تتمحور وجهات النظر حول الخلل في عملية التوطين وتباطئها في عدد من قطاعات الدولة وبخاصة الفنية منها في تصورات ثلاثة يرتكز كل منها على جملة من المعطيات.
أصحاب التصور الأول يرون بأن نجاح التوطين في مجال الوظائف الإدارية وتعثره في الاختصاصات الفنية لا يعكس جوانب حقيقية وإيجابية في العملية، بل هو في واقع الأمر يشير إلى ميل المواطن للدعة والراحة، وتجنبه العمل الميداني الذي يستدعي بذل جهود أكبر من مثيلتها في الأعمال الإدارية.
فيما يرى أصحاب التصور الثاني بأن الإشكالية الحقيقية الكامنة وراء تواجد المواطنين وبكثرة في الأقسام الإدارية للوزارات والمؤسسات المختلفة يعود سببه إلى سيادة منطق يحكمه عدم الثقة بقدرات المواطن .
وتمتعه بمهارات وإمكانيات تجعله قادراً على تأدية أصعب المهام ربما يتفوق فيها على (الخبراء الأجانب كما يسمونهم أصحاب العقلية ذاتها)، والذين يتم إيلاؤهم كامل الثقة في تبوئ أعلى المراتب والحصول بالتالي على المعادل المالي الأكبر.
ويعتقد أصحاب التصور الثالث لتعثر التوطين في الاختصاصات الفنية والميدانية بأن المسألة تعود بجذورها إلى حسن النية لدى بعض المسؤولين في الوزارات والمؤسسات المختلفة في الدولة لجهة سعيهم لإراحة الموظف المواطن ودفعه للعمل في مواقع تحتاج إلى قليل من الجهد فيما تترك الأعمال الميدانية للموظف الوافد..
حيث تتيح هذه العملية للوافد الحصول على الكثير من الخبرة التي ربما كان يفتقدها عندما عمل للمرة الأولى، تؤدي على المدى البعيد إلى تراجع الخبرات لدى الموظفين المواطنين، وعدم حصول الجدد منهم على أية خبرة في المجالات الفنية.
نتائج التحقيق الصحافي الذي أجرته «البيان» وشمل وزارتين وهيئة اتحادية حول الواقع الحالي للتوطين فيهما كعينة أشار الى نجاح خطة التوطين في المجالات الإدارية وتعثرها في المجالات الاختصاصية الفنية والميدانية.
وجاءت نتائج التحقيق لتفتح الباب واسعاً حول مدى صحة أي من التصورات الثلاثة التي طرحناها في البداية.
عوائق وتباطؤ
أكدت جميع الإجابات التي وردتنا من بعض الوزارات والمؤسسات الاتحادية بأن مسيرة التوطين التي بدأت منذ سنوات في الدولة تواجه تباطؤاً كبيراً في المجالات الفنية والاختصاصية فيما تشهد تسارعاً ونجاحاً ملحوظاً في المجالات الإدارية كافة في هذه الوزارات كما أكدتها إجابات المعنيين والتقارير الصادرة عنها، وذلك في إطار التحقيق الذي تجريه جريدة «البيان» حول جدوى التوطين؟!
وإلى أي محطة وصل خلال هذه المسيرة ؟ وما هي المعوقات التي قد تكون سبباً في عدم تحققه، كما يجب، في بعض القطاعات..؟
المهندس سعيد ماجد الشامسي المدير العام للهيئة الاتحادية للكهرباء والماء قال إن عملية التوطين في الهيئة تواجه عوائق حقيقية في المجالات الفنية إذ لا تشهد أي إقبال من المواطنين عليها، موضحاً بأن الإقبال على العمل في الهيئة يصب وفق الإحصاءات المتوفرة لديه في توطين كامل منذ فترة ليست بالقصيرة.
وأشار المهندس الشامسي إلى أن الإشكالية التي تواجههم في إدارة الهيئة يومياً هي تقدم عدد من المواطنين للعمل في الهيئة وهم يحملون شهادات جامعية في مجالات التاريخ والجغرافيا أو اللغة العربية.
في حين أن ما تطلبه الهيئة فعلياً بحكم طبيعة أدائها اختصاص شهادات علمية في المجالات الهندسية المناسبة والكومبيوتر، إضافة إلى الاختصاصات الفنية المساعدة في مجالات تصليح الأعطال الكهربائية والمختبرات.
