كل يوم يطل علينا جديد ومع تطور العلوم والطفرة الهائلة في التكنولوجيا ونقل المعلومات كان لزاماً علينا تطوير الأداء، والطرق الحديثة التي أثبتت نجاحها في التعامل مع أمور الحياة أصبحنا في حاجة إلى مرونة أكثر تستوعب احتياجاتنا، والفتوى الدينية سوف تظل مطلباً هاماً لكل فرد عليه التزام أخلاقي وعقائدي مما يجعله في حاجة دوما لكي يستفتي أي من الكوادر القادرة والمؤهلة لهذه المسألة، ولأن المسؤوليات زادت والأعباء الناتجة عن التخصص حملت الأفراد بالتزامات أكثر كان الحل متمثلاً في استحداث فكرة الفتوى عن طريق الهاتف أو شبكة النت، من هنا نشأ تساؤل مهم وهو إلى أي مدى يمكن أن تتوافر الثقة في هذه الفتاوى التي يحصل عليها المسلمون من خلال هذه الطرق؟
يقول د. محمد أحمد الطيب، رئيس جامعة الأزهر ومفتي الجمهورية سابقاً: إن الأسئلة التي يجاب عنها عبر الهاتف أو الإنترنت طالما أن المجيب عنها من العلماء المختصين فلا مانع من الاستفادة منها أما القضايا المستحدثة والتي تحتاج إلى أكثر من وجهة نظر واجتهاد جماعي فلابد أن يتم البحث فيها بالتعاون مع مجمع البحوث الإسلامية للاطمئنان على فهم طبيعة المشكلة المسؤول عنها والحكم الشرعي فيها والتي لا يمكن أن يكتفي بها المفتي أياً كان منصبه فيها برأيه الشخصي حيث يوجد كثير من القضايا المستحدثة لجأ فيها كثير من أساتذة الأزهر إلى مجمع البحوث الإسلامية ، لأنهم يرون أنها تحتاج إلى اجتهاد اجتماعي.
بدائل ضرورية .
أما د.عبد العظيم المطعني ـ عضو مجمع البحوث الإسلامية ـ فيرى أنه يجب التأكد أولاً ممن يعطينا الفتوى في الهاتف فإذا تأكد الطالب من شخصيته وأن هناك دواعي جعلته يسأله هاتفيًا أو عن طريق النت، وأن لجوء المستفتي إلى هذه الطريقة، لأن دار الإفتاء ولجنة الفتوى في الأزهر لها أوقات معينة فهما تقدمان خدماتهما من أول النهار وقد تحدث أمور تستدعي الفصل فيها بعد هذه الساعات وهنا يلجأ الناس إلى هذه الوسائل. ويؤكد د. المطعني أن هناك آداباً عديدة للفتوى والحصول عليها ففتاوى الطلاق مثلاً لابد أن نستمع للزوج والزوجة وليس الزوجة وحدها خاصة أن الزوج هو الأدرى بالموقف والذي تلفظ بلفظ الطلاق كما يجب على الذي يقوم بإعطاء الفتوى أن يكون له صلة حاضرة بالفقه وعمله وشغله الشاغل.
ضوابط معينة
وتقول د. آمنة نصير ـ أستاذ الفقه بكلية البنات الإسلامية ـ لا شك أن الوسائل الحديثة أسرع في تلقي حلول للمشكلات التي يواجهها المسلمون فمثلاً سيدة زوجها ألقى عليها يمين الطلاق في ساعة متأخرة من الليل ولا تستطيع الانتظار لتذهب إلى دار الإفتاء أو لجنة الفتوى واستعانت بالوسيلة السهلة وهي الهاتف أو الإنترنت فلا بأس وإذا كان الذي يقدم الفتوى يخضع لرقابة أو اختصاص ويتحرى الالتزام بأهل الفتوى فلا بأس من تقديمه الفتوى، أما إذا كان له غرض آخر هو الربح المادي فهنا تنشأ المحاذير فإذا توافرت له كل الضوابط نعتبرها من باب التيسير رغم أنها عندما ظهرت لأول مرة قابلها كثير من الهجوم، وهذا الأمر يتطلب عدم التخبط في الفتاوى، خاصة أن هناك درجات من القضايا، فهناك قضايا عامة تشغل بال المسلمين، ولابد هنا أن يرجع هذه القضايا للجهات الرسمية في الدولة، وألا تكون من فرد أو عن طريق الهاتف، بل تصدر بها فتوى صريحة من دار الإفتاء مثل قضايا نقل الأعضاء، والبنوك، والاستنساخ، والرحم البديل، وغيرها فهذه القضايا لابد أن يكون الحكم فيها من الدولة حتى لا يحدث نوع من البلبلة في المجتمع، ويتم بعد دراسة متأنية من الجهة المختصة أما الفتاوى السريعة مثل الطلاق والميراث وغيرها يمكن الاستعانة فيها بالهاتف الإسلامي لطلب المشورة ونعتبرها من باب التيسير.
