البحث عن المال له طرق عدة.. لذا الحصول عليه لذة لاتضاهيها لذة، وإذا كانت الحاجة له لا تتحدد بصغير أو كبير، محتاج أو متيسر، فإن ذهنية الساعي إلى امتلاكه تختلف من شخص لآخر. والوصول إلى المال في إطاره المعلن يتم عبر طريقين، أحدهما يتمثل في الانحياز إلى قيمة العمل المصحوب بالجهد والخبرة العملية، والآخر وهو أساس موضوعنا، يتمثل في البحث الدؤوب عن الكسب السهل والسريع المتجسد في المسابقات التي تناسلت إلى أشكال تتجدد مع صيرورة الزمن.
بالطبع لا نقصد في هذا السياق تلك المسابقات الجماهيرية التي تشترط جوائزها الثقافة العامة الرفيعة والذهن المتقد بالذكاء المعرفي، بل تلك التقنية الملحقة بالهواتف النقالة المسماة SMS، التي تحولت من مجرد وسيلة تواصل سريعة ومكثفة بين الناس إلى صيد سهل تنصب له الشركات الفخاخ لتحقيق مكاسب كبيرة، حيث ترسل هذه الشركات بعض الأسئلة للإجابة عنها مقابل جوائز ممهورة بقيمتها العالية.
ومن هنا تتشعب الأسئلة: ما الذي يدفع المتصلين إلى هذه الرغبة العارمة في متابعة مسابقات الSMS؟ وما دور مؤسسة اتصالات في هذا الشأن؟ وما هي نسبة تنصيب الأرباح مع هذه الشركات؟.. وهل ثمة جوائز تستحق هذا الهدر المنظم لأرصدة الموبايلات؟.. وهل تراجعت قيمة العمل كوسيلة معتبرة للحصول على المال؟..
طريقة للتسلية
المحامية أمل سعد تنظر إلى المسألة على أنها طريقة للتسلية وقالت: تأتيني رسائل كثيرة من بعض الشركات التجارية تطلب الإجابة عن أسئلة في غاية السهولة.. ولا يكون الرد عليهم برسالة SMS، بل عبر الاتصال المباشر، ومن هنا يأتي المقلب، لأن الرد عليك دائماً يأخذ وقتاً طويلاً، حيث يطلب منك الموظف المنوط بالرد على المكالمات الانتظار حتى تتاح لك فرصة تقديم إجاباتك.
وتواصل أمل سعد: المشكلة أنه من السهل جداً انتهاء رصيد محمولك من دون أن تحظى بالرد النهائي عليك، لكنهم يرسلون SMS ليخبروك بفوزك بجائزة قيّمة.. وأنا شخصياً قطعت مسافة 75 كيلومتراً للحصول على جائزتي، لكني اكتشفت ان قيمة الجائزة لا تتعدى ثمن بطاقة هاتفية، رغم إنفاقي على هذا الاتصال أكثر من ثلاث بطاقات. الغريب أن أمل لا تبدي ندمها على هذه المحاولة حيث ترى أنها مثيرة للتسلية.
سؤال مشروع
وائل البطراوي «موظف» أثار مسألة في منتهى الأهمية حيث يتساءل عن كيفية وصول هذه الشركات إلى رقم هاتفه، لأنه يعاني من كثرة انزعاجه من هذه الاتصالات التي لا ترتبط بوقت معين.. ورغم عدم استجابته لهذه الرسائل بسبب ما سمعه من أصدقائه عن عدم جدواها المالي، إلا انه يصّر على معرفة دور مؤسسة اتصالات في هذا الموضوع، سواء عن دورها في حصول هذه الشركات على أرقام الهواتف، أو عن دورها في استنزاف أموال الناس، وعلمها بالمقابل البخس الذي يحصلون عليه؟
ويتساءل وائل في مرارة مخاطباً أصحاب الشأن: ألم يكفهم ما نعيشه من غلاء الأسعار في المأكل والملبس والمسكن حتى يبحثون عن طرق جديدة لمراكمة أرباحهم على حسابنا؟ .. صحيح أن كل شخص مسؤول عن تصرفاته وانقياده الأعمى لإغراءات الكسب السهل، لكن يجب عدم التلاعب بمشاعر الفرح لدى الناس الذين يحلمون بأي شيء.
ويعترف وائل: «بالمقابل لا أجد غضاضة في التعامل مع المسابقات التلفزيونية وهي المسابقات المجدية والجوائز القيمة والأسئلة المنشطة للمعارف والذهن فضلاً عن أن هذه النوعية من المسابقات تخضع لمراقبة المشاهدين المباشرة، وأنه يصعب التضحية بسمعة القناة، وسمعة مقدم برامجها.. وأود أن أنبه هنا إلى أن الشركات التي تنظم مسابقات عبر SMS لا تحظى بثقل «اسمي» بين عالم الشركات الموجودة بكثافة على أرض الدولة، وبالتالي لا تستحق التعويل على جديتها وجدواها».
مقامرة
أسماء فتحي (مدرسة) نظرت إلى المسألة من زاوية دينية حيث ترى أن هذه النوعية من المسابقات التي لا تحتاج إلى أي جهد وتعب تشبه المقامرة، فتقول: البعض ينظر إلى المقامرة على أنها ترتبط بالصالات ولعب النرد وورقة الكوتشينة فقط، رغم ان مقارنة سريعة بين مسابقات SMS وباقي أنواع القمار توصلنا إلى نتيجة واحدة وهي وجود قاسم مشترك من عدم الجدية والتسلية المكلفة، فضلاً عن احتمال بروز نوع من الإدمان لهذه الممارسات. وتستطرد فتحي: عندما أنصح صديقاتي بالكف عن هذا العبث أفاجأ بردود تحرجني كثيراً مثل: «هذه مسألة شخصية ولا تحتاج لوصاية أحد» أو «نحن أحرار في فلوسنا» أو «دعينا نتسلى ولا داعي للوعظ».
أسماء تقول ان المشكلة الكبرى ان بعض الشركات تخبرك بالفوز بجائزة ما، دون وجود أي أسئلة مطلوب الإجابة عليها، إضافة إلى أن الجوائز التي يعدون بمنحها تثير الضحك، فوالدي جاءته رسالة تزف له البشرى بـ «ماكينة حلاقة» على ان يتم تسليمها في إمارة أبوظبي، رغم وجود الفائز في الشارقة.. لذلك أزعم أن هذه الشركات تلجأ إلى دعاية رخيصة الثمن والتكاليف، ولا أعتقد أن أي شركة تتسم بسمعة جيدة وبضاعة محترمة القيمة والنوعية تستعين بهذه الأساليب المضحكة ورغم ما قالته أسماء إلا أنها تتساءل مع غيرها عن كيفية وصول هذه الشركات إلى رقم محمولها الذي لا يعرفه إلا زوجها وقلة من صديقاتها المغربيين.
وتختم أسماء: أقدر كثيراً المسابقات التي تحرك عقلي وتضيف إليّ رصيداً معرفياً، فأنا أتابع بشغف برنامج «دانات» الذي يبثه تلفزيون دبي، لأنه يكسبني مفردات إماراتية محلية بالإضافة إلى ألغازه الشعرية الممتعة التي تثير فضولي الذهني.
تعويض نفسي
ولأن لكل ظاهرة أبعادها النفسية والاجتماعية فمن الإفادة أن نستعين برأي إحدى المتخصصات في تحليل الظواهر السلوكية في المجتمع، حيث قالت الباحثة سناء عبدالعظيم ان شعور المرء بالفشل أو العجز عن استثمار وقته في ما هو مفيد يدفعه إلى الركض وراء الأشياء التي تحقق بعضا من أمنياته بدون تعب أو جهد. لذلك يجب ان يكون للأسرة دور مهم وفعال في تكريس قيمة العمل أو ازجاء وقت الفراغ بالممارسات الإيجابية.
وترى عبدالعظيم أن اللهاث وراء مسابقات sms وما شابهها ربما يدفع الناس وخاصة المراهقين إلى استمرار المراهنات في ما بعد، سيما أنها لا تحتاج إلى مجهود يذكر مثل هذه النوعية من المسابقات. كما أن الفائزين يعتقدون ان الحياة سهلة المنال فيكفون عن الأحلام الحقيقية والمجدية.
رأي اتصالات
كان لزاما ان نعرف وجهة نظر الجهة المنوط بها الإجابة على أسئلة كثيرة بخصوص مسابقات الـ sms فيقول أحمد بن علي «مدير الاتصال» في مؤسسة الإمارات للاتصالات «اتصالات»: «المؤسسة تعد مزودا لشركات المحتوى في العديد من خدمات الاتصالات، ومنها خدمة الرسائل النصية المعروفة Bulk sms ولا تقوم المؤسسة ببيع حزم هذه الرسائل لأغراض دعائية، أو تجارية لأي من الشركات المعلنة مباشرة، وإنها يتم تأجير هذه الخدمة».
ويؤكد بن علي ان المؤسسة تشترط في أي مزود لخدمات المحتوى يطلب خدمة Bulk sms ان يكون مرخصا من الجهات المعنية ذات الصلة بالقوانين الضابطة لعلم هذه الشركات، وأن الشروط التي تتوخاها المؤسسة مع أي شركة هي أن تراعي القيم الدينية، والاجتماعية للدولة، وان تقدم خياراً للمشترك في خدمة الرسائل للخروج من قوائم المشتركين لديهم. ويضيف ان عدد الشركات التي تمتلك أرقام الـ sms في مجال المسابقات لا يتجاوز الـ 20، مع العلم أن هذه الشركات ليس لديها جميعها مسابقات مطروحة في السوق حاليا.
وعن كيفية وصول هذه الشركات لأرقام الهواتف يقول بن علي: المؤسسة لا تقدم أي معلومات عن أرقام الهواتف لأي من هذه الشركات، لكنهم يحصلون عليها من دليل الهاتف للمشتركين لدينا والذين يوافقون مسبقا على إدراج أرقام هواتفهم في الدليل. كما زن هذه الشركات تحصل على أرقام الهواتف من البيانات الموجودة في طلبات السحب على الجوائز في الأسواق والمراكز التجارية.
حماية المشتركين
ويواصل بن علي: سبق أن أشرت إلى اشتراطنا على هذه الشركات ان تحذف أرقام كل من لا يرغب في التعاطي مع مسابقاتهم فنحن حريصون على عدم اختراق أو إزعاج مشتركينا. كذلك يمكن للمشترك الذي يتلقى رسائل لا يرغب بها ان يتصل بخدمة العملاء علي الرقم «101» حيث يمكنه الحصول على رقم الشركة المرسلة وطلب حذف رقمه من رسائل مسابقاتهم. وفي حال عدم استجابة الشركة لدينا إجراءات تدرج لتصل حد حجب الخدمة عن الشركة التي لا تتقيد بذلك.
الدائرة الاقتصادية
من جهة أخرى كان لابد من الاستعانة برأي الدائرة الاقتصادية بصفتها الجهة المخولة بإعطاء تراخيص الأنشطة التجارية للشركات. وترى الدائرة أن من حق أي شركة أن تستخدم رسائل sms بغرض الدعاية والترويج، طالما أنها لا تخرج عن الإطار الأخلاقي للمجتمع ـ وأنها ـ أي الدائرة ـ تعطي تصريحا لأي شركة ترغب في الإعلان عن منتجاتها عبر رسائل sms ومسابقاتها ـ وأكد مسؤول بالدائرة ان مؤسسة اتصالات لا يمكن ان تؤجر أرقام sms للشركات التجارية إلا بتصريح من الدائرة الاقتصادية التي لديها معايير صارمة في نوعية المنتج أو السلعة التي ترغب الشركة في الدعاية لها.
تحقيق ـ مجدي أبوزيد: