إن الإسلام لا يعتمد في إنشائه لمجتمع نظيف عفيف على العقوبة وحدها كأنه يترصد الناس وينتظر وقوعهم تحت طائلتها، انما يعتمد في المقام الأول على الوقاية من الجريمة والتحذير من الإلمام بها والوعيد بتعذيب مرتكبها أشد العذاب.
ولقد عمل الإسلام على تضييق فرص الغواية ما أمكن، وإبعاد عوامل الفتنة والتهييج والإثارة في المجتمع الإسلامي، وهو بذلك كله يغلق كل نافذة تطل منها الفتنة، ويسد كل ذريعة تختمر فيها جراثيمها، ولضمان ذلك فقد حرم الإسلام أسباب الجريمة ودواعيها ووسائلها كحرمة الجريمة نفسها، ليستوقف الناس دوماً على مسافة بعيدة من حدود الجريمة فلا يقاربونها ويتعرضون لاستحقاق الجريمة.
ومن هنا جعل الإسلام للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها وحرم دخولها من دون إذن من أهلها حتى لا تطلع الأعين على خفاياها أو عورات أهلها، وحض الناس على غض أبصارهم والتقليل منها ما أمكن، وأمر النساء بالتستر وعدم التبرج وإبداء الزينة لإثارة الشهوات.
كما اعتمد الإسلام في الجانب الآخر على إزالة العوائق الطبيعية والمصطنعة التي تعيق إشباع الغريزة بالطريق المشروع النظيف، فيسر الزواج للفقراء رجالاً ونساء ليضمن حصانتهم وعفتهم الحقيقية.
ثم حرم الإسلام الخمر لما فيها من أضرار بالغة تصيب الإنسان في عقله وجسده وتجعله يقف على حافة هاوية الجرائم. وحارب الإسلام البطالة وحث على العمل ورغب فيه، لان الفراغ جو يهيء للإنسان فرصة للانحراف والوقوع في الجرائم.
والإعلام الذي جعل الكرة الأرضية قرية صغيرة له دوره الفعال في انتشار الجريمة والحد منها كان لابد وان يرشد من مادته التي وصلت كل الغرف حتى غرفة النوم، سأبحث ذلك كله على النحو التالي:
أولاً: غض البصر
مما لا جدال فيه ان النظرة إلى المرأة الأجنبية سهم من سهام إبليس، فمن تركها مخافة الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه. ومما لا شك فيه أيضاً ان النظرة التي تتبعها النظرة تؤدي إلى الانجذاب الشهواني نحو المرأة أو نحو الرجل، هذا الانجذاب يتبعه الابتسامة والابتسامة يتبعها السلام، والسلام يتبعه الكلام، والكلام قد يتبعه الموعد واللقاء واللقاء يؤدي لا محالة الى نتائج وخيمة لا تحمد عقباها فقديماً قال الشاعر:
كل الحوادث مبدأها من النظر
ومعظم النار من مستصغر الشرر
وحديثاً قال:
نظرة فابتسامة فسلام
فكلام فموعد فلقاء
ويكفي النظرات الخائنة إلى المرأة ضرراً أنها تسد في الإنسان منافذ التفكر الصافي، وتشغله عن كثير من الواجبات، وتؤدي إلى تفسخ الأمة وانحلالها، وتجعل من الشباب المتفسخ المتميع شباب لهو وعبث، يسيرون في الحياة بلا هدف ولا غاية، بل هم أخطر ما يكونون على الأمن والاستقرار، وأضر ما يكونون على الفضيلة والأخلاق.
من أجل هذا أمر القرآن الكريم المؤمنين والمؤمنات أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن).
ثانياً: حجاب المرأة:
لما كانت المرأة أشبه بأن تكون كلها عورة، ثم هي لأنوثتها مولعة بإظهار جمالها أو استكماله بما تراه من ضروب الزينة من الثياب الظاهرة والباطنة والحلي والعطور التي توضع في مواضع من جسدها كالرأس والوجه والكفين والقدمين فقد خصتها الشريعة الإسلامية ببعض الأحكام حرصاً عليها وحفاظاً على عرضها وأمناً للمجتمع من إثارة الفتنة وتهييج الشهوة من أجل ذلك جاء الحجاب فرضاً على المرأة المسلمة حتى لا تكون مثاراً للفتنة أو الإغراء أو الغواية.
ولقد وضعت الشريعة الإسلامية شروطاً للباس المرأة وزينتها وهي:
1- أن يكون ساتراً لجميع البدن لقوله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن) والجلباب هو الثوب السابغ الذي يستر البدن كله، والإدناء هو الإرخاء والسدل فيكون الحجاب الشرعي ما ستر جميع البدن عدا الوجه والكفين.
2- أن يكون كثيفاً غير رقيق ولا شفاف بحيث يمنع رؤية ما تحته.
3- ألا يكون زينة في نفسه أو مبهراً ذا ألوان جذابة يلفت الأنظار إليه.
4- أن يكون واسعاً غير ضيق بحيث لا يحدد مواطن العورة في المرأة ولا أماكن الفتنة في الجسم لها.
5- ألا يكون الثوب معطراً فيه إثارة للرجال.
6- ألا يكون الثوب فيه تشبه بالرجال.
بهذا كله صانت الشريعة الإسلامية المرأة وجعلتها محفوظة عن أعين الرجال ولا تكون داعية إثارة شهواتهم، وبهذا يسلم الرجل من الوقوع في الجرائم الجنسية، وتسلم المرأة من التعدي عليها، وهتك عرضها وخدش حيائها.
ثالثاً: الحث على الزواج والترغيب فيه:
يعتبر الإسلام الزواج أصل الأسرة الذي به تتكون، ومنه تنمو وترعرع فضلاً عن أن الفطرة الإنسانية تدعو إليه. ولقد صور القرآن الكريم العلاقة الزوجية تصويراً يشع منه العطف ويفوح منه العبير، ويشع فه الندى فقال سبحانه: (ومن آياتهِ أن خلقُ لَكُم مِّنْ أنفسِكُمْ أزواجاً لتسكنوا إليها وَجعَلَ بينكُم مودَّةٌ ورحمةٌ إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون) وللزواج في شريعة الإسلام حكم سامية وفوائد جمَّة منها:
1ـ المحافظة على النوع الإنساني.
2 ـ المحافظة على الأنساب.
3 ـ سلامة المجتمع من الانحلال الخلقي.
4 ـ سلامة المجتمع من الأمراض.
5 ـ السكن الروحاني والبدني.
6 ـ تعاون الزوجين في بناء الأسرة وتربية الأولاد.
ولأهمية الزواج البالغة وضرورته الملحة لإقامة الحياة الاجتماعية السليمة فإن الإسلام قد رغب فيه وحث عليه، قال تعالى: (وانكُحوا الأيامّى منكُمْ والصالحين من عبادكم وإمائكُم إن يكونوا فُقراء يُغنهم الله من فضله والله واسع عليم). وقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». وقد حظر الشرع المسلم أن يمتنع عن الزواج ويزهد فيه لا سيما إذا كان قادراً عليه متيسراً له أسبابه ووسائله.
وقد لاحظت الشريعة مدى إشباع كل من الزوجين لرغبة الآخر لقضاء غريزته الجنسية حتى يكون ذلك أدعى إلى عدم الالتفاف لإشباعها من حرام. فبالنسبة للرجل طلب الإسلام من المرأة أن تمكن زوجها من نفسها في أي وقت يطلبها للجماع، وحذرها من مخالفة رغبته. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات عليها غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح».
ولقد لفتت الشريعة نظر الرجل إلى ما يجب أن يفعله إذا وقع نظره على امرأة أجنبية فاشتهاها، حتى يتجنب المعصية، قال جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أحدكم أعجبته امرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه».
بل وأكثر من ذلك أجازت الشريعة للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة إلى أربع، بشرط العدل بين الزوجات والقدرة على الإنفاق، قال تعالى: « فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ».
رابعاً: تحريم الخمر:
يعد شرب الخمر من أكبر المنافذ إلى الوقوع في الجريمة، لأن بشربها يذهب العقل، وبذهاب العقل يسهل على الإنسان فعل أي جريمة من دون حياء أو خوف، لذا فقد حرمتها الشريعة الإسلامية تحريماً باتاً قال تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ»، بسبب إدمانها وكم من الأعراض هتكت بسببها وكم من الأنفس أزهقت بسببها، هذه أشياء لا ينكرها عقل ولا تحتاج إلى نص.
من هنا نادى الإسلام أتباعه المؤمنين باجتنابها والبعد عنها لأنها أم الخبائث ومفتاح كل شر، كما بينت السنة النبوية المطهرة، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته ـ أي أحبته ـ امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وخمر، فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر كأساً، أو تقتل هذا الغلام، قال فاسقيني من هذه الخمر كأساً فسقته كأساً، فقال: زيدوني فلم يبرح حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما الآخر».
من أجل ذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له.
خامساً: محاربة البطالة وإيجاد فرص العمل:
اتسعت الحياة، واتسعت معها متطلباتها، فما كان منها كمالياً في الماضي أصبح ضرورياً من ضروريات الحياة المعاصرة، والشباب يتطلع إلى العمل المناسب الذي يستطيع من خلاله أن يبني حياته من كده وكدحه، فهو في حاجة إلى عمل شريف يدر عليه المال حتى يحفظ به ماء وجهه من السؤال، ويمنعه من استغلال مواهبه وطاقاته في أعمال غير مشروعة، وهو لا يفكر في هذا ولا ذاك اذا تيسرت له سبل العمل الشريف الذي يشبع طموحه وحاجاته الاجتماعية.
من هنا حظي العمل في الإسلام باهتمام بالغ، وتقدير كبير، فهو دين يكره الكسل ويحارب الفقر ويمقت التعطل.
والإسلام ذاته منهج عملي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في كل حياته مع المجاهدين يحفر الخندق، ومع الطهاة يجمع الحطب ومع أهله يخدمهم ويساعدهم.
وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم التسول وحارب معه فكرة احتقار أي عمل ما دام حلالاً يسد حاجة الإنسان ويحفظ ماء وجهه، فقال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من ان يسأل الناس أعطوه أم منعوه».
إن الاهتمام بهذا الجانب في الشباب المسلم من قبل ولاة أمورهم وحكامهم هو واجبهم، وضمن أولويات مسؤولياتهم فهو العلاج لكل الآفات والجرائم التي تقع بسبب الفراغ والبطالة.
سادسا: الإعلام
يعد الإعلام بوسائله المختلفة ذا أثر كبير في التأثير على الناس في جميع المجتمعات وعلى كل الطبقات، ولو أحسن القائمون عليه عرض مادتهم بما يتفق مع منظومة القيم والأخلاق الإسلامية لكان ذلك كفيلا بمحاربة الجريمة ومحاولة القضاء عليها.
من هنا نهمس في أذن رجال الإعلام بعدم عرض كل ما هو مخالف للدين مثير للفتنة مهيج للشهوة، مع امتناعه منعا باتاً عن عرض الجرائم ونشرها بأي صورة من الصور حتى لا تنتشر الفاحشة أوساط المجتمع المسلم.
د. محمد محمد عيسى