يشكو طلبة كلية الطلب في جامعة الإمارات من ندرة أو قلة عدد الجثث التي تتطلبها الدراسة في هذه الكلية التي تعتمد على تشريح الأعضاء البشرية ولا تستطيع البدائل الأخرى للجثث أن تحل محلها.

حالة قد تدعو إلى مخاوف من تجاوزات البعض في سبيل توفير هذه الجثث إلا أن الأساتذة في كلية طب الإمارات أكدوا أنهم يعتمدون على جثث محنطة تحللت وتفسخت وبالتالي لا مجال للجوء إلى طرق ملتوية لتأمين الجثث من قبل الطلاب.

ومع عدم السماح لعدسة «البيان» بالتقاط صور لبقايا تلك الجثث متعذرة بكرامة الموتى، إلا أن الأستاذة أشاروا إلى أنها لم تعد صالحة للاستخدام العلمي نظراً لتوقف الكلية عن استيراد الجثث منذ 10 سنوات وأصبحت تعتمد على معلومات طبية شريحية باستخدام التقنيات الحديثة.

وجدد الأساتذة إدانتهم ورفضهم فكرة تداول الجثث بالشراء او الالتفاف على القانون والمتاجرة بالأعضاء البشرية دون موافقة أصحابها لأن ذلك خارج عن القيم الإنسانية والاجتماعية، مؤكدين على ضرورة معاقبة يلجأ إلى بيع الجثث او أجزاء منها.

ومن جانبهم شدد طلبة الكلية على أهمية تأمين العدد الكافي من الجثث المستخدمة في التشريح وفق قانون يحفظ للأموات كرامتهم ويوفر للطلبة مبتغاهم العلمي، مشيرين إلى أهمية علم التشريح وصعوبة التعامل مع جثة كانت يوما تدب مثلهم على الأرض ولكن على اعتبار انه علم أصبحت المشرحة مكاناً مفضلاً لبعضهم يأكل ويشرب وربما ينام مع الجثة.

وقال الدكتور محمد حسن يوسف وكيل الكلية لشؤون الطلبة إن التشريح بالنسبة لطلبة كليات الطب المدخل الحقيقي للتعرف على المكونات الأساسية للإنسان وهي تختلف بعض الشيء من شخص لآخر.

ومن جنس إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، موضحا انه علم يخضع حاليا لثلاث مدارس عالمية متبعة في مختلف جامعات العالم، الأولى تأخذ بالتشريح الحقيقي للجثث والثانية تعتمد الموديل والثالثة مزيج بين الاثنين وهو ما تأخذ به كلية الطب.

وأشار إلى إمكانية توفير المعلومات الطبية التشريحية وبالابعاد الثلاثية عن طريق استخدام التكنولوجيا، الا انها تفتقر إلى الواقعية، مما يضطر طلبة كلية الطب أثناء الكشوفات والتدريب الاتفاق مع مرضى للسماح برضاهم على إجراء بعض الكشوفات والفحوصات.

وأوضح ان تشريح الجثث ودراستها مر بعدة مراحل حيث كان شائعا في الماضي استخدام الجثث غير المحنطة ثم جاءت مرحلة التحنيط والمرحلة الثالثة هي مرحلة الأعضاء المحنطة ثم دخلت تقنية المعلومات والصور الملونة والأطلس والاستفادة أيضا من المرضى المتبرعين ولكن هذا لا يغني عن التشريح.

اتفاقية دولية

وبالنسبة للجثث المستخدمة في جامعة الإمارات، أوضح الدكتور يوسف ان الدولة كانت مرتبطة باتفاقيات دولية مع دول منها ألمانيا لاستيراد جثث تبرع أصحابها بأجسادهم لصالح التعليم .

حيث ان هناك جهات رسمية مرخصاً لها بذلك وفق قوانين صارمة، إلا ان الكلية توقفت منذ أكثر من 10 سنوات عن استيراد الجثث المحنطة وكل ما يوجد حاليا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة مضى عليها وقت طويل .

وتحللت أجزاء منها ولم تعد صالحة للغرض العلمي إلا في بعض المحاضرات لكسر رهبة الطلاب والطالبات من الوقوف أمام جثث الموتى، كون مهنتهم تتطلب منهم في المستقبل مواجهة مواقف كثيرة.

أخلاقيات المهنة

ودعا الدكتور صفاء شهاب رئيس قسم التشريح بكلية الطب إلى وجود ضوابط قانونية وأخلاقية للتعامل مع جثث التشريح وعدم المساس بخصوصية الجثة موضحاً ان ظاهرة بيع الجثث باتت قليلة جدا على مستوى العالم ومحصورة، إذ ان مادة التشريح بالنسبة لطلبة كلية الطب تبدأ منذ السنة الثانية وتستمر إلى التخرج وكلما اقتضت الحاجة العلمية.

وأشار إلى وجود طريقة طبية علمية حديثة حاليا للحفاظ على الجثث وهي تحويلها إلى أجسام بلاستيكية من اجل الحفاظ على الجثة لأطول فترة زمنية ممكنة، تصل إلى 10 سنوات بعيداً عن الروائح والميكروبات.

وقالت الطالبة بدور العمادي في الصف الرابع ان شعور الرهبة والوقوف تملكها في اللحظات الأولى عندما دخلت المشرحة ووقفت أمام جثة شخص كان يوماً يعيش الحياة بحلوها ومرها وبكل تفاصيلها.

مشيرة إلى ان التعامل مع الجثث الحقيقية في التشريح أكثر مصداقية وواقعية لدى الطالب وذلك نظرا لتركيب الإنسان وبالتالي لا بد من التعرف الحقيقي على الأجزاء، لاسيما لمن سيعمل في الجراحة مستقبلا.

وأوضحت الطالبة علياء السويدي ان المشرحة تثير فضولها ولا بد من إعداد الطالب نفسيا قبل الدخول إليها لأول مرة حيث ستكون هناك لحظات من الرهبة والوجوم بطيعية الإنسان وأحاسيسه ومعتقداته الا ان الموضوع يتحول بعد ذلك إلى عادة وتعامل طبيعي.

وبينت الطالبة ناعمة الكعبي انه على الرغم من تعدد مرات دخولها المشرحة، الا ان شعور الرهبة مازال يلازمها لا سيما عند الوقوف أمام قدرة الخالق عز وجل، فالشخص المحنط كان يوما من الأيام «لحماً ودماً وأحاسيس وعواطف» إلا انها أكدت على أهمية التشريح وعدم الاستغناء عنه بالموديلات او الأطلس والهياكل البلاسيتيكة.

وأشار الطلاب إلى ان هناك جثة لكل أربعة طلاب تلازمهم طوال دراستهم يتم توفيرها بطرق قانونية بهدف تحقيق الأغراض العلمية رافضين بشكل تام المتاجرة بالجثث.

وأشار جابر الخييلي من الصف الثالث ورئيس الجمعية العلمية الطبية بالكلية إلى ان التشريح على الجثث المحنطة أكثر من مهم وضروري لتحقيق الأهداف العلمية والطبية بالنسبة لطالب كلية الطب خاصة من يريد ان يتخصص في الجراحة وطب الولادة وأمراض النساء، و في الوقت نفسه يجب ان نحترم ونجل هؤلاء الذين تبرعوا بجثثهم حيث من النادر والصعب توفر الجثث حاليا.

وأضاف الطالب محمد معاذ نائب رئيس الجمعية الطبية ان التشريح مهم للطالب والطبيب وعلينا ان نتعامل مع المسألة بكثير من الواقعية وبعيداً عن العواطف. وأشار راشد الشرهان إلى وجود قوانين في بعض الدول للاستفادة من الجثث مجهولة الهوية والتبرع بها لصالح كليات الطب ضمن قوانين مشددة.

تحقيق : داوود محمد