من المضحك المبكي أن بعضاً ممن رأوا أنفسهم في ورطة بعد نشر الرسوم الساخرة التي تناولت شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من الدنماركيين والنرويجيين، وحتى من بيننا نحن العرب والمسلمين، ساروا على سنة «ضربني وبكى وسبقني واشتكى» فالأمر هو مجرد سوء فهم، وهو لا يحتاج إلى كل هذه الحساسية عند المسلمين، وأصل العلة أن العرب والمسلمين لا يعون حقيقة حرية التعبير، ولا يفقهون أن هذه الرسوم المؤذية هي من صنع رسام حر وصحيفة حرة، وليس لأحد أن يعطل هذه الحرية وإن كانت لا تسره نتائجها، فالذنب ذنبنا والخطيئة خطيئتنا فنحن المتخلفون الذين يعيشون عقلية الاستبداد والذين لا يصلحون لحوار الحضارات، وما فعلته الصحيفة هو مجرد فحص للموازنة بين التدين وحرية التعبير وقد خسرنا جميعاً في الامتحان مما يؤكد أننا لم نؤهل بعد للديمقراطية وما ينجم عنها.

ثم إن نفراً من العلمانيين الليبراليين أو من أصحاب الأديان الأخرى ممن يدعون إلى الحوار بين الأديان والاجتماع على مكافحة الفساد والشرور لم نسمع لهم صوتاً حتى الآن، وكان يجدر بهم أن يكون لهم رأيهم في الإساءة إلى الإسلام والرسول الأعظم والمسلمين شركاء الحوار والعمل المشترك، ولكن الأمر على ما يبدو راق لأكثرهم فسكتوا وابتلعوا ألسنتهم ولم يصدر عنهم تعبير واحد يشير إلى حميتهم وخالص صدقهم مع المسلمين أصحاب ثاني دين منتشر على سطح الأرض.

وإذا تساءلنا عن معنى وحدود حرية التعبير التي لم نرق إلى مستواها، مما جعلنا نغضب للإهانة التي مست الرسول الأعظم.. هل هي حرية مطلقة لا شروط ولا حدود لها؟ نجد أن موانع كثيرة تحول دون المس بأشخاص أو رموز أو مفاهيم عندهم، وإذا كان الدين يقع في آخر سلم أولوياتهم فإننا كعرب ومسلمين مصرون على أن يكون الدين في أول سلم أولوياتنا، على الرغم من كل محاولات العلمنة والدمقرطة التي تمارس بحقنا بإصرار عجيب.

أما وقد أحجمت حتى حكوماتهم عن إدانة ما نشرته صحفهم، فالأمر يدفع بالمسألة إلى حدود الخطر، لأنه في حال غياب مرجعية قانونية وحكومية تنظم حياة الناس تفتح أبواب جهنم وتتوالى ردود الأفعال الغاضبة والساخطة، والتي قد تكون مؤذية وخطرة في الوقت نفسه.

لقد ظهرت حقيقة الديمقراطية العلمانية التي ندعى ليلاً ونهاراً لأخذ قبسات منها، وقد تبين هيكل الإلحاد المكسو بأسبال الحوار والتعدد وقبول الآخر، مليار ونصف من المسلمين يؤذون في دينهم ولا نسمع صوتاً واحداً من أصوات الجوقة المرددة والممجدة للديمقراطية يشجب أو يدين إيذاءهم في دينهم ومعتقدهم ومشاعرهم ووجدانهم.

هذه هي العلمانية التي تدعي أنها لا تحارب الأديان، وأنها تدعو إلى قيم المواطنة المحمية عند كل فرد، وتدفع عنه الأذى مهما كان دينه أو معتقده. أين الحكومتين الدنماركية والنرويجية؟ وأين رسل الديمقراطية في الشمال الأميركي المؤمن المحافظ ـ كما يصفون أنفسهم ـ لماذا لم نسمع صوتاً واحداً يدين المعتدين ويأخذ على أيديهم؟ لا بد من تحرك سريع للإحاطة بالموضوع وأخطاره قبل أن يفلت زمام الأمور ويظهر من أشباح الإرهاب من ينتقم للمسلمين.

لقد قتل أبو جهل في غزوة بدر بيد غلامين سألا عنه عبد الرحمن بن عوف مبررين قتله بأنه كان يقول في محمد كلاماً عظيماً، وصُلب صحابي جليل واستشهد بعد سؤاله إن كان يتمنى أن يكون في أهله وفي بيته ومحمد في مكانه، فأجاب من على الصليب أنه لا يتمنى أن يكون في أهله ومحمد صلى الله عليه وسلم يشاك في قدمه بشوكة واحدة. وفي غزوة أحد أحاط بالرسول الأعظم بضعة عشر مقاتلاً ومقاتلة وقد جعلوا من ظهورهم موضعاً للسهام والرماح الموجهة إليه عليه الصلاة والسلام حتى انزاحت الغمة ونجا المسلمون برسولهم لينتصروا في غزوات قادمة بعد أن تلقنوا درساً في طاعة الأمير والقائد.

هذه أمثلة عن حب رسول الله، ولمحبي محمد عليه الصلاة والسلام لغة لا يفهمها ولن يفهمها المعتدون. ولكننا ـ من حقنا ـ أن نحدثهم بلغتهم: أين حقوق الإنسان؟ أين حقوق الديانة والعبادة؟ أين حقوق التفكير؟

لن ينال الله ورسوله من هذيان وجنون المعتدين شيء، ولكن الألم آلامنا والمصاب مصابنا والاستخفاف بنا، ومن ضعف المسلمين اليوم أن منهم من يطالب بمجرد اعتذار واضح لتطيب النفوس وتهدأ الضمائر ـ وكفى الله المؤمنين شر القتال.

وبلغة من اعتدى نقول لا بد من احترام الشخصيات التاريخية العظيمة التي أحدثت تغيرات حضارية كبيرة على المستوى الفكري والسياسي والعسكري، ولا بد من احترام الرموز المتصلة بأديان الناس حفظاً على السلام والحياة المشتركة المتعاونة، أما من يُسوّق للحرب على الإرهاب فإنه إن لم يدن الإساءة إلى رسول الإسلام فإنه يؤكد على مرأى ومسمع المسلمين وغير المسلمين أن حربه على الإسلام وليس على مجرد الإرهاب، رُب فعل انعكس على صاحبه ورب اعتداء لم يؤذ إلا فاعله، وبهذه المناسبة أدعو المشتغلين في أمور الفكر والنشر أن يهتموا بإنجاز أعمال مهمة عن حياة الرسول الأعظم وترجمتها إلى اللغات الأجنبية، لأن ما حدث سيدفع الناس في مختلف بقاع الأرض للبحث عمن يكون هذا الرجل العظيم، وبهذا ينصر الله نبيه بكيد أعدائه إن قصرنا نحن محبوه وأتباعه.

ماهر سقا أميني