قضية ترجمة معاني القرآن الكريم من القضايا الإسلامية الشائكة، والتي أثارت جدلاً كبيراً منذ أن بدأت ترجمات المستشرقين لمعانيه، وقد أثارت هذه الترجمة العديد من القضايا من أهمها تجاوزات المستشرقين ومغالطاتهم المقصودة، والترجمات المشوهة لمعاني القرآن وكذا التفاسير، وهو الأمر الذي يدفعنا لطرح القضية للمناقشة في محاولة منا لكشف تلك التجاوزات وكذلك البحث عن الشروط الواجب توافرها في المترجم لمعاني القرآن، حتى يمكننا أن نحقق ترجمات أمينة لمعاني القرآن للغات الأجنبية.

يقول المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين ان مشروعية ترجمة معاني القرآن ترجع إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اقتضت الدعوة مخاطبة البلاد الأخرى، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي على ترجمة سورة الفاتحة إلى الفارسية، وهذا يجعلنا نقول بمشروعية ترجمة معاني القرآن فقط وليس اللفظ فلا يجوز ترجمته لفظاً لتفرده عن سائر الكتب بأنه كلام من المولى عز وجل، ولا يستطيع أحد أن يقدم معادلاً له، كما أن القرآن إعجاز لفظاً ومعنى، ومن هنا فكل من ترجم معاني القرآن لابد أن تكون ترجمته منقوصة.

ويرى د. جلال عبد الرحمن - الأستاذ بكلية الشريعة والقانون أن الاستشراق في المفهوم العقائدي ارتبط ارتباطا وثيقاً بالاستعمار، وبدأت هذه المشكلة منذ بداية الحملات الصليبية، حيث رأى الصليبيون أهمية القرآن في حياة المسلمين وتأثيره على حياتهم الخاصة، فبدأت حملة شعواء لتشويه الإسلام وصورة النبي صلى الله عليه وسلم ونتج عن ذلك ترجمة نسخة اشتملت على تشوهات كثيرة لمعاني القرآن تم توزيعها على الكراوسة والقساوسة والأساقفة، وحتى البابا نفسه، وقصد من هذه النسخة تحريف وتشويه عقيدة الإسلام، وعندما سنحت الفرصة خرجت على أيدي حركة الاستشراق كثير من الترجمات التي حملت على عاتقها تضليل أوروبا عما يحتويه القرآن من معان سامية.

ويضيف د. عبدالرحمن لقد بدأ بعد ذلك التطلع للقرآن من بعض المستشرقين، وأخذ تطلعهم هذا نوعاً من الجحود، وكان في مقدمة هؤلاء المستشرق الألماني «جولد تزيهر» والذي وصف القرآن الكريم بأنه تراكمات ورواسب للديانات القديمة كلها، تمت على أيدي خبراء، إلا أن أفضل التراجم تذكر للمستشرق الفرنسي «جاك بيرك» رغم ما بها من أخطاء ولكنه وضع في اعتباره عند ترجمته الأمانة اللغوية، وذلك لأنه من أكثر المستشرقين اطلاعاً على اللغة العربية.، مؤكدا أنه يجب أن تخضع الترجمات لمراجعة وتصحيح دقيقين، يقوم بها مسلمون بارعون في هذا المجال، وتلحق ملاحظتهم بهذا المجال بتلك الترجمات لإظهار مدى الخطأ فيها، وتوضيح الصورة الكريمة لمعاني القرآن حتى لا يعبث بها أحد.

الروح الإسلامية

د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق يرى أنه يجب على الهيئات العربية والمسلمة المعنية بالقرآن، أن تقوم بالترجمة وألا يسمح لغير هذه الهيئات بذلك لأن المترجم والمفسر العربي يعتمد بالدرجة الأولى على لغته الأصلية بما يدركه من معانيها، مما يجعله أكثر قدرة على الترجمة عن غيره من المستشرقين. ويرى د. «هاشم» أنه في حالة المترجم العربي المسلم فإن روحه الإسلامية تنعكس على الترجمات بعكس المترجم الأجنبي، لأنه من الثابت علمياً أن الترجمة الحرفية أو اللفظية للقرآن أمر مستحيل.. لأن القرآن نسق لغوي خاص جداً في أساليبه ومفرداته وتراكيبه، ووقعه الموسيقي، وهذه خاصية تنطوي على حساسية شديدة وضوابطها اللغوية تجعلنا ننفي إمكانية ترجمة ألفاظ القرآن ومفرداته بشكلها وحروفها على أي نحو، مؤكدا أن الكثير من ترجمات معاني القرآن من قبل المستشرقين، تضمنت الكثير من الأخطاء الفادحة وجاء بها أشياء مغلوطة وفي غاية الخطورة، وذلك لأن بعض المستشرقين قاموا بترجمة معاني القرآن ترجمة حرفية، وهو الأمر الذي يتنافى مع كون لفظ القرآن يحمل أكثر من معنى، ومن بين الذين أثاروا جدلاً كبيراً المستشرق الفرنسي «جاك بيرك» وهو واحد من الذين عاشوا فترة طويلة داخل المجمع اللغوي، إلا أنه ترجم القرآن ترجمة حرفية بها الكثير من الأخطاء.

ضوابط شرعية

وحول الترجمات المغلوطة للقرآن الكريم والضوابط الشرعية التي يجب العمل بها لترجمة معاني القرآن للغات الأجنبية يقول د. جمال النجار بجامعة الأزهر إن القرآن لا يمكن ترجمته ترجمة لفظية لأنه معجزة في حد ذاته، ولا يمكن لأي ترجمة أن تحقق ألفاظه ولكن يمكن أن تترجم معانيه إلى اللغات الأخرى، وفي هذا الشأن يجب أن يكون هناك عدة ضوابط يشترط توافرها فيمن يقوم على الترجمة، ومن بينها أن يكون مجيداً للغة العربية وتفسير القرآن، على أن يكون ذلك من خلال لجنة تضم متخصصين في اللغة العربية وأصولها وكذا اللغة المترجم إليها، ولابد أن يشرف على هذه الترجمة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والأزهر الشريف، لأن هناك من الترجمات ما يفهم منها أن الإسلام يعني الإرهاب، نتيجة لفهم الآخر من الترجمة الخاطئة، وعلى سبيل المثال ففي قوله تعالى «إني جاعل في الأرض خليفة» تمت ترجمتها إلى أن الخليفة هو النائب عن الله أو مثيله!! وهذا مستحيل، بينما المقصود من كلمة خليفة، هو من يخلف غيره وينوب عنه، أي ليمتثل أوامر الله في الأرض وليس بديلا لله سبحانه وتعالى، بالإضافة إلى أن هناك بعض الأخطاء المقصودة في ترجمات معاني القرآن في اللغة العبرية في النسخ الخاصة بهم، كحذف الآيات التي تفضح خبثهم وتطاولهم على أبنائهم، بل وعلى من هم أعظم من ذلك وهو الحق تبارك وتعالى.

ويقول د. محمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر إن العلماء اتفقوا على أنه يجوز ترجمة معاني القرآن، ولكن يجب على من يتصدى للقيام بهذا العمل الخطير أن يكون مؤهلاً لذلك، وأن يكون ممن يتصفون بالورع والتقوى، ومعرفته التامة للغتين العربية واللغة المترجم إليها، وأن يكون مدركاً لمعاني اللغة العربية، ومعرفته بأمور القرآن الكريم، ودراسته دراسة جيدة، ويجب أن يشرف على هذه الترجمات علماء الأزهر الشريف، وعلماء المسلمين في الدول العربية، ولابد من إجازة هذه الترجمات والموافقة على طبعها وتوزيعها تحت إشراف هيئات إسلامية، وذلك حتى نتلافى أخطاء الترجمة، ونتحاشى دخول ما هو ليس من القرآن، وحتى لا تكون الترجمة باعثاً علي التشويه لصورة الإسلام.

الاستشراق اليهودي

د. سمير فرحات الحاصل على درجة الدكتوراه في الترجمة العبرية لسورة «آل عمران» يرى أنه يجب على جامعة الدول العربية أن تتدخل في قضية ترجمة معاني القرآن، وذلك من خلال إعدادها لجيل جديد من الباحثين المسلمين يحمل مهمة البحث المستفيض لنقد وتحليل الترجمات العبرية لمعاني القرآن، ويقع العبء على جامعة الدول العربية في شأن تزويدهم بالخبرات، حتى يتمكنوا من تقديم ترجمة دقيقة لمعاني القرآن الكريم بالعبرية.

كما يجب تدريس مادة الاستشراق اليهودي بأقسام اللغة العبرية بالجامعات العربية، وذلك حتى نتمكن من الرد على دراساتهم التي تطعن في الإسلام، مؤكدا أنه كشف من خلال دراسته لترجمة سورة آل عمران إلى العبرية، استبدال لفظ الجلالة وعدم ذكر لفظي الإسلام ومسلم صريحتين وقلب المعاني إلى ضدها وتشويه القصد القرآني، وسرد تعبيرات غير لائقة بالذات الإلهية، والفهم الخطأ لأركان الإسلام، وأيضا تضمنت الترجمة أخطاء في الترقيم وعلامات الاستفهام والتعجب، وتقديم وتأخير مخل بالمعنى القرآني.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: