ينضم إلى سلك القضاء في محاكم دبي قريباً 21 قاضياً مواطناً، منهم 11 قاضياً (ابتدائي أول) و10 قضاة (ابتدائي)، بعد أن أنهوا برنامجاً تدريبياً نظرياً وعملياً استغرق ستة أشهر. وإذا علمنا أن معظم هؤلاء المتدربين من حملة الدكتوراة والماجستير، وأمضوا سنوات عدة كمدرسين وخبراء في أكاديمية وقيادة شرطة دبي، أو كمحامين وقانونيين في مؤسسات حكومية وخاصة، لأدركنا أية كوكبة من أبناء الإمارات، تنضم إلى محاكم دبي، وفق رؤية واستراتيجية واضحة المعالم، هدفها توطين القضاء، أسوة بباقي القطاعات التي تسعى الدولة جاهدة إلى توطينها.

«البيان» التقت بعدد من القضاة المتدربين، وحاورتهم، حول جدوى البرنامج التدريبي الذي التزموا به طيلة ستة أشهر وهل أصبحوا جاهزين لتحمل المسؤولية الضخمة الملقاة على عواتقهم، وهل أثرت فترتا البرنامج النظرية والعملية حصيلة كل منهم القانونية التي اكتسبها خلال خبرته العملية السابقة؟ يقول الدكتور جمال السميطي «عضو هيئة التدريس في أكاديمية الشرطة بدبي واختصاصي القانون البحري والتجاري»، انه تم تجاوز أكثر من نصف مدة الدورة المقررة، وهي دورة تأهيلية شاملة معدة من قبل المحكمة للدخول في سلك القضاء، وتشمل محاضرات حول مختلف الأمور التي تخص القضاء والقانون يلقيها مستشار المحكمة، وتدرجت بعدها للجانب العملي للاطلاع على إدارة الجلسات كمستمعين.

ويرى السميطي أن الأشهر الستة كافية لتأهيل المتدرب للقضاء، خاصة وأنها منظمة بجدول يعد شهرياً، ويتابع من قبل الإدارة العليا في المحكمة، إضافة إلى حرص القضاة على تدريب الطلبة والتدرج السلس في المواد التي تدرس والانتقال من الجانب النظري البحت للمراوحة بعدها بين الجانبين النظري والعملي، وينتهي بعدها لتطبيق الجانب العملي البحت، وفترة التدريب العملي تنقسم لشقين، الأول العملي بحيث تكون كل مجموعة مع مستشار للاطلاع على القضايا والأخطاء، وفيها تدريب على المداولات التي يقام عليها النظام القضائي، والشق الثاني، المحاضرات وهي متوازنة تجمع بين الاستشارة والعملي، وحاليا نطلع على القضايا السابقة وتبيان أخطائها ونقف على مزايا وعيوب الحكم، ولا نتدخل بالقضايا المنظورة حاليا أمام القضاء بحكم السرية لأنه لوتم عرضها علينا سينتفي هنا مبدأ السرية.

تنمية المهارات

وأضاف السميطي أن دراستهم وخبرتهم القانونية السابقة أفادتهم كثيرا في الدراسة النظرية والإلمام بالمعلومات حول القضايا المختلفة، ودورة القضاة تعزز دور الجانب العملي لديهم وتنمي مهاراتهم، فالدورة شاملة لجميع القوانين المدنية والتجارية والشرعية، وعلى ضوء ذلك والنواقص والأمور الإدارية ستحدد الإدارات التي سيتم التوظيف فيها، سواء كانت شرعية أم جنائية أم مدنية أم تجارية، تبعاً للحاجة الوظيفية أو الإدارية، والإدارة ستمزج بين الميول الشخصية والاختصاص والاحتياجات الوظيفية.

ويضيف السميطي أنهم مقبلون على تجربة جديدة ولكن ليست ببعيدة عن مجالهم القانوني، والخوف الذي قد ينبع يكون بسبب المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقهم، مشيراً إلى أنهم يضعون نصب أعينهم الدين والعدل، فالحياد الذي يسبقه العدل هما وجهان لعملة واحدة.

خبرات طويلة

ويقول الدكتور نعيم عبدالعزيز الكثيري «اختصاص شريعة إسلامية وقانون وعضو هيئة التدريس في الأكاديمية لست سنوات ومحام سابق لعشر سنوات»، إن اختيار القضاة المتدربين حاليا جاء بناء على اقتراح من الإدارة العليا وأن اختيار عدد من أصحاب الاختصاص المختلفة والمشهود لهم بالكفاءة، سيساهم في دعم القضاء بحسب اختصاص وميول المتدرب، وإدارة المحاكم تبذل كل جهد لإزالة أية عقبات لمحاولة دمجنا في سلك القضاء.

ويحبذ الكثيري الاختصاص في القضاء الشرعي أكثر من المدني كونه مرتبطاً بدراسته وبتدريسه في الكلية، مشيراً إلى أن المحاماة والتدريس تكسب صاحبها القدرة على استيعاب القضايا بصورة أفضل وأسرع من خلال الاحتكاك بالمستشارين في الاستئناف والتمييز.

وأضاف الكثيري أن الدورة نظمت بكفاءة عالية والتدريب ينعكس إيجابا على جميع المتدربين، لكون المدربين أصحاب خبرة داخل الدولة وخارجها، لفترات طويلة، إضافة إلى تجاربهم الشخصية مع القضاء والحياة بعامة، مما له الأثر الكبير على القضاء، فالشخص الذي له خبرة يستطيع صقل شخصية المتدرب ومعالجة أخطائه وإيصال رسائل محددة له تفيده في حياته العملية.

عظم المسؤولية

ويقول الدكتور أحمد حسين المطوع «حاصل على ليسانس حقوق ودبلوم علوم جنائية ودبلوم أمن عام، ودبلوم قانون عام وماجستير علوم شرطة ودكتوراه في العلوم الأمنية من مصر بدرجة جيد جدا مع مرتبة الشرف، ويعمل في الشرطة منذ 19 عاما»، إن خبرته تراوحت بين العمل الإداري في إدارة الشؤون المالية والإدارية، وإدارة ضمان الجودة وإدارة الاستراتيجيات إضافة إلى إلقاء المحاضرات على طلبة الأكاديمية، وحاليا يتدرب من أجل الدخول في سلك القضاء، فالقضاء ودراستنا السابقة كل منهما مكمل للثاني، وأساس العمل القضائي هي الدراسة والخبرة العملية.

مشيرا إلى أن الخبرة العملية التي اكتسبها في الشرطة والتي تتناسب مع العمل القضائي كانت لا تتجاوز 10%، والدورة منظمة جداً وتدرجت من المحاضرات النظرية التي اختيرت بدقة، علاوة إلى كفاءة المستشارين الذين ألقوها وتطعيمها بالجانب العملي أوصلتهم إلى 80% من فهم واقع عمل القضاء، وأحيانا يمتد التدريب إلى خارج الوقت المحدد له فقد يعطينا المحاضر معلومة نقوم بالبحث عنها في الكتب والمراجع بعد رجوعنا للبيت من أجل الدراسة والاطلاع وفهم القانون والأحكام بصورة صحيحة.

ويشير المطوع إلى أن فترة الدورة كافية، فهي مرتبطة بأفضل المستشارين المدربين لنا سواء كانوا من الاستئناف أو التمييز، والذين لهم باع طويل في عمل القضاء، فالتدريب العملي أهم خطوة لتنمية أي كادر بشري، والدورة الحالية تشمل الجانبين النظري والعملي فهما مكملان للعمل القضائي، وقبل أن نبدأ الدورة أحسسنا بالأمانة وعظم المسؤولية التي ستقع على عاتقنا، فالعمل القضائي ليس بالأمر الهين أو اليسير، وعند ترشيحنا للعمل القضائي تم وضع معايير عدة للاختيار منها الخبرة والاختصاص والمعايير السلوكية، والقضاء ولاية وسيادة وليست وظيفة فقط، وكان الهدف من ذلك التوطين أيضا،وهي مسألة وطنية مطلوبة في العمل القضائي، والتجربة أكبر برهان فالكثير من القضاة المواطنين أثبتوا كفاءتهم وتدرجوا من الابتدائي إلى الاستئناف وصولا إلى أعلى درجات التقاضي وهي التمييز.

القضاء ولاية

ويقول الدكتور عبدالله سيف الشامسي ويحمل «دكتوراه في القانون الجنائي وحاصل على المركز الأول وحامل سيف الشرف لخريجي دفعة 1993، وماجستير من القاهرة، وعمل مديرا للشؤون القانونية في شرطة دبي» إن دورة تأهيل القضاة مهمة جدا والهدف من تأهيلنا هو صقل الجانب العملي لدينا، فنحن عملنا في القانون لفترات طويلة ونحتاج للجانب التطبيقي، وهدفنا من الدورة هو الإجراءات العملية حتى ولو كانت مدتها قصيرة، فكل يوم يمر علينا في الدورة نستفيد منه استفادة قصوى وننمي فيه مهارتنا وقدراتنا وتزيد فيه خبراتنا، وخلال فترة التدريب العملي أصبح تركيزنا في حياتنا اليومية ينصب على الاطلاع ودراسة القضايا والاجتهاد للوصول إلى الحق، فالقضاء ولاية وعند ترشيحنا في البداية ترددنا وتخوفنا من الحلال والحرام، وتخوفنا من ألا نكون أهلاً للقضاء فهو مسؤولية كبيرة، إلا أن أحد إخواني المواطنين العاملين في القانون شجعني وقال لي كلمة مازالت عالقة في ذهني «إن لم تتول القضاء في بلدك فمن هو صاحب الحق في القضاء؟»، فالقضاء حالياً أصبح واجباً وطنياً وجميع الشباب المتدربين مأهلون بإذن الله للعمل في القضاء، سواء كانوا حملة دكتوراه أو أقل من ذلك، فجميعنا متعاونون مع بعضنا البعض في خدمة هذه الدولة وإحقاق الحق وعلى كل شخص أن يثبت نفسه في العمل.

ويقول الدكتور علي حسن كلداري» اختصاصي في قانون الجنايات وحاصل على الدكتوراه في رسالة (البطلان في الإجراءات الجنائية)، بدرجة جيد جداً من مصر، وعضو هيئة تدريس في الأكاديمية لأكثر من 4 سنوات، وشغل منصب مدير معهد البحث الجنائي وعمل في المرور والمباحث والتحريات ومدير الشؤون القانونية في القيادة العامة لشرطة دبي ومدير إدارة تنفيذ الأحكام في المؤسسات العقابية» إن القاعدة الأساسية لدى المتدربين موجودة، فهم قانونيون وأصحاب اختصاصات مختلفة وخبرات متفاوتة، فالعمل القضائي يرتبط أساسه بعمل الشرطة والنيابة والمحاماة الذين يسعون لتبيان الحقائق ويتحرون عنها ويقدمون الأدلة والبراهين ليحكم بها القاضي بعد ذلك، فهناك تدرج قانوني ومحام ثم قاض والقضاء مسؤولية ليست بهينة أمام رب العالمين والبشر، وعند ترشيحنا قبلنا بالتدريب للقضاء باختيارنا ولم نأت مجبرين، وهناك تفاؤل بين القضاة المدربين ونحن المتدربين كذلك بالقدرة على العمل القضائي، فكل منا يحمل درجات علمية عالية واختصاصات مختلفة، وكل يوم يمر علينا نستفيد منه والمعلومة تطرح علينا قبل أن نسأل فالمستشارون حريصون جدا على نقل المعلومة والخبرة لدينا، ما يعطينا إحساساً بعظم هذه المسؤولية وتنافسنا على إثبات جدارتنا للثقة التي أولتنا إياها السلطات العليا وإدارة المحاكم.

21 قاضياً

وصرح المستشار حسن الابياري قاضٍ في محكمة الاستئناف والمشرف على برنامج التدريب، أن القرار الإداري من المحاكم صدر بتعيين 21 قاضياً منهم 11 قاضياً (ابتدائي أول) و10 قضاة (ابتدائي)، وقرار التعيين الصادر شمل كفاءات لم يسبق لهم العمل في القضاء، بل لهم صلة بالقانون فمنهم ضباط في الشرطة ومنهم محامون وآخرون كتاب عدل، وعلى ضوء هذا التنوع تمت الموافقة من قبل الإدارة السابقة للمحاكم بعقد برنامج تدريبي شامل للقضاة، الغرض منه تأهيل القضاة المتدربين للفصل في القضايا والمنازعات المطروحة، ويكون التأهيل على أعلى مستوى، وقد بدأ برنامج التدريب في 19 نوفمبر الماضي وحتى الأسبوع الأول من ديسمبر وكان يشمل محاضرتين يومياً كل محاضرة تستغرق ساعتين، وتم اختيار المحاضرين بناء على القرار الإداري رقم (128) لعام 2005، الصادر من مدير المحاكم في منتصف نوفمبر بأن يكون المحاضرون من قضاة التمييز والاستئناف.

وكانت فكرة التدريب بأن تكون هناك قواعد أساسية يتعين على المتدربين الإلمام بتفاصيلها كقوانين الإجراءات المدنية والإثبات في الإجراءات المدنية وقانون الإجراءات الجزائية والذي يتضمن قواعد وضوابط إثبات الدعوى الجزائية، وهي عمد وأسس يقوم عليها أي عمل قضائي لكون أي عمل قضائي لا يقوم إلا على الإجراءات، ولهذا تقرر أن تتم دراسة هذه القوانين بأكملها وبعدها يأتي باقي أفرع القانون، ومن ثم اختيار موضوعات معينة من القوانين المختلفة تطرح في المحاضرات وهي الموضوعات الأكثر شيوعاً في العمل بالقانون المدني، كالمصادرة والالتزام والتقصير والقانون البحري والتجاري والدعاوي العمالية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القضاة الجدد المعينين ليسوا ببعيدين عن مجال القانون،ولذا تم اختيار موضوعات معينة.

