركز يحتوي على أكثر من 550 دارسة في 21 شعبة.

وطالبت إدارة المنطقة وتعليم الكبار في الوزارة ضرورة أن توفر مبنى مستقلاً للمركز يمكن المعلمات والطالبات من تقديم ما هو أكثر في خدمة العملية التعليمية.

مشيرة إلى وجود ثلاث مدارس تأسيسية صباحية في المنطقة القريبة من المركز وجميعها بأعداد طلبة لا يزيدون على المئتين، حيث بالإمكان دمج اثنتين وتوفير مبنى مستقل للمركز.

وقالت إن الميزانية في تعليم الكبار أمر في غاية الأهمية، ولكن المراكز وحتى اللحظة لم تحظ بذلك، فأين حق تعليم الكبار؟

مشيرة إلى أن المراكز تعتمد بشكل كلي على التبرعات والمساعدات من المجتمع، ومؤكدة أن حقها في الأنشطة والرحلات والمسابقات ضائع سواء من الوزارة أو من المنطقة، ولا مجال للطلبة في ممارسة الرياضة أو الفن رغم أن كثيراً منهم في أمس الحاجة لمثل هذه الأمور.

تدني الرواتب

وذهبت مديرة المركز إلى قضية نظام المكافأة المتبع في المراكز المسائية للمعلمين والمعلمات، حيث الرواتب قليلة جداً وتحتاج إلى إعادة نظر، فالمعلم جزء أساسي في تعليم الكبار.

والجهد الذي يبذله لا يقارن مع أي معلم آخر، ورغم ذلك فإن ما يتقاضاه معلم الفصل يصل إلى 1200 درهم في الشهر، وأمين السر 900 درهم وأمين المختبر 700، وهذه رواتب لا يقبل بها المستخدمون.

الهموم والتطلعات نفسها بانت لدى ريحانة جمعة مديرة مركز الجير لتعليم الكبار في رأس الخيمة، حيث قالت إن المعاناة الحقيقية تكمن في عدم وجود مبنى مستقل، لأن للمدرسة الصباحية خصوصية يجب الوقوف عندها، فمختبرات الحاسوب مغلقة بوجه الدارسات.

وليس أمامهن سوى مختبر وبإمكانيات متواضعة، مشيرة إلى أن مديري المراكز لا يزالون يدفعون من جيوبهم لعدم توفر ميزانيات سنوية، رغم الوعود المتكررة بذلك.

في المقابل أكد الدكتور سالم غبار مدير إدارة تعليم الكبار بوزارة التربية والتعليم وجود ميزانية سنوية لتعليم الكبار تصل إلى 22 مليون درهم مخصصة لمكافآت العاملين.

مشيراً إلى أن مطالبات الإدارة الأساسية تدور حول توفير ميزانيات سنوية ومستقلة للمراكز المسائية، حيث توجد جهود حثيثة وبخطوات متقدمة نحو اعتماد ميزانيات لها، ونطمح أن تقر سريعاً وتساوى بالمدارس الصباحية.

وقال إنه غير راض عن واقع تعليم الكبار، وذلك للإحساس بوجود مشكلة فيها، رغم المحاولة لإيجاد الحلول المنطقية والعملية لها، ونتمنى أن تكثف الجهود وتتضافر على مستوى الوزارة والجهات الأخرى.

إذ يعد تعليم الكبار قضية وطنية يفترض أن يكون التنسيق تجاهها بالمستوى المطلوب، رغم أن دولة الإمارات تحتل المركز الأول في القضاء على مشكلات تعليم الكبار بين الدول العربية.

ولفت إلى أن عدد المراكز المسائية في الدولة يصل إلى 99، منها 15 في مبان مستقلة، فيها 22 ألف دارس ودارسة، أما نسبة تسرب الدارسين منها فتصل إلى 30 في المئة.

ولذا لا بد من ضبط عدد الشعب حسب الأعداد الفعلية للحضور من الدارسين، لا أن تفتح شعب لأسماء لا تحضر إلى المراكز، وهذا من شأنه أن يقلل من هدر الأموال والجهود، مشيراً إلى أن اعتماد الشعب يتم قبل بداية السنة الدراسية بستة أشهر، وهو أمر مدروس بشكل طبيعي.

ورفض مدير إدارة تعليم الكبار الحديث عن أن طلبة المراكز المسائية ليسوا عاديين، فالمراكز تلك جزء من مجتمع الإمارات بما فيها ومن فيها، ولا نقبل بتسميتها بيئات غير طبيعية، فكثير من طلبتها استطاعوا التغلب على ظروفهم.

والتنسيق بين العمل والدراسة، فتضخيم الأمور هناك غير صحيح ولا يقبل، ومن المفروض على المدير التواصل مع المنطقة والوزارة لتلبية متطلبات مركزه، رغم أن إدارة تعليم الكبار تقوم بزيارات ميدانية يومية لمختلف المراكز.

وبين أن لائحة العاملين في المراكز المسائية تنص على أنه يجب أن يتولى المركز مدير ومساعد وأمين سر وأمين مختبر، ولا توجد مشكلة في قضية تعيين هؤلاء الأربعة.

وإذا وجد نقص في أحدهم يسد في اليوم التالي بنظام المكافأة، وبالنسبة للاختصاصيين الاجتماعيين فلا يوجد حسب اللائحة، وتوجد دراسة تعديل للائحة لإحداث تغيير في الهيكل وفي نظام المكافأة بالنسبة للعاملين.

تحقيق: عنان كتانة