الأبوة مهنة ووظيفة يرغب في ممارستها الجميع، ويسعى إليها كل زوج وزوجة، وهي الشغل الشاغل للآباء والعمل المتصل الذي يجب أن يستغرق معظم ساعات يومهم، كونها مهنة كل يوم. ولما كانت الأبوة الحقيقية تعني التفاهم والتواصل مع الأبناء، فإنها تقود إلى توافق وتحاب ومزيد من الثقة بين جيلين، كما تقول الدراسات النفسية الكثيرة، الأمر الذي ينطبق على أحمد محمد عبد الكريم الزرعوني، وهو فتى في الرابعة عشرة من عمره ،طالب في مدرسة دبي الوطنية، أما والده الدكتور محمد فيعمل أستاذاً للهندسة الكيميائية في جامعة الإمارات، بعد أن طرحنا عليهما منفصلين أسئلة محددة تقيس مدى الترابط والتفاهم والانسجام بينهما.
أحمد الابن يحفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم، ويخرج كما يقول إما إلى مركز التحفيظ أو مع الأصدقاء إلى البحر أو للتجول مع الأصدقاء في سيارة أحدهم، ويفضل أيضاً زيارة بيت جده والبقاء مع عمه الشاب الصغير عبد الله.
إجابات الأب كانت متوافقة تماماً مع الابن، حيث قال إن ولده لا يخرج إلا إلى ثلاثة أماكن، هي مركز التحفيظ أو البحر واللعب مع زملاء المركز، أو إلى بيت أحد أقاربه، وبدا الأب متيقناً من أن ولده لا يحب أن يذهب كثيراً إلى المراكز التجارية، وهو ما أكده أحمد الابن أيضاً.
وتوقع الأب أن يختار ولده مستقبلاً دراسة الحاسوب أو الهندسة، ورغم أن الصغير لم يحدد بعد تخصصاً مستقبلياً، إلا أنه رجح دراسة الهندسة، واعترف أحمد أنه لا يدرس كثيراً، وأن الأب يحاول دائماً حثه على الدراسة وتذكيره بها يومياً، وأن الأم لا تلتفت كثيراً إلى هذا الجانب، أما الأب فقال أنه يحثه أحياناً على الدراسة، لكنه أضاف أن الأم تتخوف أكثر منه بسبب قلة مذاكرة الولد، فهو يعرف مستوى ولده ويثق فيه ويدرك أنه قادر على النجاح.
الرسوم المتحركة
وفي مشاهدته للتلفاز قال الابن أنه لا يفضل سوى قنوات الرسوم المتحركة أو القنوات الرياضية، وهو ما أيده الأب الذي أكد أن ولده لا يشاهد التلفاز كثيراً، ويرغب فقط بأفلام الرسوم المتحركة المثيرة، ويسير عند عمه عبد الله ليتابع معه مباريات كرة القدم.
الوالد أظهر ثقة كبيرة بولده الصغير، وقال إن الأماكن التي يخرج إليها معروفة تماماً، ولا يمكن أن يسير مكاناً ما دون إبلاغ الأب أو الأم، حتى إن تعذر إبلاغ أحدهما، فإنه وبعد الرجوع يسرد ما حدث معه بكل صدق، وأصدقاؤه معروفون جيداً، وسابقاً طلب الأب منه عدم الخروج مع بعض الأشخاص، فاستجاب بكل ثقة بعد أن عرف السبب، كما يقول الأب.
أحمد الابن أجاب بمثيل ما قاله الأب، فهو يخرج إلى أماكن معروفة ومحددة، ويفضل دائماً إخبار أحد الأبوين، وإذا لم يستطع فيخرج بإذن «الثقة» المتبادلة، ولا ينكر ما يفعله في يومه إذا سُئل، وقال أيضاً إن والده يعرف جميع أصدقائه وعائلاتهم، وانه يطلب منه الابتعاد عن رفقة البعض، وهو ما يتقبله الولد بسرور.
أحمد بيّن أنه يفضل الخروج مع الأصدقاء على أن يخرج بصحبة العائلة، وانه لا يتردد في أن يرافقه أخوه الصغير، بينما قال الأب أن ولده كان سابقاً يفضل الخروج مع العائلة، والآن يتوقع أن هذا الفتى يفضل الخروج مع أصدقائه من الأقارب، وذلك بسبب دخوله في مرحلة المراهقة وما يتبعها من قرارات وتصرفات تبدو مستقلة بعض الشيء عن الأب أو الأم.
الثقة المتبادلة
وعما يفضله أحمد في الأكل، فقد عدد أصنافاً محددة مثل الحمضيات والمخللات والزيتون، إضافة إلى وجبة الأرز «بالصالونة»، في حين قال الأب إن ولده يفضل كثيراً لبن «العيران» والزيتون ووجبة «الاندومي» و«الهمبورجر»، وهو الشيء الوحيد الذي برز فيه بعض الاختلاف، وربما يعود ذلك إلى أن الشباب اليوم يفضلون الوجبات السريعة والأكلات الخفيفة، ولا يتركون مجالاً للجلوس في البيت وتناول وجبات واحدة لجميع أفراد العائلة.
من خلال الثقة المتبادلة التي أبداها كل من الأب والابن في إجاباتهما، بات واضحاً أن علاقة الأب مع الابن يجب أن تكون أكثر شفافية وتفهماً، وبعيدة عن الضغوطات والتشديدات، ولا تخلو أيضا من المراقبة الذكية ومتابعته في خروجه من البيت، وهو كما يبدو كان الواقع الذي يعيشه أحمد الزرعوني، في ظل أبوة متفهمة لا تخفى عليها تعابير وجه بريئة وواثقة.
من لقاء أحمد وأبيه يتضح أن الأبوة والأمومة مهنة تتطلب العطاء الدائم والمرونة، وتحتاج إلى لباقة وسرعة بديهة وسعة أفق وقدرة على استيعاب الأمور وفهمها والتريث قبل البت فيها، ثم التمكن من اتخاذ القرار المناسب، فهي تكنيك ونظام وطريقة تتبع في التعامل مع الأبناء وتربيتهم وفقاً لخطة واضحة.
عنان كتانة:
