اقتحمت فتاة الإمارات مجالات عمل جديدة وتحدت الصعب والتحقت بمهن ووظائف لا تحبها غالبية الفتيات ولا يفضلها كثير من الشباب. نماذج شجاعة من الفتيات المواطنات في الفترة الأخيرة كسرت الحاجز النفسي الوهمي بينهن وبين العمل داخل الدولة بشكل عام والمهن والوظائف غير التقليدية بشكل خاص وبدأن في جني ثمار سياسة تشجيع وتوسيع مشاركة المرأة المواطنة في المجالات كافة.
فاطمة الخميري وفاطمة العنيزي نموذجان من فتيات الدولة رفعتا شعار لا حياء في العمل مهما كانت طبيعته الصعبة، فالمهم هو إثبات الكفاءة وإزالة الصورة السلبية وغير الصحيحة المترسخة في الأذهان عن بنت الإمارات.
فاطمة الخميري أو الدكتورة فاطمة أصبحت أول طبيبة مواطنة في الإمارات ودول مجلس التعاون تعمل في مجال الطب الشرعي وداخل المشرحة تستمتع بعملها وتمسك بالمبضع بين أصابعها لتشريح الجثامين بشكل علمي لا فرق بينه وبين الوردة مادامت تحب هذا العمل الذي زاد ونما منذ التحاقها بالطب الشرعي بشرطة دبي من 3 سنوات تقريبا وحتى الآن.
أما فاطمة العنيزي أو المهندسة فاطمة فقد أصبحت بدورها أول مهندسة طيران في الدولة ومتخصصة في صيانة الطائرات بعد تخرجها من كلية الإمارات للطيران التابعة لطيران الإمارات، وتنتظر خلال مارس المقبل الحصول على الرخصة الدولية لتكون أول مهندسة طيران دولية في الدولة. «البيان» التقت بـ «الفاطمتين» داخل مقر عملهما في المشرحة والورشة وتابعت معهما جزءا من يوم العمل.
داخل الورشة
داخل مجمع حظائر الطائرات في مطار دبي الدولي اعتلت المهندسة فاطمة خليفة العنيزي رافعة عالية بموازاة هيكل الطائرة الايرباص ورغم جسدها الدقيق حملت أدواتها الثقيلة وبمهارة فائقة راحت تتعامل مع الهيكل العملاق بكل رشاقة وفي عينيها بريق التحدي.
سألتها لماذا اختارت هذا المجال الصعب وكان أمامها مجالات سهلة وبسيطة وتتماشى مع طبيعتها كفتاة؟
تقول المهندسة الصغيرة «كنت أحلم على غير أحلام الفتيات منذ طفولتي بالطيران بإصلاح الطائرات وكبر الحلم رويداً رويداً وبدا واقعاً بعد حصولي على الثانوية العامة القسم العلمي عام 2000 وفكرت على الفور في الالتحاق بكلية الطيران وتحقق الحلم. كنت أول مواطنة بالكلية منذ إنشائها. التحقت معي فتاة مواطنة أخرى لكنها لم تستمر.في الكلية لم أفكر في كوني فتاة ولكني فكرت في اني حققت حلمي وسوف التحق بالمهنة التي أحبها أثناء التدريب وبعد التخرج وان علي أن أثبت كفاءتي وقدرتي على الاستمرار والنجاح.
* هل اعترضت أسرتك على الالتحاق بكلية الطيران وبقسم الصيانة؟
ـ على العكس كان هناك تشجيع كبير من أسرتي لأن طبيعة أسرتنا حب العمل والعلم وتشجيع تحصيله في كل المجالات فوالدي يعمل مدير مدرسة ووالدتي سيدة أعمال ولي 4 أخوات بنتان وولدان منهم شقيق محامي والباقي في مراحل الدراسة المختلفة.
داخل الكلية التحقت فاطمة بقسم هندسة الطيران. الدراسة صعبة ومكثفة ـ كما تقول ـ ومدتها 5 سنوات 60% منها دراسة عملية وتدريب والباقي نظري وشملت الصيانة الثقيلة أيضا ولكنها كانت تستحق التعب من أجلها لتحقيق الحلم. وتنتظر خلال الأيام المقبلة أداء امتحانات الرخصة الدولية في هندسة الطيران من هيئة الطيران المدني بالدولة وسوف تسعى للحصول بعد ذلك على رخصة دولية متخصصة في أنواع الطائرات.
* كيف استقبلك العاملون داخل مكان العمل في المطار؟
ـ المكان كله رجال وهذا طبيعي وأثناء التدريب كنت البنت الوحيدة من بين 6 طلاب ومع ذلك لاقيت ترحيباً وتشجيعاً من الزملاء في العمل وعاملوني بشكل طيب للغاية وأصبحنا فريق عمل واحد ولكن كان علي في البداية بذل مجهود كبير لكسر الحاجز تماما بيني وبينهم بل وطالبت بالمساواة الكاملة في الواجبات واشترطت ذلك من البداية بما في ذلك ورديات الليل لمدة 12 ساعة في الوردية الواحدة وحاولوا إثنائي عن ذلك ولكن أصررت على المساواة رغم بعض التحفظ من والدتي تحديدا. وكانت تجربة وردية الليل مهمة للغاية بالنسبة لي لاكتساب خبرات إضافية.
أنا أقوم حالياً بمهام الشباب نفسها داخل المكان وأحمل المعدات والأحمال نفسها وأصعد إلى سطح الطائرة فوق الرافعة والى داخل المحرك وأتحمل المغامرة.
المهندسة فاطمة تعمل لمدة 12 ساعة 3 أيام أسبوعيا. وترى أن العمل في هندسة الطيران متعة كبيرة وتشعر في كل مرة بأن للطائرة هيبة يجب التعامل معها باحترام وتفضل التعامل مع الصيانة الثقيلة والمعقدة لذلك تحب طائرة البوينغ رغم تعقيداتها مقارنة مع بساطة الايرباص. العمل صعب لكنه يحتاج إلى إرادة وهذا ما أملكه.
خبرة فاطمة الآن تجاوزت السنة و6 أشهر في هندسة الطيران في مطار دبي وتعاملت مع طائرات كثيرة ونالت ثقة لا حدود لها من رؤسائها وأثبتت كفاءتها بدقتها وإخلاصها لأنها تتعامل مع أرواح الناس ركاب الطائرة التي تقوم بعملية الصيانة لها.
وتتمنى ألا تستحي فتيات الإمارات من العمل مهما كان حجم المجهود المبذول فلابد من الصبر والعمل لتغيير الانطباع السائد وحتى تكون البنت جديرة بمكان العمل.
وتحلم فاطمة باستكمال طموحها في اكتساب الخبرة المطلوبة والحصول على بكالوريوس هندسة الطيران والتفوق في عملها على الرجال!
أول طبيبة شرعية
أما الدكتورة فاطمة محمد الخميري فقد أصبحت أول طبيبة مواطنة في الإمارات ودول مجلس التعاون تعمل في مجال الطب الشرعي والتحقت بمهنة لا تفضلها النساء فقط بل لا يحبها الكثير من الرجال. وأصبحت حاليا مسؤولة قسم داخل الطب الشرعي بشرطة دبي. وكانت قد بدأت عملها بشكل رسمي منذ مايو الماضي بعد حصولها على ماجستير الطب الشرعي من جامعة دندي باسكتلندا.
تقول الدكتورة فاطمة إن حبها للعمل صار أكبر بعد أن رأت جوانب عملية وإنسانية أكثر، فالطبيب الشرعي ليس مشرطاً فقط كما يظن الناس، وإنما عمله يدخل في اختصاصه الجانب الإنساني لحل الكثير من المشكلات الأسرية والعائلية والصلح بين الأزواج فالطب الشرعي له علاقة أيضا بالأحياء وليس بالجثامين، فقط لذلك فالعنصر النسائي مهم للغاية داخل الطب الشرعي وعامل ثقة في حل العديد من المشاكل الأسرية والعائلية.
ولا تكتفي الدكتورة فاطمة بعملها في الطب الشرعي بل تدعو الشباب والفتيات المواطنين إلى الالتحاق بهذا التخصص وتنصح المواطنات بالإقبال على هذه المهنة وتبدي استعدادها لشرح طبيعة المهنة للشباب المواطنين والفتيات المواطنات الراغبات في العمل لتشجيعهن. وبالفعل تلقت العديد من الاتصالات من مواطنات يرغبن في الالتحاق بالطب الشرعي. وتطمح فاطمة في استكمال دراستها لأنها دراسة شيقة ومثيرة إضافة إلى أن الأهل يشجعونها على ذلك.
وحتى الآن تعاملت مع حالات تشريح كثيرة داخل المشرحة بحرفية ومهنية عالية دون خوف أو ارتجاف لأنها تعشق عمل ما يعجز عنه الرجال.
البداية ـ كما تقول ـ بعد حصولي على بكالوريوس الطب العام من كلية دبي الطبية بتقدير جيد جدا عام 1999 فكرت في التخصص في أمراض القلب لكن وجدت كفاءات مواطنة شابة في هذا التخصص مما جعلني أعدل إلى تخصص آخر فانتقلت إلى قسم علم الأمراض بمستشفى دبي، ولأن التشريح جزء مهم ورئيسي لدراسة علم الأمراض وغير متوفر في دائرة الصحة.
في يوليو 2002 تقدمت الدكتورة فاطمة إلى شرطة دبي للالتحاق بدورة تدريبية في إدارة الطب الشرعي التابعة للإدارة العامة للأدلة الجنائية ووجدت كل الترحيب من العاملين في الإدارة وبسبب هذه الدورة تغير مسار حياتها بعد ما وجدته من الإمكانيات المتطورة والمواكبة للتقدم الحاصل في المجال الجنائي.
وتكمل: خلال فترة التدريب شعر البعض بالدهشة والاستغراب لكوني أنثى تدخل مجال الطب الشرعي وخافوا من عدم قدرتي على تحمل المناظر التي قد أشاهدها خلال تدريبي وأنه قد يغمى علي من هول ما سوف أراه ولكن كان لدي إرادة وتصميم وأوضحت لهم أنني درست مادة الطب الشرعي بالكلية ثم أن كل إنسان «ميسر لما خلق له» وأردت إثبات أن المرأة قادرة على أداء العمل الصعب والشاق.
المفاجأة أن العميد الخبير الدكتور عبد القادر الخياط مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية وقتها ونائبه العقيد محمد راشد المري عرضاً على العمل في القيادة وأن أتخصص في مجال الطب الشرعي. وكان شرط العمل هو استكمال الدراسات العليا بالخارج والعودة إلى الوطن بخبرة عالية المستوى حتى يتسنى لي من خلالها المساهمة في تطوير العمل على أسس عالمية صحيحة.
في البداية ترددت كثيرا في قبول العرض ولأسباب عديدة منها الخوف من ترك عملي كطبيبة في مستشفى دبي ومجتمع الأطباء وزملاء المهنة والمرضى وكيف ستكون نظرة أسرتي لتخصصي الجديد وكذلك نظرة الناس والمجتمع خاصة أن جميع من حولي كانوا يتعجبون أشد العجب من عزمي العمل في مجال الطب الشرعي.
كان لدي تصميم لإثبات القدرة والإجادة خاصة أنه لا توجد أي كوادر مواطنة تعمل في مجال الطب الشرعي على الرغم من الحاجة الماسة إلى هذا التخصص وقبلت التحدي ووجدت التشجيع والترحيب والتحقت بالعمل في شرطة دبي في ديسمبر 2002 وفي أقل من عام سافرت عبر بعثة للشرطة لإكمال دراستي العليا في مجال الطب الشرعي بجامعة دندي في اسكتلندا وكان تدريبي العملي في مشرحة الشرطة الاسكتلندية وحصلت على الماجستير وتخرجت في مايو2005 .
* كأول سيدة تعمل في مجال الطب الشرعي كيف تعاملت مع جثث الموتى؟
ـ علم التشريح مادة أساسية في كلية الطب في السنوات الأولى ويتوجب على كل طالب تشريح جسم الإنسان ومعرفة تفاصيله والأمر الوحيد الذي يشكل فرقا بين الدراسة في الكلية والتشريح في الطب الشرعي هو أن الجثث تحفظ في مادة الفورمالين التي تبقيها على حالتها فلا تتعفن. وهذا ما لا يحدث في الطب الشرعي فالجسد يشاهد على صورته الحقيقية دون أي مواد حافظة وبالتغيرات التي تطرأ عليه بعد الموت.
وبالفعل المنظر يبدو صعبا ولكن ليس كما يتصوره الناس ويهول منه البعض. لكن نظرة الطبيب الشرعي للميت تختلف عن نظرة الإنسان العادي الذي ينظر بعين العاطفة والشفقة في حين أن الطبيب الشرعي ينظر بعين فاحصة لمعرفة سبب الوفاة وكيفية حدوثها.
ملحوظة: رافقتنا الدكتورة فاطمة إلى داخل التوسعات الجديدة للطب الشرعي وتحديداً إلى داخل المشرحة ورؤية بعض الجثامين بشكل عملي وشرحت بعين الخبيرة ما يحدث أثناء التشريح ولكن لم نتخيل رؤية ما يحدث وسط اندهاشها من رد فعلنا!
مهنة الطب ـ كما ترى فاطمة ـ بشكل عام تقوم على مبادئ وأخلاقيات تكفل حق وخصوصية الإنسان أثناء حياته وحتى بعد مماته، فجسد الميت له حرمته وخصوصيته التي يجب المحافظة عليها أياً كانت ديانته والمسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب الشرعي كبيرة للغاية حيث إن رأيه مهم ويمكن أن يغير مسار قضية.
وتعلمت الدكتورة فاطمة من عملها الرضا بقضاء الله وأن الدنيا إلى زوال والمرء لا يدري متى توافيه المنية ويداهمه القدر ومع ذلك لا ينسى نصيبه من الدنيا دون مغالاة.
تحقيق: عادل السنهوري

