انتفض عشرات الآلاف من العراقيين في العديد من المدن في هبة شعبية لوأد الفتنة الطائفية وللدفاع عن الوحدة، ومنع الانجرار إلى حرب أهلية ظهر شبحها عقب تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، في وقت تسارعت الإجراءات الحكومية لإبعاد المظاهر المسلحة عن الشارع الذي فرض عليه في العديد من المحافظات منع التجول، فيما دعا رئيس الائتلاف العراقي الموحد الشيعي عبد العزيز الحكيم إلى الهدوء وضبط النفس، فيما أبدى الرئيس الأميركي جورج بوش تخوفه من ساعات حرجة وصعبة خلال الأيام المقبلة في ظل قلق داخل إدارته من انفجار حرب أهلية لا تستطيع القوات الأميركية المنتشرة في العراق التعامل معها.

وأعلن رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته إبراهيم الجعفري منع المظاهر المسلحة في الشوارع «من اجل حفظ سلامة المواطنين وحماية مصالحهم»، مضيفا أنه «اتخذ كل الإجراءات لحماية مراقد الأئمة ودور العبادة في أنحاء العراق وخاصة في المناطق ذات المكونات المتنوعة»، مؤكداً أن الحكومة عززت الوجود في المناطق ذات الاحتكاك. كما قرر «منع الدخول والخروج من وإلى بغداد ما عدا سيارات الشرطة والإسعاف والحافلات التابعة للوزارات» مضيفاً «على الرغم من علمنا أن ذلك يحد من حركة المواطنين لكن الحكومة ترى في ذلك ضرورة لحمايتهم ولمنع الإرهابيين من تحقيق مأربهم وإعطاء الفرصة لقواتنا الأمنية للانقضاض عليهم».

ودعا الجعفري إلى «تشكيل فريق استشاري يتكون من مجموعة من الشخصيات السياسية والقادة ورؤساء الكتل البرلمانية للوقوف على وجهات نظرهم حيال هذه الأزمة ومساهمتهم في تعزيز الوحدة الوطنية التي تتعرض إلى زعزعة من قبل الإرهابيين». وأكد أن «الحكومة قررت المساهمة في إعادة إعمار ما خلفته كارثة سامراء وما أعقبها من دمار شمل مساجد وغيرها». كما أوضح انه تقرر في هذا الصدد «تشكيل لجنة تحقيق لكشف أسباب ودوافع كارثة سامراء وتحديد المقصرين وتقديمهم إلى العدالة وتوجيه أقصى الجهد الاستخباري لكشف الفاعلين».

من جانبه، دعا زعيم كتلة الائتلاف العراقي الموحد عبدالعزيز الحكيم أمس إلى التهدئة وضبط النفس، مؤكدا أن الذين فجروا مرقد الإمامين في سامراء الأربعاء لا يمثلون السنة. وقال في بيان: «ندعو الجميع إلى ضبط النفس والتهدئة وعدم الانجرار وراء أهداف أعداء العراق الذين لا يريدون الخير للعراق... كما ندعو كل العلماء في العراق إلى ممارسة دورهم في تعبئة الجمهور للتوحد ومواجهة الإرهاب والإرهابيين الذين يستهدفوننا جميعا».

وفي أجواء الفتنة، قال مصدر شيعي إن مرقد الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه والذي يقع في بلدة سلمان باك إلى الجنوب من بغداد كان هدفاً لاعتداء صاروخي بعد غروب الشمس تسبب في إحداث أضرار مادية. إلى ذلك تظاهر في مدينة العمارة إلى الجنوب من بغداد أكثر من 15 ألف عراقي بعد صلاة الجمعة منددين بالعمليات التي استهدفت الضريح والاعتداءات ضد المساجد السنية ورفعوا لافتات كتب عليها «الشيعة والسنة كالحسن والحسين» و«المرجعية تدين الإرهاب بكل أشكاله وألوانه».

وفي كربلاء، دعا الشيخ عبدالمهدي الكربلائي ممثل المرجع الشيعي البارز علي السيستاني في كربلاء في خطبة الجمعة في الصحن الحسني إلى «التعايش السلمي والأخوي ونبذ العنف للحفاظ على وحدة الشعب». وأضاف: «إننا ندرك طبيعة هذه الجريمة وما سبقها من جرائم ونعلم أنها ليس من فعل السنة بل من العدو المشترك للشيعة والسنة».

وفي البصرة، تظاهر أكثر من عشرة آلاف من الأهالي تلبية لنداء المرجعية الشيعية في النجف بالقرب من جامع الابلة وسط البصرة رافعين لافتات تطالب «بجلاء المحتل وتشكيل الحكومة الجديدة وبأسرع وقت ممكن».

وفي الكوت، إلى الجنوب الشرقي من بغداد تظاهر المئات بعد صلاة الجمعة منددين بالاعتداء على ضريح الإمامين والاعتداءات على المساجد. وطالب الشيخ مظفر البطاط ممثل مكتب الصدر الحكومة العراقية بإعطاء الفرصة للتيار الصدري لحماية المقدسات ودعا خلال خطبة الجمعة إلى «نبذ الطائفية». كما أقيمت صلاة موحدة في جامع الكوت الكبير وسط المدينة.

وفي الموصل إلى الشمال من بغداد، تظاهر قرابة 500 شخص في منطقة برطيلا شمال شرق المدينة بدعوة من مؤسسات شيعية وأخرى سنية للتنديد بتفجير مرقد الإمامين والدعوة إلى وحدة الصف وعدم الانجرار وراء حرب طائفية. وهتف المتظاهرون «لا اله إلا الله أميركا عدو الله» و«بالروح بالدم نفديك يا إمام» رفعوا لافتات كتب عليها و«لا لضرب المراقد، لا لضرب المساجد، لا لضرب الكنائس» و«كلا كلا للإرهاب ضربوا المسجد والمحراب. لا لأميركا ولا لصدام نعم نعم للإسلام».

في غضون ذلك، أعلن جورج بوش أن العراقيين يعيشون حاليا «ساعة الخيار»، لكنه أبدى «تفاؤله» بشأن مستقبل هذا البلد. وقال في كلمة ألقاها أمام تجمع لرابطة أميركية لقدامى المحاربين في واشنطن إن الوضع الراهن هو ساعة الخيار للعراقيين، رغم قوله إن العراق لا يزال في وضع خطير. وتابع الرئيس الأميركي في كلمة دافع فيها عن استراتيجيته في العراق قائلا»يمكننا أن نتوقع أن تشهد الأيام المقبلة توترا. العراق ما زال في وضع خطير لكنني متفائل«، وحض العراقيين على مواصلة درب الديمقراطية.

رسمت المصادر العسكرية الأميركية، صورة قاتمة للوضع، فقالت إن حالة من القلق تسود الإدارة الأميركية خشية انفجار حرب أهلية في العراق ما يؤدي إلى افشال جهود تشكيل حكومة جديدة. وعبرت المصادر عن الخوف من أن تجد القوات الأميركية المنتشرة في العراق نفسها في وضع صعب وأن يكون عديد الجنود الموجودين (نحو 134 ألفاً) غير كاف، وهو ما يضع الإدارة أمام خيارين: التدخل في الحرب الأهلية المرعبة أو الانسحاب والاعتراف بالفشل.

وقالت المصادر: إن الإدارة تنظر إلى الوضع بأنه صعب جداً ولا يمكن للقوات الأميركية التعامل معه، لأنها غير مدربة على وقف حرب أهلية، أو الحيلولة دون وقوعها. ولمواجهة جميع الاحتمالات، بدأ القادة العسكريون في (البنتاغون) البحث في إمكانية ارسال قوات أميركية جديدة من القوات المتواجدة في الكويت.

بغداد ـ «البيان» والوكالات:

واشنطن ـ «البيان»: