قال الشيخ: لا بد من توصيف حادثة رسم الدنماركيين ثم النرويجيين ثم الفرنسيين للنبي الأعظم، وتكييفها قانونياً حتى نفهم حقيقة ما حصل وكيف ولماذا حصل وفي هذا الوقت بالذات؟ وفي رأينا إن هذه الحادثة تتضمن ثلاثة وجوه للعدوان على الإسلام والمسلمين لا بد من الوقوف عندها، سيما إذا أراد المسلمون أن يلجأوا إلى القضاء لإدانة الحادثة وأصحابها ورد الاعتبار للمسلمين، ولا أقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي هو في جوار ربه لا يمسه ضرر، وهو غني عن جهود المسلمين جميعاً إذا كانوا على مستوى الحدث أو أقل منه بكثير.
الوجه الأول: تدنيس المقدس، فالرسول الأعظم ليس مجرد رجل قد نختلف أو نتفق على مكانته ودوره عبر التاريخ، إنه في المقام المحمود الذي وعده به ربه تعرض عليه أعمالنا - كما ورد في الأثر- فيستغفر لمخطئنا ويشكر ربه ويدعوه لمحسننا، وهو حقيقة غيبية حاضرة حتى يومنا هذا، لم يغيبه الموت كما يغيب غيره من الناس، وهذا كله يعني أن وجوده عليه الصلاة والسلام يمثل مقدساً في حياة المسلمين يتصل بغيره من المعاني والرموز والوقائع الغيبية المقدسة، كوجود الحق سبحانه وتعالى ووجود الملائكة ووجود العرش والقلم واللوح المحفوظ وما إلى ذلك من مقدسات أخرى.
والوجه الثاني: العدوان على المسلمين وإيذاؤهم والإساءة إلى مقدساتهم، والسخرية ممن يعتبرونه قائدهم ومحبوبهم الكامل المعصوم الذي لا يجوز بحقه الخطأ ولا يصدر عنه إلا الحكمة ومنطوق الوحي، وهو عدوان موصف ومعترف به في حق غيره من الناس عند كثير من الأمم والدول فيما يتصل بأشخاص يمثلون رموزاً لمحترميهم مع انعدام أية صلة بالمقدس أو الغيب.
والوجه الثالث: هو المعادل الموضوعي للإساءة إلى النبي الكريم فيما يستثمر سياسياً، فالرسوم التي نشرت حاولت أن ترسخ مفهوم الإرهاب والعنف بوصفهما صفتين ملازمتين للإسلام بدءاً من نبيه (مؤسسِه عندهم) ووصولاً إلى ما يعرف اليوم بالإرهاب الإسلامي.
فنحن إذن أمام ثلاث جرائم: تدنيس المقدس، والعدوان على المسلمين في دينهم ومعتقداتهم، ونسبة العنف والجريمة إلى الرسول الكريم نفسه وبالتالي وسم الإسلام بالإرهاب، وعلى كل من يريد اللجوء إلى القضاء -وهو في رأينا أنسب ما يرد به على الإساءة الدنماركية للرسول الأعظم- أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد الثلاثة، مطالباً برد الاعتبار لمليار ونصف من المسلمين لم يؤذوا في حياتهم كما أوذوا من قبل المستهترين بالرسول الكريم.
المسألة الثانية التي لا بد من الوقوف عندها هي حقيقة فهم أكثر من ينتسبون إلى العلمانية والديمقراطية لما حدث ويحدث من مضاعفات، لقد تراجعت الحكومة الدنماركية عن شبه الاعتذار الذي تقدمت به منذ البداية على لسان رئيس وزرائها باعتبار أن الصحف عندهم مستقلة وحرة ولا يمكن محاسبتها على ما تفعل، وهذا التراجع يحمل ظلالاً من الحقيقة ولا أقول الحقيقة نفسها، فالعلمانيون لا مكان في رؤوسهم للمقدس، وهم يعبثون ويسخرون من كل مقدس حتى فيما يتصل بالمسيحية واليهودية، ويعبر عن هذا فنونهم وفكرهم وحتى ملابسهم وأواني طعامهم.
من هنا يجوز القول ان ما يستحق الإدانة ليس مجرد رسوم استهترت بنبي كريم، وإنما نسق كامل من الفكر والتفكير والسلوك والثقافة مما يوسم عادة بأنه نسق ديمقراطي علماني ليبرالي، ومن هنا اعتبر بعضهم أن هذه الحادثة تمثل اختباراً حقيقياً للديمقراطية والحرية الغربية.
ومن هنا مال البعض إلى إعادة رسم إحداثيات الخلاف باعتباره خلافاً بين الظلامية والديمقراطية، عملية الالتفاف هذه عبرت عنها صحيفة ألمانية (لاوزتيسر) بقولها إن المسألة تجاوزت إجراءً منفرداً لصحيفة منفردة -وهذا الوصف هو ما اعتمد عليه رئيس وزراء الدنمارك في سحب اعتذار الحكومة باعتبار أنها لا تتحمل مسؤولية ما فعلته صحيفة حرة- وتتابع الصحيفة الألمانية المذكورة: إن المسألة هي مسألة حرية الصحافة مقابل الخوف من الإله، التنوير مقابل العصور الوسطى.
وتقول: إن الصحيفة الدنماركية لم تجد من يشاركها في هذا الصراع بداية الأمر (الإمارات اليوم 4/2/2006) وأشارت صحيفة أخرى (زود دوتيشه) إلى أنه على خلاف أوروبا التي تحررت من الدين، فإن المسلمين وإن كانوا غير متدينين على المستوى الشخصي قد حافظوا على الشعور بارتباطاتهم أو معتقداتهم الدينية حيث الإسلام دين وشريعة قواعد حياة وتقاليد، وهنا تتسع الهوة بين الشرق والغرب تلك الهوة التي لا يمكن تخطيها سوى بصعوبة وهنا يكمن سبب سوء الفهم.
وأضافت الصحيفة نفسها: إن تحليل أسلوب الحياة الغربية وحرياته الجنسية والمثلية المعلنة هناك لا تستثير سوى قلة قليلة من المسلمين، ولكنه يثير الاضطراب والصدود لدى غالبيتهم. (المرجع نفسه).
من حقنا أن نتساءل هنا: سنحاول أن نتفهم طبيعة تفكيرهم مع كل المخالفات والأخطاء والتجاوزات التي لا تناسبنا، ولكن ما قيمة السخرية من مقدس عند غيرهم من الناحية الفكرية؟
أليس لنا حقوق الجار على كوكب الأرض باعتبارنا أصحاب دين ينتمي إليه أكثر من مليار شخص، إن ما فعلوه ليس مراجعة فكرية أو مناظرة علمية أو حواراً مهما اتصف بعدم اللباقة وسوء الأدب، لقد سخروا من نبي هذه الأمة لمجرد السخرية، فهل هذا جهد مشكور من قبل المتحررين من الدين ـ كما يسمون أنفسهم- للمسألة وجوه أخرى سنأتي عليها بإذن الله.
ماهر سقا أميني