الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ومن يجعل الله له نوراً فما له من نور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم، وعلى آله وصحابته، وأحينا اللهم على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

لكل شيء في الوجود مهمة ورسالة ينبغي أن يؤديها، للجماد رسالة وللنبات رسالة، وللحيوان رسالة، وللإنسان رسالة. ورسالة الإنسان أن يعبد الله عز وجل ويعرفه حق المعرفة، كما يقول الله عز وجل «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون».

الإنسان هو المقصود من خلق السموات والأرض، هذا الإنسان على صغر حجمه وعلى ضآلة جسمه وعلى قصر عمره الإنسان بالنسبة للكون شيء صغير.

إذاً الإنسان من حيث هذا الكون، من حيث حجمه، مخلوق ضئيل ومن حيث الزمان مخلوق ضئيل كم يعيش الإنسان؟ جاء في الحديث: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين» وهب أنه بلغ المئة، أو جاوز المئة إلى مئة وخمسين أو مئتين، أو عمر ما عمر نوح، ولم نعرف في التاريخ أحداً عمر ما عمر نوح، الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، حتى أخذهم الطوفان وهم ضالون ولا ندري كم عاش قبل البعثة، الغالب انها أربعون سنة ولا كم عاش بعد الطوفان، على كل حال عمر أكثر من ألف سنة، ولكن ما النتيجة؟ النتيجة هي الموت عند الموت يتلاشى هذا كله ويصبح العمر كأنه لحظات، ويخيل للإنسان أنه لو عاش برهة ولو قصرت، يعوض فيها ما فات، ويتدارك ما فرط وهيهات هيهات «ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها».

وقيمة الإنسان في هذا الشيء الذي أودعه الله تعالى فيه، ليست بالتراب ولا في الطين ولا في الصلصال، ولا في الحمأ المسنون، إنما في هذا السر في هذه الجوهرة الروحانية وبهذه النفخة الروحانية كان الإنسان إنساناً، استحق أن يكون خليفة الله في الأرض وأن تشرئب أعناق الملائكة لتتبوأ منصبه ومنزلته. هذا هو الإنسان، حقيقة الإنسان ليست هذا الغلاف، ليست هذا الجسم المكون من الأجهزة والخلايا والدم واللحم والعظام والأعصاب، لو كان الأمر أمر جسم لكان الثور أعظم من الإنسان، لكان الفيل أعظم من الإنسان فما أضخمه وما أعظم من جسمانه!

ومن هنا سخر الله له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، الكون كله في خدمة الإنسان، مسخر لمنفعته الشمس تضيء له والنجوم تهديه، والبحار والأنهار، وكل ما في هذا الكون لخدمته.

خلقنا الله تعالى لنعبده حق عبادته، لنتضرع إليه لنسأله وندعوه لنصلي له لنحسن إلى خلقه ونرحم الضعفاء من عباده لنبذل المال والانفس من أجله هذه هي العبادة وقد روى بعض الأحاديث الإلهية: «عبادي أني ما خلفتكم لا ستاناس بكم من وحشة، ولا لا ستثر بكم من قلة، ولا لاستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه ولا لجلب منفعة ولا لدفع مضرة وانما خلقتكم لتعبدوني طويلا وتذكروني كثيراً وتسبحوني بكرة واصيلا».

لذلك إذا لم يقم الإنسان بهذه المهمة كان اضل من الانعام سبيلا وكما ان في الإنسان استعدادا ليرتقي ويرتقي، عنده استعدادا لأن ينحدر وينحدر ويهبط ويهبط، حتى يكون كالحيوان الاعجم، بل أضل من الحيوان سبيلا «أولئك كالأنعام بل هم أضل». ومن ناحية أخرى فإن الانعام تؤدي مهمتنا. تقوم بدورها المطلوب منها في هذه الحياة ولكن الإنسان إذا لم يعرف الله ولم يقم بعبادته وخلافته في الأرض، فإنه لم يؤد مهمته.

هناك أناس يعيشون بلا أحساس كما تعيش الجمادات، وأناس يعيشون بغرائزهم ولغرائزهم كما تعيش الأنعام، تجري وراء الشهوات، وأناس يعيشون كما تعيش الشياطين مهمتها الكيد والايذاء لخلق الله.

أما الإنسان.. الإنسان الحق، أعنى الإنسان المؤمن، فليس هناك إنسان إلا المؤمن، ما عدا المؤمن فليس بإنسان، وأن حسب من الناس، وان سجلته التعددات والاحصاءات فيما يسجل من إعداد الناس، الإنسان الحقيقي هو الإنسان المؤمن الذي يعرف الله تعالى ويقوم بحقه ويعبده في أرضه ويقيم أمر دينه هذا الإنسان هو الذي انطلق بالقرآن ولكن الإنسان نفسه لمن سخر؟ ومن يخدم؟ أنه قد أعد لخدمة الرحمن، كل ما في الكون خلق للإنسان، أما الإنسان نفسه فخلق للرحمن!

الارض تخرج النبات والماء والمطر والشمس وهذه المخلوقات تعمل لإحياء النبات وامداده بالغذاء حتى ينمو ويترعرع ويزهر ويثمر ويثمر وهذا النبات يأتي الحيوان فيأكله «متاعا لكم ولانعامكم».

الحيوان الذي خدمه النبات يخدم الإنسان وهو مسخر له أما الإنسان ذاته فمن يخدم؟ من ذا الذي يخدمه الإنسان؟ ليس هناك من هو أعلى من الإنسان من المخلوقات، إنما يخدم الإنسان الله عز وجل.

الإنسان خلق الله، ليعرفه ويعبده «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن».

وليس معنى معرفة الله ان نعرف حقيقة ذاته، لا، هذا امر تنقطع دونه الأعناق، اننا لم نعرف حقيقة أنفسنا، فكيف نعرف حقيقة خالقنا؟ أن بعض البسائط في هذا الكون عجزنا عن إدراكها وصدق الله العظيم إذا يقول: «ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».

خلقنا الله تعالى لنعرفه، وإنما نعرفه بأثاره في الأنفس والآفاق «وفي الأرض آيات للموقنين؟ وفي أنفسكم، أفلا تبصرون» انه الله، تراه في كل شيء، تراه بعين قلبك، بعين عقلك، ولا بعين بصرك فإبصارنا أكل واقل من أن تراه في هذه الدنيا، وإنما تراه هناك في الآخرة، حيث الكافرون عن ربهم محجوبون، وحيث المؤمنون على الأرائك ينظرون.

وانطلق بالإسلام إلى اقاصي الدنيا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا فيا أيها الإنسان اعرف غايتك واعرف رسالتك وجند نفسك لها وعش لهذه الغاية عسى الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لنكون أناسا حقا ونعرف مهمتنا في ارض الله اللهم وفقنا لما تحب وترضى اللهم أمين.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم وادعوه يستجب لكم.

اعداد: راية خميس المحرزي