و«الكومبيوتر» والتركيب والصيانة وغيرها التي تمثل حاجة يومية في عمل الهيئة، ويضيف بأن المشكلة تكون عندما يعتبر هؤلاء الأشخاص من خريجي الجغرافيا واللغة العربية أنفسهم مظلومين بسبب رفض طلباتهم.
وحول واقع عملية التوطين في الهيئة من خلال الإحصاءات والأرقام.. قال المهندس الشامسي: إن الهيئة تسعى إلى رفع نسبة التوطين في جميع الوظائف لديها تماشياً مع التوجهات الحالية للتوطين إيماناً بجدارة أبناء الوطن في العمل وإخلاصهم فيه.
مشيراً إلى أن إجمالي عدد موظفي الهيئة بلغ حتى شهر أُكتوبر الماضي 2213 موظفاً، منهم 448 موظفاً مواطناً، موضحاً بأن توزع هؤلاء المواطنين يتمثل في المقام الأول على الشؤون الإدارية بنسبة تصل إلى 62 في المئة في حين تصل نسبة المواطنين في الإدارة الفنية 15 في المئة فقط، مؤكداً بأن الوظائف الفنية لا تجد إقبالاً عليها من قبل المواطنين، انطلاقا من رؤيتهم لها بأنها ذات درجة أقل علمياً ومالياً.
وأشار الشامسي إلى أن الهيئة تعلن على الدوام عن رغبتها لضم عدد كبير من المواطنين والمواطنات من حملة الشهادات الفنية والعلمية للعمل كمهندسين ومساعدي مهندسين أو فنيين بحيث يباشرون العمل في الميدان، مؤكداً استعداد إدارة الهيئة لتقديم كل الدعم والتشجيع لهم.
أحد المسؤولين في الهيئة (رفض ذكر اسمه) أكد لنا بأن إدارة الهيئة قامت وفق سياسة التوطين بإنهاء خدمات موظفين وافدين يعملان كأميني مخازن في أحد المناطق التابعة للهيئة في الإمارات الشمالية وذلك لتعيين مواطنين مكانهما، وأشار إلى أن إدارة الهيئة وبعد مضي أقل من شهرين على تعيينهما اكتشفت خطأ قرارها بسبب أداء الموظفين المواطنين غير المرضي.
حيث كان القصور واضحاً في أدائهما لمهامهما التي تتطلب تواجداً دائماً وخاصة في حالات الطوارئ وانقطاع التيار الكهربائي مثلاً.
مؤكداً بأن الحال كان مختلفاً أثناء عمل الموظفين الوافدين في المكان ذاته حيث كانا يقدمان أداء متميزاً، معللاً ذلك بأن الإحساس من قبلهما بأن الاستغناء عنهما ممكن في أية لحظة إذا ما حدث تقصير في العمل ما يعد حافزاً على الأداء الجيد ورادعاً عن التهاون.
كما أشار المسؤول ذاته إلى تقدم احدى المهندسات المواطنات للعمل في الهيئة مشترطة أن يكون عملها قريباً من منزلها، علماً بأنه لا شواغر في تلك المحطة ؟!
التوطين.. إداري
الحال في وزارة الزراعة والثروة السمكية «سابقاً» كان مشابهاً أيضاً لواقع التوطين في الهيئة الاتحادية للكهرباء وإن اختلف في بعض التفاصيل الصغيرة..
عبدالله العطر الوكيل المساعد لشؤون الموارد البشرية والمالية في الوزارة قال: بأن التوطين بلغ في مجال الوظائف الإدارية، والإدارية المساعدة في الوزارة حتى نهاية شهر أكتوبر من العام الحالي 92 في المئة.
كما بلغ في مجال الوظائف المالية والاقتصادية 84 في المئة، في حين ما زالت هناك وظائف فنية اختصاصية نادرة تفتقر إلى المواطن الحاصل على البكالوريوس مثل الطب البيطري، بالإضافة إلى الاختصاصات الفنية في مجال الأسماك.
وأشار العطر إلى أن القصور واضح في توطين الوظائف الفنية والهندسية والمساعدة وتعمل الوزارة على مواجهته بعدد من الحوافز، موضحاً بأن نسبة التوطين في الوظائف الزراعية والثروة السمكية ما زال ليراوح بين 50 و 30 في المئة، فيما تبلغ نسبة التوطين في الوظائف الهندسية، والهندسية المساعدة 57 في المئة.
وحول برنامج الحوافز الذي تعتمده الوزارة لتوسيع دائرة التوطين في الوظائف المختلفة قال العطر: إن الوزارة تسعى إلى استقطاب المواطنين لشغل الوظائف، وسد نسبة العجز.
وذلك عن طريق التشجيع المستمر المتمثل في تحفيز المواطنين الذين يحملون شهادات ثانوية على استكمال دراستهم في مثل هذه الاختصاصات خلال الفترة المسائية، كما تعمل الوزارة على مساعدة الموظفين في إكمال دراستهم العليا في جامعات الدولة.
وفي العديد من الدول الأخرى ومنها المملكة المتحدة واستراليا ومصر. مضيفاً بان الوزارة تولي اهتماماً كبيراً بالتدريب المستمر والذي يرفع من كفاءة المواطنين وزيادة إنتاجيتهم.
12 بالمئة فنياً.. بالصحة
وزارة الصحة وعلى لسان الدكتور عبد الغفار عبد الغفور الوكيل المساعد للطب العلاجي ورئيس لجنة التوطين في الوزارة أكد أن التوطين في الجهاز الإداري للوزارة ما زال يحمل النسبة الأعلى حيث تصل النسبة حتى نهاية العام الماضي إلى 97 في المئة على أن تصل خلال العام المقبل إلى 100 في المائة.
مشيراً إلى أن الجهاز الفني في الوزارة ما زال يشهد نسباً متدنية على صعيد التوطين حيث أنها لا تتجاوز إلـ 12 في المئة وذلك في مجال الأطباء الممارسين مشيراً إلى أن خطة الوزارة في مجال الأطباء الاختصاصيين المواطنين ما زالت قائمة ومستمرة بابتعاث الأطباء للاختصاصات المختلفة في الخارج.
موضحاً أن الوزارة ابتعثت خلال الفترة الماضية بابتعاث 85 طبيباً إلى كل من السويد وألمانيا للحصول على اختصاصات طبية مختلفة، وينتظر لدى عودتهم تحقيق نسبة جيدة في مجال توطين الأطباء الاختصاصيين.
وعلى صعيد الاختصاصات الفنية في مجال الصيدلة والمختبرات أشار الدكتور عبد الغفور إلى أن التوطين يسير وفق الخطة الموضوعة من قبل الوزارة والتي تقضي بالوصول إلى التوطين بنسبة 80 في المئة في العام 2009 المقبل والتي ستمثل نسبة أعلى مما هو مطلوب في الخطة الموضوعة.
آراء وتصورات
مهندسة الجيولوجيا وجيهة طالب إبراهيم مديرة العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة والثروة السمكية. أكدت أن الفكرة القائلة أن المواطن يميل إلى الكسل غير صحيحة مشيرة إلى تواجد عدد من المهندسات اللواتي يعملن في مواقع ميدانية تابعة للوزارة ما يدحض هذه المقولة..
موضحة بأن تواجد بعض المهندسات من صاحبات الاختصاصات الفنية في مواقع إدارية قد يكون سببه محاولات مسؤوليهن المباشرين توفير الراحة عبر تكليفهم بمهام إدارية.
وأشارت إلى أن هذا الأمر خلق لدى العديد من الموظفات الفنيات مشاكل لاحقة في إطار عملهن حيث طلب منهن في فترات لاحقة المشاركة في أعمال فنية وتعرضن للنقد اللاذع بسبب عدم تقديمهن لنتائج إيجابية في هذه الأعمال التي أبعدن عن المشاركة فيها منذ فترة طويلة وبالتالي لم يتسن لهن اكتساب أي خبرة تتيح لهن القويم الأفضل المتوقع.
وحول تجربتها وانتقالها للعمل في إدارة العلاقات العامة والإعلام في الوزارة من إدارة التربة والمياه كمهندسة جيولوجيا.. قالت وجيهة إبراهيم بأنها رشحت من قبل مدير الإدارة لهذه المهمة.