توطين القضاء

وصرح الدكتور أحمد بن هزيم مدير محاكم دبي أن المجتمع يظن بأن المحاكم تستعجل في تعيين الاختصاصيين في القضاء، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك فالقاضي يتخرج من المعهد القضائي بعد دراسته القانون وانضمامه لدراسة القضاء في المعهد لمدة سنتين، وبهذا يتخرج القاضي وهو في سن الرابعة والعشرين، أما القضاة المتدربون الحاليون، فهم ليسوا بمنأى عن القانون، فهم قانونيون وحصلوا على شهادات عليا في القانون ومنهم من يمارس عمله لأكثر من 10 سنوات، وبذلك فهم أصحاب خبرة في التعامل مع الواقع القانوني، ونظمت لهم المحاكم برنامجاً تدريبياً لعدة أشهر لتأهيلهم للقضاء بحيث يغلب على هذا البرنامج الجانب العملي.

وأضاف إن التوطين أحد المعايير الأساسية والعوامل التي أدت لتبني هذا القرار واستقطاب عدد جديد من القضاة، فالجانب الوطني مطلوب في أي جهة أو دائرة، والتوطين من الأهداف الاستراتيجية المهمة لأي دولة، لأن القضاء في اي دولة مسألة خطيرة وهي تطبيق القانون، ولذلك فإن تعزيز التوطين هدف استراتيجي لمحاكم دبي، وعند تبني هذا الهدف تم الاتفاق مع الجهات التي يمكن الاستعانة بها لترشيح الموظفين أصحاب الكفاءات والدرجات العلمية العالية في القانون، وبعدها خاطبنا القيادة العامة لشرطة دبي لترشيح أصحاب الدرجات العلمية في القانون، وبالفعل تم اختيار أعلى الدرجات من حملة الدكتوراه والماجستير وأقلهم من يحمل ليسانس في القانون مما يرشحه للعمل في المجال القانوني.

برنامج التأهيل

وأشار بن هزيم إلى أن المحاكم قبل البدء بدورة القضاة، ارتأت أن يوضع لهم برنامج تأهيل يؤمن للقضاة كل ما من شأنه صقل كفاءتهم ورفع مستواهم ليمارسوا العمل بحرفية وكفاءة، وبالتشاور مع القضاة تم تصميم برنامج يمتد ل6 أشهر، ثري بالجوانب التطبيقية أكثر من النظرية لأن عمل القضاة تطبيقي، وما سهل العمل بالبرنامج الموضوع أن واضعيه هم قضاة التمييز والاستئناف، والذين رحبوا بالعمل على تأهيل القضاة ونقل تجربتهم وخبرتهم الغنية للمتدربين، وهي فرصة ذهبية للقضاة الجدد واختلاطهم بالقضاة الموجودين في المحاكم وبذلك يتعايش المتدرب مع أجواء المحكمة مباشرة مع نقل أغنى الخبرات إليهم، وهي فرصة قد لا تتاح لطلاب المعهد القضائي.

وأضاف بن هزيم إن بعض الظروف دعتنا لتبني هذا البرنامج بعيدا عن المعهد القضائي لكون الدارسين هم حملة الدكتوراه وبذلك يمكن تلافي أي صعوبات قد تنتج عن ذلك، وأنه سيتم في المستقبل تدارس هذه التجربة مع المعهد القضائي لتعميمها كونها تجربة فريدة وتزخر بالجانب التطبيقي.

وأوضح مدير المحاكم أن البرنامج يخضع للتقييم من كل الجوانب سواء من جهة المتدربين أو القضاة أو البرنامج بصورة عامة، واستعمل الكثير من أدوات الدراسة والفحص، من حيث التوقيت والموضوعات المطروحة والتدريب العملي من خلال استطلاع رأي المتدربين والقضاة المشرفين عليهم، وتم تشكيل لجنة تشرف على البرنامج مباشرة تتكون من مدير المحكمة ونائب المدير ورئيس محكمة التمييز والمستشار حسن الأبياري لتأمين أكبر قدر من الكفاءة وإعطاء المتدربين القدر الكافي من الاهتمام.

وأكد بن هزيم أن القضاة المتدربين تم تعيينهم للعمل في القضاء وسيباشرون العمل بعد انتهاء فترة التدريب مباشرة، فمؤهلاتهم تسمح لهم بالجلوس على المنصة.

استطلاع سامية الحمودي: