التصريحات التي أدلى بها معالي حميد القطامي وزير الصحة بعد الزيارة المفاجئة التي قام بها إلى مستشفى البراحة وقعت علينا ـ كما وقعت على معالي الوزير ـ كالصاعقة، فالنقص في بعض الأدوية يحدث أحيانا لأسباب غالبا ما كانت تحدث لظروف خارجة عن إرادة الوزارة، ونقص الكوادر الطبية والتمريضية يحدث في كل المستشفيات خاصة في حال توفر فرص عمل أفضل وبمميزات ورواتب مغرية كتلك التي يقدمها القطاع الخاص لسحب الكوادر الطبية المتميزة من المستشفيات الحكومية وغيرها.

ولكن عندما يصل الأمر لاستخدام الحقن لأكثر من مرة وفي أحد المستشفيات الحكومية فتلك جريمة بحق المستشفى وبحق كافة الأطباء والممرضين وعلى رأسهم المسؤولون، وجريمة بحق أخلاقيات مهنة الطب وقسم أبوقراط الذي يقسم عليه الأطباء بمجرد التحاقهم بكليات الطب وقبل الانخراط أيضا في ممارسة مهنة الطب من باب التأكيد على أن هذه المهنة تعتبر مهنة إنسانية تتعلق بحياة المرضى ويمكنها أن تفتح على الوزارة والمستشفى أبواب جهنم لفظاعة تلك الممارسات.

حالة الحزن التي انتابت الوزير بعد زيارته للمستشفى والشفافية التي تحدث عنها عقب الجولة للصحف المحلية ومطالبته بالشفافية والصراحة والنزاهة في كافة الأمور المتعلقة بالوطن والمواطنين كنا وما زلنا نبحث عنها في غمرة مهنة المتاعب وسط أبواب موصدة في معظم الوزارات والدوائر المحلية وتضطرنا أحيانا للدخول من الأبواب الخلفية للحصول على معلومة من المعلومات لإكمال تحقيق أو خبر، وعندما تتناول الصحافة موضوعا يتضمن انتقادا ما وسط السطور لجهة ما، تنهال في اليوم التالي الاعتراضات على ما تم نشره بحجة انه عارٍ عن الصحة وغير دقيق، دون توضيح الحقيقة وإعطاء ما يشفي الغليل.

الشفافية التي تحدث عنها معالي الوزير لا تعني انتقاصا مما وصلت إليه الخدمات الصحية في الدولة، فالوزارة التي كان تعداد المستشفيات والمراكز الصحية التابعة لها لا يتجاوز عدد أصابع اليد مع بداية قيام الاتحاد أصبح تعدادها الآن يزيد على 14 مستشفى و77 مركزا صحيا موزعة على الإمارات الشمالية، ويفترض بها أن ترتقي بخدماتها بخط مواز للنهضة الحضارية والعمرانية التي شهدتها مختلف مناحي الحياة في الدولة، أما أن تعاني من نقص في الكوادر الطبية والتمريضية والأجهزة والمعدات لا بل وتستخدم الإبر التي يفترض أن يتم إلقاؤها في سهلة المهملات بعد استخدامها فهذا ما لم يكن أحد يتوقع أن يسمعه.

ما اكتشفه معالي الوزير في زيارة واحدة لمستشفى البراحة عجزت عن اكتشافه جهات رسمية تمنح شهادات الايزو بعد التدقيق والتأكد عن جودة الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات، فمستشفيات وزارة الصحة وعلى رأسها مستشفى الأمل الذي كان من المفترض أن يتم احلاله منذ سنوات ومستشفى البراحة ومستشفى صقر في رأس الخيمة المتهالك من الداخل والخارج كلها مستشفيات حاصلة على شهادة الايزو في العام الماضي، وقد طبلنا وزمرنا لما كنا نعتبره انجازا لمستوى الخدمات الصحية خاصة وان شهادات الايزو لا تمنح إلا بعد تأكد اللجان من توفر الأجهزة والمعدات والكوادر الطبية والتمريضية والتأكد أيضا من جودة الخدمات.

إن حصول معظم مستشفيات وزارة الصحة على شهادة الايزو التي تمنحها وزارة المالية والصناعة في الدولة أصبح مشكوكا فيه بعد التصريحات التي أدلى بها معالي حميد القطامي حول ما شاهده خلال زيارته المفاجئة لمستشفى البراحة والتي لم يتمكن من اكتشافها في جولته الرسمية الأولى.

الواقع الذي اكتشفه معالي وزير الصحة في جولته المفاجئة يتطلب من الجهة المانحة لشهادة الجودة في الدولة تشكيل فرق عمل سرية للقيام بزيارات مفاجئة للمستشفيات وجميع الجهات التي منحتها الشهادة للتأكد من أن تلك الجهات جديرة بالحصول على شهادة الجودة التي تعتبر بمثابة «باروميتر» تقيّم على أساسه جودة الخدمات!

عماد عبد الحميد