هذا الترشيح والتكليف الذي جاء منسجماً مع رغبتها أيضاً كونها ترى أن لديها طاقات تؤهلها لأداء هذه المهمة، وأشارت إلى أنها تؤيد مثل هذا النوع من الانتقالات بين الأقسام التي تسهم في تطوير العمل.
المهندسة علياء أكدت بدورها أن المواطن يستطيع تقديم أفضل أداء في المجالات الفنية والاختصاصية، لكن العقبة تكون في غالب الأحيان في العقلية السائدة لدى بعض المسؤولين التي تعمل على دفع المواطن نحو مواقع عمل أقل جهداً، وأشارت إلى أنها حالياً تعمل في ديوان الوزارة.
ولكن في مجال الإشراف الفني أي في نفس اختصاصها. كما أكدت استعدادها للعمل الميداني أيضاً إذا ما طلب منها ذلك أو اقتضتها ضرورات العمل.
وقالت الدكتورة خولة سعيد الحداد اختصاصية الأحياء الدقيقة في وزارة الزراعة والثروة السمكية «سابقاً» بأن جوهر المشكلة في عدم الوصول إلى نسب عالية للتوطين في الاختصاصات الفنية يعود سببه بالدرجة الأولى إلى عدم تأسيس الخريجين المواطنين على العمل الميداني في الكليات المختلفة المنتشرة في الدولة.
حيث تميل طبيعة البرنامج التعليمي والوظيفي اللاحق إلى الجوانب النظرية بعيداً عن الزج بالخريجين في الميدان مشيرة إلى أن هذا الأمر خلق انطباعاً وقناعة لدى المسؤولين بأن المواطن لا يقبل بالنزول إلى الميدان فيقوم هذا المسؤول وعلى الفور ودون استشارة الموظف المواطن بتكليف موظف وافد بالمهمة الميدانية .
موضحة أن هذا الأمر يبدو واضحاً في عمليات الإعلان عن طلب موظفين في مجالات فنية وعملية يتم نشرها في الصحف الأجنبية في حين يتم نشر الإعلانات بطلب وظائف إدارية في الصحف المحلية الناطقة بالعربية لاعتقادهم أن المواطن لا يقبل إلا على الوظائف الإدارية.
ووضعنا هذه الآراء على مكتب عبدالله العطر فقال: إن عملية نقل موظفين من قسم إلى آخر أو تكليفهم بمهمة جديدة في العمل تتم عادة بعد استشارة الموظف ذاته، مشيراً إلى أن القضية برمتها ترتبط بالطموح الخاص بكل موظف مواطن.
وما الذي يريد أن يكون عليه في المستقبل، موضحاً أن السياسة الإدارية للوزارة تسعى إلى تطوير مهارات وإمكانيات الموظف وتوفر له كل الموارد المتاحة لتحقيق ذلك، إلا أن هناك بعض الموظفين وهم فئة قليلة تميل إلى الراحة وتسعى إلى الوظائف الإدارية ذات الجهد الأقل.
وأكد العطر بأن السياسة الإدارية في الوزارة مبنية على مقولة «قل أين تبدع حتى نضعك في المكان الصحيح».
وبعد..
هذه النتائج التي أكدتها ساحة عمل ثلاث وزارات اتحادية في الدولة أشارت إلى أن التوطين لا زال بعيد المنال على صعيد المجالات الفنية في القطاعات المختلفة في حين يشهد التوطين في المجالات الإدارية ازدهارا كبيراً وصل في بعضها إلى 100 في المئة. السؤال الذي نود طرحه من خلال هذا التحقيق.
وننتظر الإجابة عنه هل تمثل النسبة الكبيرة للتوطين في المجالات الإدارية تهرباً من قبل المواطن من العمل في المجالات التي تحتاج إلى جهد، والاكتفاء فقط بالعمل السهل (العمل المكتبي)؟..
أم أن هناك عدم ثقة من قبل المسؤولين في قدرات المواطنين وبالتالي يتم استبعادهم من الأعمال الفنية، أو أن تتم عملية تجميد المواطنين في وظائفهم، أو تحويلهم إلى مستشارين منزوعي الصلاحيات على حد تعبير الزميلة «ميساء راشد» في مقالة لها بعنوان «مسألة أخرى في التوطين» نشرت في «البيان» مطلع العام الحالي؟. سؤال برسم الإجابة ؟!
تحقيق: خالد اللوباني
