في الوقت الذي تبحث فيه الجهات المعنية ليل نهار عن حل لمشكلة البطالة الآخذة نسبتها بالارتفاع لدى المواطنين كشف تحقيق أجرته «البيان» أن أعداداً كبيرة من المواطنين والمواطنات من حملة الشهادات الجامعية والدبلوم في بعض الوزارات الاتحادية وتحديدا في وزارة الصحة، يتقاضون رواتب لا تزيد على رواتب «الفراشين» بسبب تعيينهم على شواغر توفرت حينها، أملاً في أن يتم تعديل أوضاعهم في وقت لاحق.
ولكن البعض مضى عليه سنوات في الدرجة ذاتها مع حدوث تغير طفيف في الراتب بسبب الزيادة السنوية التي لا تكاد تذكر مقارنة مع مستوى المعيشة في الدولة وما زالوا ينتظرون الفرج.
وكشف التحقيق أن هناك أعداداً لا بأس بها من حملة البكالوريوس والدبلوم قبلوا عند تعيينهم برواتب متدنية تتساوى مع رواتب «الفراشين» أملاً في تعديل مسمياتهم الوظيفية والمالية لاحقاً، ولكن المؤسف هو أن نسبة كبيرة منهم ما زالوا على الدرجات ذاتها، رغم مرور سنوات.
وحتى الأطباء المواطنين الذين يفترض أن يكونوا كالعملة النادرة لم ينجوا من ذلك فمنهم من يتعين بنظام المكافأة المقطوعة ب5000 آلاف درهم شهريا وأصابع الاتهام كلها تشير إلى بيروقراطية الإجراءات المتبعة في وزارة الصحة.
المحظوظ منهم من حصل على وظيفة أخرى في دائرة حكومية أو شركة خاصة براتب ومميزات أفضل، والبعض الآخر لم يقنط من رحمة الله وما زال ينتظر لعل وعسى أن تتبدل الأوضاع خاصة مع التشكيلة الوزارية الجديدة.
جامعية.. فراشة!
في المنطقة الشرقية وتحديداً في المستشفيات التابعة لوزارة الصحة روت عدد من الموظفات معاناتهن مع «بيروقراطية» الإجراءات المتبعة في عملية الترقيات والتعديلات.
وأفادت إحدى المواطنات الجامعيات، طلبت عدم نشر اسمها (منعاً للإحراج)، كما تقول، في مسماها الوظيفي معاون خدمة بمعنى آخر «فراشة» في الدرجة الرابعة عشرة.
وأنها ما زالت تتقاضى الراتب ذاته الذي عينت عليه قبل حصولها على الشهادة الجامعية وهو 2700 درهم، وما زالت تنتظر الفرج لمساعدتها على تحمل أعباء الحياة المعيشية التي باتت لا تطاق خاصة في ظل موجة الغلاء التي تشهدها الدولة.
خريجة أخرى من جامعة الإمارات عينت في الدرجة العاشرة وما زالت تنتظر تعديل وضعها على الرغم من مرور ثلاث سنوات، معربة عن أملها في أن يكون العام الجاري هو عام تغيير الدرجات والرواتب الضعيفة التي لا تفي بمتطلبات الحياة الأساسية.
وتتساءل هل الجهات المعنية عن تعيين المواطنين عاجزة عن توفير الدرجات المناسبة التي تتماشى مع مستوياتهم العلمية؟ وتقول إن ما أجبرها على قبول وظيفتها الحالية هو جلوسها في المنزل لمدة خمس سنوات وحاجتها إلى تغطية مصاريفها الخاصة لتخفيف الحمل عن أهلها.
عصفور باليد
وتشاطرهما الهم زميلة أخرى سئمت من انتظار الوظيفة المناسبة الأمر الذي دفعها بالتالي لقبول بوظيفة راتبها 2700 درهم وتصر على التمسك بها انطلاقاً من مقولة عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة. موظفة أخرى من خريجات كلية التقنية تم تعيينها بوظيفة أقل من الوظائف المخصصة للثانوية العامة وبراتب لا يتعدى 3200 درهم.
وفي دبي استغل بعض مسؤولي الوزارة الزيارة التي قام بها معالي حميد القطامي وزير الصحة لمستشفى البراحة ليصبوا جام غضبهم على بيروقراطية الإجراءات المتبعة في الوزارة، والتي أدت في بعض الأحيان إلى انقطاع الخيوط الخاصة بالعمليات من المستشفى فضلاً عن نقص الأدوية.
وأكدوا أن عملية انتظار التعيين وجمود الرواتب، أديا لخسارة المستشفى لعدد من الاستشاريين، الذين كانوا بصدد الالتحاق بالعمل في المستشفى، مشيرين إلى أن بعض العاملين حصلوا على وظائف بمميزات أفضل ورواتب أعلى في جهات حكومية ومؤسسات القطاع الخاص حسبما أفاد الدكتور احمد العمادي المدير الفني للمستشفى في مداخلته أمام معالي الوزير.
العلّة بالرواتب
وأشار كذلك إلى أن الرواتب التي تمنحها الوزارة حاليا للاستشاريين والاختصاصيين تقل بكثير عن الرواتب التي تمنحها الجهات الحكومية الأخرى وهذا يدفع بالمواطنين للبحث عن فرص عمل أفضل خاصة في القطاعين العام والخاص في ظل ارتفاع مستوى المعيشة في الدولة.
وفيما يتعلق بالأطباء الوافدين أشار إلى أن الوزارة تعاقدت مع عدد من الاستشاريين ولكن بسبب تأخر الوزارة في الموافقة على تلك التعيينات حصل عدد كبير منهم على وظائف بمميزات أفضل.
وبعضهم ممن اضطر للانتظار رفض العرض المقدم من الوزارة بسبب علاوة السكن الثابتة والتي لا تتماشى مع سوق الإيجارات في دبي ولا في أي إمارة أخرى ومنهم من فضلوا العودة إلى بلدانهم.
الدكتورة زينب مسؤولة التمريض في المستشفى تحدثت لمعالي حميد القطامي وزير الصحة عن معاناة الكادر التمريضي في المستشفى خاصة فيما يتعلق بالرواتب والعلاوات.
وقالت إن الممرضات يتم تعيينهن على رواتب تتراوح بين 2500 و3000 درهم أي أقل من رواتب الفراشين الأمر الذي يضطرهن للبحث عن فرص عمل أفضل في مؤسسات القطاع الخاص أو المؤسسات الحكومية الأخرى، مشيرة إلى 15 ممرضة قدمن استقالاتهن العام الماضي من المستشفى بسبب عدم تعديل أوضاعهن.
مصدر مسؤول في الصحة طلب عدم ذكر اسمه قال إن هناك بالفعل عدداً من المواطنين والمواطنات ممن عينوا على درجات أقل أملا في تعديل أوضاعهم لاحقا .
ولكن ما يحدث هو أنهم يحصلون على نسبة الزيادة السنوية المحدودة القائمة أصلا على رواتب أقل من الرواتب التي كان يفترض أن يتم تعيينهم عليها أو ترقيتهم لها لاحقاً.
البيروقراطية.. تخلف
وقال إن مشكلة الصحة وبقية الوزارات تكمن في الإجراءات البيروقراطية فأحيانا يضطر المواطنون للانتظار فترات طويلة للتعيين بانتظار موافقة مجلس الخدمة، لأنه الجهة التي تشرف على تلبية احتياجات الوزارات المالية والوظيفية.
ويضيف أن الإجراءات العقيمة المتبعة في وزارة المالية خاصة فيما يتعلق بصرف المبالغ المطلوبة للوزارة تستغرق وقتاً طويلاً.
وهناك الآن بعض المراكز الصحية ما زالت بدون هواتف أرضية ولا فاكسات بسبب عدم قيام الصحة بدفع المتأخرات المالية المتراكمة عليها لمؤسسة «اتصالات»، بسبب تأخر المالية، فتخيل مركزاً صحياً من دون «هاتف» ولا «فاكس»!
ويقول هذا المسؤول إن عامة الناس تتهم الوزارة دائما ونسمع الكثير يتحدثون في البث المباشر والصحف عن نقص الأدوية وعدم وجود التلفونات.
وهذا شيء يوثر على سمعة الوزارة والخدمات الكبيرة التي تقدمها للمواطنين والمقيمين ولكن الحقيقة أن الوزارة براء من كل هذه التهم والمشكلة برمتها لدى المالية.
وأشار إلى أن وزارة الكهرباء والماء لديها أيضا مبالغ مستحقة على الوزارة ولكنها لم تقم بقطع الخدمة ولا برفض توصيل الخدمات الجديدة كما هو حادث من قبل «اتصالات».
وحول المواطنين الذين مضى على تعيينهم سنوات دون تعديل أوضاعهم قال: التعيين يتم حسب الوظائف الشاغرة فإذا كان لا يوجد شاغر يناسب الدرجة العلمية والمؤهلات يتم تعيينه بصورة مؤقتة على وظيفة أقل لحين حدوث شاغر في الوظيفة ذاتها، ولكن هناك من مضى عليهم بالفعل سنوات دون تعديل أوضاعهم المالية ولا مسمياتهم الوظيفية.