تطهير الساحة
أما د. محمد أحمد المسير ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر ـ فيرى أن هناك حاجة ملحة لتصحيح مسار الحياة الاجتماعية على منهج إلهي ينبع من حرص الناس على التعرف على رأي الدين وهذا يستوجب أن نعرف في البداية من المتصدي لها ويجب أن يكون من أهل الخبرة والعلم على بينة بالدين وأمور الفقه كي يستطيع أن يسير حسب الرأي الشرعي بلا عسر ولا ضيق، ولهذا فعلينا أن نطهر الساحة من الأدعياء والدخلاء ممن يتصدون للفتوى بغير علم، وهذه هي مهمة الإعلام والأزهر والأوقاف فعليهم ألا يستفتوا أناساً لا فقه لهم في الدين وليسوا أمناء على شرع الله فتصبح الفتوى التي يصدرونها ذريعة للناس لفعل الخطأ، وللأسف تقع هذه الأمور كثيراً ولذلك يجب أن يختار الإنسان أهل الثقة والعلم الكفء لتستقي منه معلوماته وفتواه، خاصة أن الفتوى سلاح حساس شديد الأهمية في ظل تعقد ظروف الحياة وكثرة مشكلاتها، ولذلك يجب على من يعطي الفتوى أن يكون ملماً إلماماً تاماً بأمور دينه وبكل الظروف التي تحدث فيها الواقعة، ولا يهم أن تكون الفتوى عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني، ولكن الأهم هو تحري الصدق والدقة فيها فهي شهادة ملزمة للعديد من الناس في شتى أمور حياتهم.
وسيلة مشروطة.
ويقول الشيخ عيد عبد الحميد عضو لجنة الفتوى بالأزهر: إن الفتوى في الإسلام أساسها كتاب الله وسنة رسوله، والاجتهاد العام بالإجماع، مع تطور الزمن بالإضافة إلى وجود القياس، وأن تبحث في أي من المذاهب الأربعة أيها الأيسر وتأخذ منها ما يقاس على مشكلات العصر،مع تطور وسائل وطرق الحصول على الفتوى فالهاتف أو الإنترنت وسيلة جيدة للحصول على الفتوى، ولكنها وسيلة مشروطة بمن يعطي الفتوى، فإذا كان عالماً من علماء الأزهر، أو أحد الأساتذة، فلا بأس وإن كان يفضل أن يكون الذي أعطى الفتوى يقطن في المحافظة نفسها أو البلد الذي توجد به دار للإفتاء أو لجنة للفتوى، إلا أنه نتيجة لتباعد المسلمين وحاجتهم إلى الرأي والمشورة في مختلف ظروف الحياة والذين لا يتوافر لهم في كثير من الأحيان من يساعدهم في البلد الذي يقطنون فيه فهنا يستحب الاستعانة بالهاتف الإسلامي أو الفتاوى عبر الإنترنت للتحدث في أمور الدين وتبصير المسلمين، بما لهم وما عليهم، فأميركا مثلاً بها حوالي 10 ملايين مسلم ويريدون الاستشارة في أمر ما من الأمور، والأزهر بما أنه قبلة المسلمين فهو يدرس المذاهب الأربعة وأصول الفقه، ويحاول أن يثبت الأحكام الموجودة في القرآن والسنة، وكل ما يتعلق بالعلوم الإنسانية والبشرية والناحية العقائدية، فإذا لم يتح لهؤلاء توجيه أسئلتهم إلى الأزهر مباشرة، فلابد أن يتخذوا الطرق والوسائل الحديثة التي تلبي احتياجاتهم وهذه الوسائل هي الهاتف الإسلامي والإنترنت فهي وسائل للتيسير على المستفتين.
القاهرة ـ «وكالة الصحافة العربية»: