يبقى ملف التعليم من أعقد الملفات في دنيا السياسة والوزارة، وهذه ليست دعوة للتشاؤم بقدر ما هي دعوة لإدراك حجم المسؤولية وأخذها بالجد الذي يليق بها. وإنما تعرف النهايات من البدايات، فمن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، والحكيم من خطا الخطوة الأولى وعينه تنظر إلى آخر خطوة.

ويعتبر ستيفن كوفي صاحب كتاب عادات النجاح أن حسن إدارة الأولويات والتوفيق فيها، من أهم عادات الناجحين عبر التاريخ، بل ربما أهمها على الإطلاق. وأولى أولويات ملف التعليم في دولة الإمارات تحديد استراتيجية واضحة له، فما لم يتم تحديد استراتيجية واضحة للتعليم فإن الاستراتيجية التي ستقود القائمين عليه هي استراتيجية الانغماس في المشكلات وتشتت الجهود فيها.

نعم وزارة التربية فيها مشكلات ولا تخلو أي وزارة من المشكلات، ولكن ثبت في علم الإدارة أن مدير الأزمات أبعد ما يكون عن تحقيق النجاحات، وأن الإدارة المثلى هي الإدارة بالاستراتيجيات الواضحة المحددة الطموحة، وفي طريق تحقيق الاستراتيجيات يتم حل المشكلات ولكن ليس باعتبارها الأولوية الأولى. وتكمن أهمية الاستراتيجية في بناء الهيكلية الإدارية وتحديد الوظائف وتوصيف المهام عليها، ولا يمكن الإجابة عن سؤال جدوى الوظيفة أو الموظف دون بلورة متطلبات الخطة وتحديد الاحتياجات الوظيفية.

وإذا كانت الخطة والاستراتيجية مهمة لا مجال للتنازل عنها، والأهم هو تحديد الوظائف والجدية وعدم المجاملة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وبالمقابل إلغاء وظائف وربما إدارات ونقل موظفين ليس بناء على أهواء وعلاقات بل لمتطلبات الخطة. وإذا تحددت الخطة العامة، توزعت المهام على الإدارات والأقسام وصار لكل منها خطته واستراتيجيته الواضحة التي تقوده في عمله وتضف له متطلبات وظيفته، ثم يتم تقييمه وتحديد مدى نجاحه وفشله من خلال تحقق الأهداف، ولا تردد في أن يقال للمقصر لقد قصرت، وينحى الفاشل ليفسح المجال لمن هو أقدر منه بعيداً عن الترهل الوظيفي والمجاملات، لأن خطأ الموظف سيصب في النهاية في رصيد المسؤول الأكبر وهكذا إلى أعلى الهرم الوظيفي.

أما الاستراتيجية المطلوبة فلا شك أنها لا يمكن أن تكون أقل من تقديم نموذج مثالي يحتذى به في مجال التعليم، وإن شك أحد في قدرة الإمارات على تقديم ذلك النموذج في الجانب التعليمي فهو مخطئ أو غير ملم بواقع التعليم في الإمارات. فرغم كل ما يقال عن التعليم ورغم كل المشكلات التي تثار فإنه يعد إنجازاً إذا قورن بالمدى الزمني الذي تحقق فيه، وإذا قورنت مخرجاته بمخرجات العديد من الدول العربية والنامية التي سبقته، وربما تهيأ لها ما لم يتهيأ للتعليم في الإمارات، يدرك هذا التربويون الذين يشاركون في مقابلات المدرسين في الخارج، وها هي جائزة حمدان للتميز التربوي تقود التميز في دول مجلس التعاون وفق معايير جودة تطرحها لتنشر ثقافة التميز التربوي. وإذا تحددت الاستراتيجية بدأ العمل، ولكن بجودة واتقان بعيداً عن الأجواء الاحتفالية والمظاهر الخادعة، ففي الجانب التربوي سريعاً ما تنكشف الحقائق وتزول مساحيق التجميل، وفي النهاية سنعود من حيث بدأنا. نحن بحاجة إلى جودة في التعليم وفق معايير جودة واضحة تميز بين الجيد والرديء من الأداء، ولا تقبل بأنصاف المخرجات.

وهذا يستدعي التعامل مع المشروعات القائمة والمقبلة بمنطق علمي ووفق دراسات علمية تعتمد لغة الأرقام في الحكم على النواتج وفق مؤشرات أداء واضحة ودقيقة. إما أن يثبت نجاحها فتدعم وتعمم وإما أن يرفع عنها جهاز الإنعاش حفظاً للجهد والمال والفكر وإبعاداً للإحباط والتذمر، مع جزيل الشكر لأصحابها، فالعبرة بالثمرة لا بصاحب الفكرة، والميدان هو أصدق شاهد على النجاح من عدمه وليس القائمين على المشاريع، فكل فتاة بأبيها معجبة.

هذه الطموحات لا يمكن أن تتحقق إلا بفريق عمل متكامل، يضم مجموعة من القياديين الذين يقودون الفرق الفرعية الجزئية ميدانياً، لا الإداريين الذين يصدرون الأوامر من مكاتب عاجية.

يحتاج تحقق الطموح أشخاصاً ذوي قدرات عالية علمياً يعرفون إلى أين يقودون الميدان وكيف يحققون الأهداف ويقتنع بهم الميدان قبل ذلك ليشاركهم في أحلامهم، وأن يكونوا على قدر عالٍ من الإخلاص والتفاني في سبيل تحقيق الأهداف، بحيث تظل أعينهم محدقة في النجاح متطلعة إليه، وليست متشبثة بالمنصب مستميتة من أجله. أعضاء فريق العمل هذا مبثوثة في الميدان وعين الخبير قادرة على تمييزهم، ولكل زمان دولة ورجال.

د. عبدالله الكمالي

خبير تربوي وإداري