تزايد منذ عدة عقود في الدولة الاهتمام الرسمي والشعبي بزراعة نخيل التمر لما تمثله هذه النخلة المباركة من قيمة تاريخية وتراثية واقتصادية وجمالية وسياحية. وتعتبر هذه النخلة من أقدم أشجار الفاكهة التي عرفها إنسان المنطقة وإذا كان أقدم كتاب سماوي باق وهو القرآن الكريم قد خلدها في عدد من الآيات فقد قامت بينها وبين المزارع العربي وبالذات المزارع الإماراتي علاقة من نوع خاص وكانت بالنسبة له رمزا للحياة وبصفة خاصة خلال فترة ما قبل النفط وسنوات القحط والجفاف.

وبفضل السياسة الحكيمة التي أرسى دعائمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله والتي يواصل نهجها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله توسعت زراعة نخيل التمر في الدولة بفضل التشجيع والدعم الذين يقدمان للمزارعين حيث لا تبخل الدولة بكل مساعدة ممكنة أو دعم فني ضروري لزراعة النخيل وإنتاج التمر أو تصنيعه.

ولم تظهر بعد الإحصاءات النهائية الجديدة بعدد أشجار النخيل في الإمارات إلا أن البيانات السابقة تؤكد وجود حوالي 41 مليون شجرة نخيل تشكل ما نسبته 20 بالمئة من الإجمالي العالمي أما فيما يتعلق بالإنتاج فتشير هذه البيانات إلى انه بلغ نحو 757 ألف طن.

وبحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» التابعة لهيئة الأمم المتحدة لعام 2004 فقد احتلت الإمارات المرتبة السادسة بالنسبة للدول المصدرة للتمور ما يدل على العناية الرسمية والأهلية بهذه الشجرة وعلى التطور الذي ادخل في زراعتها وإنتاج تمورها وتصنيعها وتسويقها.

ويتركز وجود نخيل التمر في الإمارات في الواحات «مثل واحة ليوا وواحة العين» وفي الشريطين الساحليين الغربي والشرقي للدولة وفي المناطق الجبلية «الحيور» حيث تنتشر واحات النخيل في السهول والوديان بين الجبال. وتختلف زراعة النخيل في هذه المناطق الجبلية عنها في الأماكن الساحلية كما تختلف أصناف التمور وطرق الري أيضاً بل والمساحات المزروعة حيث يرتبط كل ذلك بنوعية التربة وبتوفر المياه ونوعيتها كالعيون والآبار الجوفية أو الأفلاج أو المياه المحلاة «تحلية البحر» كما يرتبط أيضاً وبطبيعة الحال بالظروف المناخية لكل منطقة وهو ما يفسر الظهور المبكر لنوع معين من الرطب في هذه المنطقة وظهور نوع آخر مختلف عنه في منطقة أخرى «نوع الصلاني مثلا يظهر مبكرا في الشريط الساحلي بينما النغال يبكر في ظهوره في المناطق الجبلية».

وبشكل عام تتواجد أنواع التمر الجيدة في الأماكن الجبلية بسبب عذوبة الماء واعتدال الجو وانعدام الرطوبة أو قلتها وكل ذلك يؤثر ايضا على ثمار النخيل حيث يمكن الاحتفاظ بها لفترة أطول. ومن أشهر الواحات في الدولة واحة العين في المنطقة الشرقية وواحة ليوا في المنطقة الغربية وتعتمد الواحة الأولى على مياه شبكة الافلاج العديدة كفلج الصاروج ولذلك ظلت هذه الواحة خضراء وذات محصول كبير اما الواحة الثانية «ليوا» فتعتمد زراعة النخيل فيها على الري عن طريق الآبار.

واهتمت الدولة بالمحافظة على هذه الواحات من الاندثار أو الإزالة ومن تمدد البناء العمراني فيها أو بزراعة الأشجار الدخيلة وأصدرت القرارات المناسبة. وترتبط زراعة نخيل التمر وغرس فسائله بالطقس والأنواء وفي اغلب الوقت تتم الزراعة عقب ظهور نجم سهيل غير أن اختلاف المناطق وتعدد مصادر المياه وقلتها ونسبة عذوبتها كل ذلك لا يشكل صعوبة في زراعة نخيل التمر الذي يتحمل مختلف الظروف البيئية بسبب خصائصه البيولوجية التي تتناسب مع المناخ الصحراوي ومع الجفاف والملوحة.

وينتج نخيل التمر أنواعاً عديدة تختلف جودتها باختلاف الأذواق والأسواق فما هو جيد في هذه المنطقة ليس بالضرورة جيدا في منطقة أخرى كما أن الأسعار وعملية التسويق والعرض والطلب هي التي تجعل هذا النوع من التمر أو الرطب مرغوبا هنا لدى هذا الشخص أو البلد وليس مرغوبا هناك عند أناس آخرين فالخلاص وبومعان مثلا هما الأحسن في الإمارات بينما الفرض هو المطلوب الأول من أهل اندونيسيا على سبيل المثال.

ومن الأنواع المنتجة في الإمارات النغال والخنيزي والصلاني والخصاب والفرض واللولو والهلالي والبرحي والسكري والخلاص وبومعان والشيشي والصفعي والجبري ونبتة سيف والبرني والخشكار والشهلة والمرزبان والصفري «ومجهول» أو مجدول والعجوة وغير ذلك كثير علما بان بعض هذه الأنواع تم جلبها من شمال إفريقيا ودول مجلس التعاون ودول الجوار ونجحت زراعتها كلها بشكل ملفت.

وكانت وزارة البيئة والمياه وزعت خلال المؤتمر العالمي الثالث لنخيل التمر خارطة بأنواع التمور في الإمارات التي بلغ عددها نحو 88 نوعاً «وهي خريطة قديمة نوعاً ما» حيث يؤكد محمد صقر الأصم الوكيل المساعد بالوزارة لشؤون المياه والتربة ان الأصناف الجيدة في حدود مئة نوع بينما يبلغ عدد الأصناف التجارية منها حوالي 15 صنفاً يتم التركيز على زراعتها حاليا لتنافس الأنواع العالمية المماثلة خلال سنوات عدة.

كما يوجد نحو 25 صنفا آخر حاليا في مختبر زراعة الأنسجة بجامعة الإمارات. ويؤكد الوكيل المساعد ازدياد الاهتمام بزراعة نخيل التمر كماً وكيفاً وسعي كل الجهات المعنية لزراعة أصناف ذات عائد اقتصادي ومتميزة عالميا مستخدمة في ذلك تقنية زراعة الأنسجة التي يمكن بواسطتها إنتاج أعداد كبيرة من نخيل التمر المرغوب.

ويشير الوكيل الأصم إلى ان اتجاهات سياسة الإمارات في هذا المجال تتجه نحو إرضاء متطلبات السوق العالمية وان الوزارة التي شاركت في المؤتمر كأحد الرعاة الرسميين تقوم بدور تنسيقي لتوصيل إنتاج المزارعين إلى المصانع وإرشاد المزارعين حول مواصفات التعبئة والفرز وطرق توصيل تمورهم إلى هذه المصانع كما تقدم للمزارعين البحوث والبرامج الخاصة بالفسائل ذات الجودة والأسمدة العضوية «بنسبة 50 في المئة» إضافة إلى المكافحة الحيوية للآفات والحشرات الضارة بنخيل التمر.

وأوضح أن مشروع نقل التقنيات الحيوية لمكافحة سوسة النخيل الحمراء الذي تديره الوزارة بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الزراعية «مقرها الخرطوم» يقدم نتائج بحوثه لخدمة الزارعين. وأضاف ان مركز استخلاص وتجفيف حبوب اللقاح من فحول النخيل «برأس الخيمة» يقدم هذه اللقاحات للمزارعين لمساعدتهم في عملية تنبيت النخلة مشيرا أيضاً إلى وجود معمل في دبا لاستخدام تقنية الأنسجة.

ومن بين أولويات الوزارة في دعم المزارعين والإكثار من زراعة نخيل التمر الاهتمام الواضح والحرص الشديد على تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية في المجالات المتعلقة بزراعة وإنتاج النخيل حيث تعقد الوزارة الندوات والدورات المتخصصة كما تنظم ورش عمل حول زراعة النخيل وإنتاج التمور وتصنيعها. (وام)