تختلف وجهات النظر لدينا باختلاف درجة الرؤية وزاوية النظر التي نقف بها، وتأثر المعلومات المتراكمة التي انطبعت في ذاكرتنا بطريقة تعاطينا مع الأمور والأحداث التي نعيشها، وهو ما يضع التربية الأسرية موضع حجر الزاوية الذي إن انهار تداعت مقومات الحياة الأسرية وانهدم المجتمع، فما الإخلاص والتضحية والحب وعمل الخير إلا رسائل نتلقاها في صغرنا من أهلنا ومجتمعنا والبيئة التي نترعرع فيها وهذا ما تؤكد عليه ثقافة العمل التطوعي الذي يعد إحدى ركائز التكافل الاجتماعي، حيث تتلاشى «الأنا» وتتوحد المقاصد لتقديم الخير ماديا كان أم معنويا للإنسان أيا كان دون النظر إلى جنسيته أو لونه أو لغته،عندها نبلغ مرتبة الإيمان الحق التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ز لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
تقول فاطمة السري المنسقة الإعلامية بجمعية النهضة النسائية بدبي بدأت العمل التطوعي وأنا صغيرة لم أتجاوز سن العاشرة في فرق المرشدات في المدارس الابتدائية في الكويت حيث كنا نقيم هناك وكان والدي يتابع تحصيله العلمي ويمارس أعماله الخاصة وكان له الفضل في تشجيعي، على العمل التطوعي من خلال ما يقوم به من مساعدة للناس حيث كان متكفلا بتوفير مياه الشرب للعديد من الأسر الفقيرة، وكانت عنده قائمة بأسمائها وبرنامجا وكيفية توزيع المياه لها حسب الأيام.
وأضافت: في إحدى ليالي الشتاء قدم والدي من السفر ولم يكن يرتدي معطفه وعندما سألته أين معطفك يا أبي ؟ أجاب «عند وصولي المطار شاهدت أحد العمال الآسيويين يرتجف من البرد فخلعت عني معطفي وأعطيته إياه» هذه القصة كان لها تأثيرها القوي في حبي للعمل التطوعي و توجهي إليه ولا أنسى كلماته التي غرست في ذاكرتي، إضافة إلى أنه كان يأخذني مع إخوتي للمدرسة يومي الخميس والجمعة للقيام بتنظيفها، وأنا عندما أقص هذه القصص لأبنائي أو للناس أقصد من ورائها التمثل والتشجيع للاقتداء بمثل هذا العمل الذي لم يكن نادرا تلك الأيام غير أنه أصبح غريبا في أيامنا، بكل أسف.
في الجمعية قمنا بتأسيس جماعة الصحافة والإذاعة واللغة العربية وجماعة أصدقاء المدرسة والثقافة وكنا نمارس أعمالنا التطوعية بدافع الحب وليس بدافع الأوامر أو الفروض، هذا كله أثناء دراستنا حيث كان للمدرسة دور كبير في تحفيزنا وتشجيعنا. وفور تخرجي في جامعة الإمارات قسم الإعلام بدأت البحث عن عمل كصحافية في إحدى وسائل الاعلام وكنت أتمنى أن أعمل في إحدى الصحف المحلية غير أن ذلك لم يتيسر لي وشاء الله أن أتابع عملي في جمعية النهضة النسائية.
وتضيف فاطمة هنا في الدولة يوجد عندنا العديد من الأنشطة التطوعية غير أن وسائل الإعلام لا تقوم بإبرازها للمجتمع حتى أن هناك أنشطة تنظم وتنتهي ولا نسمع عنها.
أما عن مشاركاتها الدولية والنظرة التي كونتها عن نسبة العمل التطوعي في الدولة مقارنة بالدول الغربية تقول فاطمة بصراحة أنا خجلت من نفسي عندما قمت بزيارة الولايات المتحدة الأميركية العام الماضي للمشاركة في إحدى الدورات بعنوان «قيادات نسائية» وقد أرثاني حقيقة ما رأيت من حبهم للعمل التطوعي واهتمامهم به في مناهجهم التعليمية، حيث رأيت نساء جعلن من منازلهن مراكز تطوعية، وقمن بتجهيزها بوسائل الاتصال المتعددة، وعرفت ساعتها أننا لا نكاد نقوم بأعشار الدور الذي ينبغي علينا القيام به، حتى العقاب عندهم سواء في المدارس أو الجامعات أو السجون تكون صبغته خدمة المجتمع، أما دور المدارس عندنا فأصبح موجها لإنهاء المناهج التعليمة، وفي الفترة الأخيرة أصبحت المدارس تسعى للمشاركة في الأعمال التطوعية بغية الحصول على جائزة حمدان بن راشد للأداء العلمي المتميز وليس حبا في تعميم العمل التطوعي أو غرس ثقافة التطوع عند أبنائنا.
وترجع فاطمة مشكلة تدني نسبة العمل التطوعي في الدولة إلى أسباب أهمها: قلة الدعم الحكومي الذي يشل فعاليات الأنشطة، تلاشي دور وسائل الإعلام في نشر ثقافة العمل التطوعي، ضعف إقبال المتطوعين ما يقلل من جهود المؤسسات الاجتماعية، انصراف الناس عن الأعمال التطوعية وانشغالهم بأعمالهم الخاصة بخلاف الماضي، ضعف مستوى الوعي بأهمية العمل الاجتماعي كمسؤولية اجتماعية وطنية، قصور بعض البرامج وعدم الاهتمام بالتغيير الاجتماعي المتطور، عدم تشجيع المتطوعين كأفراد مسؤولين عن مسؤوليات تناط بهم، ما يصيبهم بالإحباط وانخفاض الروح المعنوية عندهم الأمر الذي ينعكس سلبا على دورهم التطوعي، عدم التقيد باستمرارية الحضور من جانب المتطوع وانسحابه من العمل الذي يؤدي إلى التقليل من فعالية الجهود، قلة عدد المتطوعين من حملة الشهادات العليا ما يؤثر سلبا على الاستفادة من الخبرات والمشاركة في بناء المجتمع من خلال برامج تخطيط الأنشطة، عدم صلاحية الأبنية التي تعجز عن تلبية احتياجات المجتمع لصغر حجمها والتي لا تصلح لمزاولة الأنشطة، تأخر الدعم السنوي الذي يؤثر على أنشطة الجمعيات، عدم مشاركة القطاع الخاص والمقتدرين في دفع عجلة العمل الاجتماعي، عدم اهتمام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالجمعيات ذات النفع العام لدفع مسيرتها بتزويد الجمعيات بعاملات في الخدمة الاجتماعية تعكس ما كانت عليه سابقا حيث كانت الوزارة تزود سابقا الجمعيات بمشرفات واختصاصيات اجتماعيات لهن الدور الايجابي في ربط وتواصل الوزارة بالجمعيات، النظرة السطحية من قبل المسؤولين بالوزارة بأهمية العمل الاجتماعي التطوعي وعدم التقدير للعاملين به لاعتقادهم بأن الجمعيات ذات النفع العام مجلس لتنظيم الجلسات الترفيهية وتبادل الأحاديث الودية وهذا بسبب انعدام صلات التعاون بين الجمعيات والوزارة للوقوف على حجم المشكلات التي تعترضها.
دبي ـ محمد زاهر: