سياسة الإسلام في العقوبة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسياسته في التربية والتنظيم، وقد هيأ الإسلام من سياسة التربية مناخاً طبيعياً تصح عليه دوافع السلوك وتبدو فيه أعمال الإنسان على النحو المرضي عقلا وذوقاً وشرعاً، فإذا كانت بعد ذلك جريمة فقد برهن مقترفها على أنه في حاجة إلى علاج بالعقوبة، تقويماً له وحفاظاً على حرمات الأفراد، وحماية للمجتمع، وتحقيقاً لأمنه. وحين لا تفلح التربية ولا يفلح التهذيب فلا مناص من العقوبة أسلوباً تستقيم عليه نفوس لا يجدي معها سواه.
من أجل ذلك أعطى الإسلام للأسرة اهتماما بالغاً إذ أنها اخطر وحدة اجتماعية في بناء الأمة، وأهم لبنة في بناء المجتمع المسلم والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها وتنمية أجسادها وعقولها، وفي ظله تلتقي مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة وتتعامل معها. لذلك عمل الإسلام جاهداً على ان تكون البيئة التي سينشأ فيها الفرد بيئة تقية نقية تصان فيها الحقوق، وتتحقق فيها الفضائل.
وقد شدد الإسلام كثيراً على وجوب تربية الأبناء والاهتمام بهم، وتوفير كل الأجواء والمقومات التي تحقق لهم الخير. وكما ان المسلم مطالب بالعمل على إنجاء نفسه من النار فهو كذلك مطالب بإنقاذ أهله وأبنائه منها عملاً بقوله تعالى: «يا أيها الذي آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» ومن المتفق عليه ان نفسية الأطفال كالورقة البيضاء تقبل ما يسطر عليها ويصير جزءاً من شكلها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
وقال أيضا «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم» وهذا أمر نبوي بضرورة ملازمتنا أولادنا ومراقبتهم بأنفسنا، وهذا منتهى السمو في تربية النشء، أما ترك أولادنا لغيرنا من الخدم أو دور الحضانة وصرف أوقاتنا كلها أو أكثرها خارج البيت، فهذا خطأ كبير وجرم عظيم، وإذا فعلنا ذلك تداعى ركن من أركان الأسرة وتجرعنا مرارة فساد الأولاد خلقياً وعلمياً ونفسيا.
فعلى ولي الأمر في الأسرة أن يغرس في نفوس أولاده ومن يعولهم العقيدة السليمة، وان يدربهم على العبادات والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة عملاً بقوله تعالى «وأمرْ أهلَكَ بالصلاة واصطبرْ عليها لا نسألُكَ رِزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى».
وقوله صلى الله عليه وسلم «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» كذلك على ولي الأمر أن يعود أولاده على التنافس في الخير، وأن يربيهم على الجلد والرجولة والخشونة، وأن يعلمهم ما ينفعهم عقلياً وجسدياً.
ففي الحديث الشريف «حق الوالد على الولد أن يعلمه الكتابة، والسباحة، والرماية وأن لا يرزقه إلا طيباً». وقد حرص الإسلام أن يكون العدل هو الأساس الذي تبنى عليه العلاقات داخل الأسرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسووا بين أبنائهم في العطايا وفي المعاملات وذلك عملاً على نقاء نفسية الأبناء، وسلامة صدورهم من الضيق والبغض والحسد.
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: «أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته».
وهكذا تبقى أواصر المودة بعيدة عن وساوس الشيطان، وينسجم كل أعضاء الأسرة في وئام ومحبة، وبهذا يسلم المجتمع من بذور الحقد التي تفسد على الأسرة المودة والأخوة، وذلك امتياز خاص للتشريع الإسلامي في محافظته على الأسرة التي تعتبر أساس المجتمع الإسلامي.
وقد عاشت الأسرة الإسلامية قوية سعيدة هانئة مستقرة، ترسمت مبادئ الإسلام، ووضعته من نفوسها موضع التقدير، ومن سلوكها موضع التنفيذ، ونشأت في كنفها أجيال من الرجال في كل الميادين، وكانت تلك المبادئ تقوم في نفوس المؤمنين بها مقام القانون، فكان الأب يعرف مكانه من ابنه، وكان الابن يعرف حدوده من أبيه، وكانت الزوجة تعترف بقوامة الرجل، وكان الرجل يؤدي حقوق المرأة، وكانت تسود الأسر والبيوت روح المحبة والسعادة. يتضح مما سبق أن الشريعة الإسلامية تعنى عناية كبيرة بإصلاح الفرد إصلاحاً جذرياً عن طريق تربيته على معاني العقيدة الإسلامية، ومنها:
مراقبته لله وخوفه منه وأداء ما افترضه عليه من ضروب العبادات، وهذا كله سيجعل نفسه مطواعة لفعل الخير كارهة لفعل الشر، بعيدة عن ارتكاب الجرائم، وفي هذا كله أكبر زاجر للنفوس. وبالإضافة إلى ذلك فإن الشريعة تهتم بطهارة المجتمع، وإزالة مفاسده ولا شك أن المجتمع الطاهر العفيف سيساعد كثيراً على منع الإجرام وقمع المجرمين، وسيقوي جوانب الخير في النفوس، ويسد منافذ الشر التي تطل منها النفوس الضعيفة، وفي هذا ضمان أيضاً لتقوية النفوس وإعطائها مناعة ضد الإجرام.