وطالب وزارة تطوير الأداء الحكومي بالعمل مع وزارة المالية للتخلص من الإجراءات الروتينية والبيروقراطية المتبعة بالوزارة والتي من دونها أي من دون تطوير الإجراءات لا يمكن أن نصل إلى الآمال والطموحات المنشودة فيما يتعلق بعميلة التطوير.
وفي رأس الخيمة قال مسؤول التمريض هناك إسماعيل أحمد ان مشكلة تعيين 12 ممرضة مواطنة لا تزال قيد الاجراءات الإدارية بوزارة المالية.
ومنذ تخرجهن في يوليو من العام الماضي تجلس الممرضات في بيوتهن انتظاراً لتعيينهن أسوه بزميلاتهن في الإمارات الأخرى.
لكن إدارة المنطقة الطبية ترى بأن تعيين الممرضات هو مجرد وقت ليس إلا. وبحسب ما تقوله إدارة المنطقة الطبية فإن أسماء الممرضات تم رفعها لوزارة المالية للموافقة على توظيفهن على درجة فني مسؤول أول.
والممرضات المواطنات العاطلات عن العمل هن بعض خريجات الدفعة الثانية في معهد التمريض برأس الخيمة وعقب تخرجهن بنجاح حالف التوظيف 7 خريجات فقط من أصل 38 ممرضة.
ووفقاً لمسؤول التمريض فإن من بين الممرضات الخريجات 14 ممرضة من جنسيات وافدة و4 لم يكتمل تخرجهن وممرضة واحدة فضلت العمل بالمنطقة الشرقية.
ميزات مغرية
ومن المعلوم أن الموطنات خريجات معهد التمريض يتمتعن بمزايا مغرية عدة فإلى جانب استيعابهن في درجات وظيفية ذات مردود مادي كبير فان أمامهن فرصة عظيمة لاكمال دراستهن الجامعية بالشارقة بموجب منح دراسية مجانية. لكن الممرضات العاطلات منزعجات لعدم تمكن الوزارة من الحاقهن بالعمل في مرافق القطاع الصحي.
وتقول احداهن في اتصال مع «البيان» من منزل أسرتها: إلى متى ننتظر؟ لقد قتل روتين الاجراءات الوظيفية روح الحماس التي تخرجنا بها.
وتضيف الممرضة التي لم تشأ ذكر اسمها بصراحة فإن كل ما نخشاه هو أن يحبط الانتظار كل ما لدينا من عشق للثوب الأبيض وللطموح العلمي.
الاستقالات متتالية
وفي واقع الأمر فإن منطقة رأس الخيمة الطبية تواجه حالياً ظاهرة الاستقالات في هيئة التمريض حيث وصل عدد المستقيلين من الجنسين العام الماضي إلى 52 مستقيلاً.
وبحسب مسؤول التمريض فإن أسباباً معروفة تقف وراء ظاهرة الاستقالات مثل ضعف الرواتب وغياب المزايا الوظيفية.
ويلاحظ ان الغالبية العظمى ممن لجأوا إلى الاستقالة عن العمل بالمرافق الصحية برأس الخيمة هم الذين تم توظيفهم برواتب مقطوعة لا تزيد على 2000 درهم.
ويعترف «إسماعيل» بأن مجموعة المستقيلين هم من الكفاءات النادرة في قطاع التمريض التي يتعذر تعويضها.
مغريات جاذبة
وقال: نسعى بكل الطرق والوعود لإقناع هؤلاء المستقيلين ذكوراً أو اناثاً بالاستمرار معنا لكنهم يرفضون ذلك لان المغريات التي تأتيهم من الخارج يسيل لها اللعاب.
حيث انهم يتقاضون خلال عملهم بالمستشفيات الأوروبية 20 دولاراً عن كل ساعة في العمل إلى جانب العديد من المزايا المجانية مثل كفالة الزوج أو الزوجة وعلاج الأسرة وتعليم الأبناء والسكن لفترة محدودة.
وأضاف إسماعيل: في ضوء الظروف المهنية المتردية التي يتم التعامل بها مع الكفاءات التمريضية الوافدة فإن حالنا يكون كمن يحدث في البحر. فإلي جانب الرواتب الضعيفة جداً .
والتي لم تعد تساوي شيئا نتيجة ارتفاع تكلفة الحياة المعيشية فإن الكفاءات التمريضية المؤهلة الوافدة لا تستطيع كفالة الزوج أو الزوجة ولا تحصل على تعليم مجاني لأطفالها.
ويستطرد إسماعيل قائلا: لكن الأسوأ من ذلك كله هو أنالممرضين المستقيلين هم أصلا كباقي زملائهم محرومون من الحصول على العلاج الذي هو من صميم مهامهم الوظيفية.
تحقيق عماد عبد الحميد
وعائشة الكعبي وسليمان الماحي:
