«فأول ما يقال ان ما صدر من بيانات عن الحكومة الدنماركية وممثليها وعن الصحيفة والعاملين فيها لا يحمل صفة الاعتذار أو ملامحه». قال الشيخ: لا أعرف إن كان كلامي هذا سيصل إليكم قبل أو بعد مزيد من الصفاقة في الإيذاء الغربي الدنماركي والنرويجي خصوصاً للإسلام ورسوله وكتابه، ويخطئ من يظن أن الأمر قد انتهى، وأن العرب والمسلمين قد لقنوا المعتدين درساً لن ينسوه عندما قاطعوا بعض المنتجات الدنماركية، وأن الصحيفة والعاملين فيها بما فيهم من رسم تلك اللوحات الشنيعة قد عادوا إلى رشدهم بعد أن صدمتهم حقيقة لم يكونوا يتصورونها من إيذاء مشاعر المسلمين والإساءة إلى الإسلام.
وعلى الرغم من «تواضع» الرد الإسلامي على الإساءة إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فإن ما يحز في النفس أن نفراً منا راح يناقش جدوى المقاطعة وهي السلاح الوحيد الذي ترك في يد المسلمين اليوم ويجادل مرجحاً «حسن النوايا» عند من اعتدى علينا و«مرة تفوت ولا حد يموت» كما يقول الأخوة المصريون.
«فأول ما يقال ان ما صدر من بيانات عن الحكومة الدنماركية وممثليها وعن الصحيفة والعاملين فيها لا يحمل صفة الاعتذار أو ملامحه، وأن كل ما في الأمر أنهم عبروا مرة أخرى عن استخفافهم بعقولنا عندما دُفعوا لقول شيء يخفف من قيود المقاطعة الاقتصادية الشعبية!!! لمنتجاتهم».
ثم إن جدوى المقاطعة قد ظهر في دفع المعتدين إلى ما أسموه اعتذاراً أو كالاعتذار، فقد حسب الحاسبون مقدار خسائر المصنعين عندهم فرأوا أن منفعتهم المادية تطغى على أحقادهم وكراهيتهم للإسلام ورسوله وكتابه، وها هي بعض المصانع تنشر من الإعلانات ما يكلفها مئات الآلاف لتقسم بالأيمان العظيمة أنها مصانع لا تتصل بالدنمارك من قريب أو بعيد.
ومما يأسف له المرء أن بعضاً منا وفينا لم يستطع أن يتخلى عن قطعة زبد أو جبن من صنع من آذونا، بينما يعرف كل مسلم أن الرسول الأعظم وصحبه وبني هاشم مسلمهم وكافرهم قد حوصروا يوماً في شعب لمدة ثلاث سنوات حتى أكلوا خشاش الأرض والجلد الجاف، يدفع المسلمون إلى ذلك إيمانهم بربهم وحبهم لرسولهم ويدفع المشركون منهم قبلية وعصبية دموية، فما الذي بقي عند المترددين أو الرافضين للمقاطعين من بقايا نخوة ونصرة لذويهم ولدينهم ولرسولهم.
لقد ارتضى من اعتذر من المعتدين لأنفسهم أن يكونوا كالأغبياء عندما قالوا انهم لم يتصوروا أنهم يسيؤون للإسلام عندما أساؤوا إلى الرسول الأعظم، وأن كل ما في الأمر هو مجرد «سوء تفاهم»، فإذا بنفر منا يردون على هذا الغباء بغباء أكبر عندما يصدقون ما سبق ويميلون إلى تصغير حجم المشكلة.
ويؤسفني أن أذكر هؤلاء بسلف قريب هو غاندي الذي قرر يوماً أن يقاطع الملح ومن معه مما أدى إلى خسائر كبيرة عند الإنجليز المحتلين، حتى استعاد الهنود ممالحهم وانتصر الهندي النحيل الذي لا يزيد لباسه عن وزار يغطي ما يعيب كشفه وحسب على الإمبراطورية العظمى كما كانت تسمى في ذلك الوقت.
إن الداء الذي ينخر في عظام هذه الأمة هو داء عقد النقص والدونية، فمن نحن حتى يكون لنا محل على الأرض وتحت الشمس! وما الذي نستطيع فعله ونحن الضعفاء وهم الأقوياء! فنحن مجرد مستهلكين وناقلين ومؤتمين بالإمام الغربي الجائر. إن الإحساس بالعجز وعدم القدرة على فعل شيء هو أصل وفصل الهزيمة التي تعيشها الأمة هذه الأيام، ولو أردنا أن نكون شيئاً في ميزان الحضارة لفعلنا، ولكننا خذلنا وتخاذلنا، وأُفهمنا أننا لن نقدر على المضي خطوة إلا برضى وقبول ومباركة الغرب.
سأذكر من يستخف بسلاح المقاطعة بسقراط الذي كان ينزل إلى السوق فيضحك ويضحك حتى سأله واحد من تلامذته عن ذلك، فقال: عندما أرى الناس تتهافت على شراء كل شيء أقول لنفسي: كم هي الأشياء التي لا تلزمني في حياتي فأنا غني عنها.
إن ما يلزمنا أن نكون «نحن» لا مسوخ عن «هم»، والإساءة إلى الرسول الأعظم ضربة لهوية ال«نحن» وعلى كل منا أن يرد على هذه الإساءة بما تستحقه، وإلا فنحن ضعفاء وإن لبسنا الأطقم المكوية وتربعنا على كراسي الفضائيات لتبرير الذل والتخفيف من وقعه ووقع أذاه.
لقد أمر من كانوا مع طالوت ألا يشربوا بعد ظمأ وعطش شديدين إلا غرفة واحدة بكف كل منهم، فلم يبق معه إلا قلة هي التي انتصرت وظهرت على عدوها، فهل نحن مستعدون لمثل هذا الامتحان ونفر منا لا يطيق الامتناع عن قطعة جبن مع وجود مئات البدائل؟! وهل نحن قادرون على أن ننطق بكلمة أو أكثر في وجه المتغطرسين الذين أفهمونا أنهم قادرون على كل شيء؟ والله ما استقووا إلا عندما ضعفنا واستكنا، وما عز «الجبن» الدنماركي إلا عندما استشرى الجبن العربي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ماهر سقا أميني