ولكن مع هذا كله، فقد تسول للبعض نفوسهم ارتكاب الجرائم، فكان لابد من عقوبة عاجلة توقعها الدولة الإسلامية عليهم زجراً لهم من العودة إليها، وردعاً للآخرين الذين قد تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجريمة، وفي هذا استقرار للمجتمع وإشاعة للطمأنينة فيه. وينتج عن الأسر مجتمع نال من التربية الإسلامية ما يؤهله لقيادة الأمة إلى السعادة والاستقرار والأمان.
إن المجتمع الفاضل الذي تسعى إليه الشريعة هو المجتمع الذي يأخذ فيه كل فرد بيد صاحبه، لا يتركه ولا يخذله بل ينصره إن كان مظلوما، ويمنعه من ظلمه إن كان ظالماً، وهو ما يعرف عندنا نحن المسلمين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، وهو من صفات المجتمع المسلم الفاضل، فلا يتصور صلاح المجتمع إلا بإقامة هذه الفريضة التي أوجبها الله تعالى على الأمة الإسلامية، ولا تسقيم حياة المسلمين بدولها.
ومن الآيات الدالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». وقوله سبحانه ـ على لسان لقمان ـ وهو يوصي ولده «يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور» وقد جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين:
قال تعالي في وصف المنافقين «المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون». وقال تعالي في وصف المؤمنين «المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم».
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهمية كبيرة في حياة المجتمع وذلك لما يلي:
1 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ الأمة من الهلاك:
قال تعالى «فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين».
2 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل الجهاد: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
3 ـ الأمر بالمعروف والنهي المنكر من عزم الأمور:
قال تعالى «يابني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور».
4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرط من شروط التمكين والنصر:
قال تعالى : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز؟ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور».
إذن نستطيع أن نقرر أهمية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإهمال هذه الفريضة وعدم تطبيقها يؤدي إلى هلاك الأمة وانتشار الجرائم والفوضى وعدم الانضباط، ويمكن ان نحدد إهمال هذه الفريضة في النقاط التالية:
1 ـ عموم الفتنة والعقاب للعصاة والصالحين
قال تعالى «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب».
وفي صحيح مسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم، إذ كثر الخبث».
الحرمان من إجابة الله وعطائه ونصرته إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دواعي اللعنة:
قال تعالى: «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون».
وهكذا يتضح بما لا يدع مجالاً للشك ان الأمة كلها تؤاخذ وينالها الأذى والعقاب في الدنيا والآخرة إذا سكتت عن وقوع المنكر فيها من بعض، وما في هذا ظلم، فالأمة التي تشيع فيها الفاحشة ويجهر فيها بالمنكر فلا يغيره أحد، أمة منحلة متهافتة صائرة إلى الدمار والزوال. ولكي يؤدي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثره المنشود راعت الشريعة الإسلامية عدة أمور يجب ان يلتفت إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تأتي بالثمرة المرجوة وهي:
(1) العلم
(2) الاخلاص
(3) الرفق
(4) الصبر والحلم
(5) القدوة الحسنة
هذا ولقد حفل التاريخ الإسلامي بمواقف رائعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مواقف لا يحصيها العد، ويقصر دونها العرض أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر. ما دار بين الخديوي إسماعيل وعالم أزهري.
لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة، وتوالت الهزائم على مصر لوقوع الخلاف بين قواد جيشها، ضاق صدر الخديوي بذلك، فركب يوماً مع شريف باشا وهو مهموم، فقال له: ماذا تصنع حينما تلم بك ملمة تريد ان تدفعها، فقال ان الله عودني اذا حاق بي شيء من هذا ان ألجأ إلى صحيح البخاري يقرؤه لي علماء أطهار الأنفاس فيفرج الله عني، قال: نكلم شيخ الأزهر، وكان شيخ الأزهر العروسي، فجمع له من صلحاء العلماء جمعاً، وأخذوا يتلون في البخاري امام القبلة في الجامع الأزهر ومع ذلك ظلت الهزائم تتوالى، فذهب الخديوي ومعه شريف باشا الى العلماء وقال لهم غاضبا:
اما ان هذا الذي تقرأونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئا فوجم العلماء لذلك، وابتدره شيخ من آخر الصف يقول له: منك يا إسماعيل، فإننا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» فزاد وجوم المشايخ، وانصرف الخديوي ومعه شريف باشا ولم يتكلما بكلمة، وأخذ العلماء يلومون الشيخ ويؤنبونه، فبينما هم كذلك إذا بشريف باشا يعود ويسألهم:
أين الشيخ الذي قال للخديوي ما قال؟ فقال: (أنا) فأخذه وقام، وانقلب العلماء بعد ان كانوا يلومونه يودعونه وداع من لا يأمل ان يرجع، وسار به شريف باشا إلى ان دخلا على الخديوي في قصره فأجلس الشيخ على الكرسي أمامه، وقال له: أعد ما قلته لي في الأزهر، فأعاد الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه، فقال الخديوي: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟ فقال له: يا أفندينا، أليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحاً؟ أليس... أليس؟ وعدد له منكرات تجري بلا إنكار ثم قال: فكيف مع هذا ننتظر النصر من الله؟ فقال الخديوي: ماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب؟ وهذه مدينتهم، قال الشيخ: إذا فما ذنب البخاري. وما صلة العلماء، ففكر الخديوي ملياً، ثم قال: صدقت .. صدقت. وعاد الشيخ بعد هذا الأزهر بعد أن يئس إخوانه من عودته، فكأنما ولد من جديد.
ويؤكد هذا الموقف على أن الأمة الإسلامية لا تخلو أبداً ـ في أي زمان ومكان ـ من رجال مؤمنين يصدعون بكلمة الحق ولو في أحلك الظروف ولا يخافون في الله لومة لائم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.