لم تعد الحياة، في مجتمع اليوم، كما كانت عليه بالأمس سهلة وبسيطة، لا تتطلب سوى قدر بسيط من المعرفة، بل أصبحت أكثر تعقيداً، فلقد حققت البشرية نهضة حضارية كبيرة في مجالات عدة: كالصناعة، وتقنيات المعلومات، والزراعة، والتجارة، وتحولت المجتمعات البسيطة إلى مجتمعات معقدة، وغزت المدينة معظم نواحي حياتنا.

وخلال مسيرة البشرية هذه تفاوتت إسهامات الأمم في النهضة الحضارية، وتبادلت قيادة النهضة عبر الزمن. فهناك أمة سادت وقادت العالم في فترة زمنية معينة، ثم تنحت جانباً (لظروف ما)، وتسلمت الدور أمم أخرى لتواصل المسيرة. واليوم، ومع التقدم التقني وخاصة في مجال الاتصالات أصبح من السهل معرفة الجديد في أي بقعة من العالم، ومتابعة التقدم والنهضة الحضارية من دون حواجز، مما شكل ضغوطاً مجتمعية على الدول للسعي الحثيث، ليكون لها موقع بين الأمم الأخرى.

ومع ولوج عصر المعرفة، الذي يعتمد على رأس المال المعرفي بدلاً من رأس المال المالي، يتوقع أن يعتمد مستوى أداء الأفراد والمؤسسات والدول على مدى قدرتهم على اكتساب المعرفة وتطبيقها وتحويلها إلى: منتجات، خدمات، صادرات، على غرار العرف السائد باكتساب الثروة، وتحويلها إلى منتجات صناعية، أي ستصبح المعرفة، بشكل متزايد، عامل المنافسة الأول سواء بين الأفراد، أو المؤسسات أو حتى الدول، ولن تكون هناك دول غنية، ودول فقيرة (مالياً)، وإنما ستكون هناك شعوب جاهلة وشعوب متعلمة (غنية أو فقيرة معرفياً).

ونحن في المنطقة العربية جزء من هذا العالم، لكن ما يزيد من مسؤولية المجتمعات العربية عامة، والعربية الخليجية خاصة، أهمية موقعها، فهي تحتل موقعاً جغرافياً استراتيجياً، يقع في مفترق طرق العالم. إنها تشكل نقطة تواصل بين الدول، وتستضيف كثيراً من الثقافات، وتتفاعل معها إيجابياً، مما يساهم في إثراء الثقافة الإنسانية، وإغنائها، كما أن هذه الأمة أسهمت خلال فترة ازدهارها في قيادة النهضة الحضارية.

والمُراجع لتاريخ الأمم، يجد أن التربية هي مفتاح أي نهضة حضارية، فبالرغم من سعي بعض الدول لامتلاك كثير من منتجات الدول المتقدمة المتصلة بميادين الصناعة والتقنيات الحديثة، إلا اننا نجد أن أنظمتها التربوية لم تواكب ذلك؛ التقدم، وبالتالي لا تمتلك مقومات المنافسة. ويرجع السبب في ذلك إلى عوامل عدة: أولها، الرغبة في الحصول على أحدث منتجات البشرية في أقصر وقت ممكن.

وثانيها: طبيعة عملية التربية نفسها: فهي عملية طويلة الأمد، لا يلمس الناس نتائجها بصورة سريعة، وبالتالي لا يدركون خطورة أي قصور فيها، وثالثها: أن التربية لا يحركها الكسب المادي كالصناعة مثلاً، والتي عادة ما تدر كسباً مادياً سريعاً، مما يشجع القائمين عليها على زيادة الإنفاق للحصول على عائد أكبر. وفي هذا السياق، خطت المجتمعات العربية منذ النصف الثاني من القرن الماضي، خطوات مهمة في نشر التعليم، واستطاع بعضها نشر التعليم في كل ربوعها، بل وجعلت التعليم إلزاماً حتى سن معين.

وهذا أدى إلى انخفاض نسبة الأمية في بعض هذه الدول، وإلى توفير بنية تحتية مقبولة للتعليم، لكن ذلك لا يكفي للرقي بالمنظومة التربوية، بحيث ترفد ميادين الحياة الأخرى: (الصناعة، والزراعة، والتجارة) بكوادر قادرة على الرقي بها إلى مستوى المنافسة في عالم اليوم. وقد يعود ما سبق في جزء منه إلى قدم النظام التعليمي، فالبنية الحالية للنظام التعليمي قائمة منذ منتصف القرن الماضي لم تتغير، وهي خلاصة فكر عصر الآلة، وتم نقلها من أحد النظامين القديمين: البريطاني أو الفرنسي، اللذين تخلصت منهما تلك الدولتان.

وإذا ما عرفنا أولويات هذا العصر ـ والتي تتمثل في أهمية إعداد المتعلمين، ليتصفوا بخصائص عدة، من أهمها: امتلاك معرفة متعمقة، ومهارات عالية، والقدرة على العمل في فريق، وتقدير الاستقصاء وتوظيفه في الحياة الشخصية والاجتماعية والمهنية، والقدرة على التعلم مدى الحياة، والمهارة في توظيف تقنيات التواصل والمعلومات، وتكوين فهم عالمي ـ إذا ما عرفنا ذلك، فإننا ندرك إلى أي مدى لا تستطيع البنية الحالية للأنظمة التعليمية في منطقتنا الوفاء بهذه الأولويات.

د. عبداللطيف حيدر