خلال تغطية احتياجات المناطق النائية وعلى مدار 25 حلقة، تعرض زملاؤنا إلى العديد من المواقف الطريفة والصعبة التي لم تخل من رسم الابتسامة على الوجوه أو إثارة الوجوم والقلق، ويعبر عنها كل من عائشة الكعبي من الفجيرة وسليم المستكا من العين وممدوح عبدالحميد من أبوظبي، ووليد الشحي من رأس الخيمة، وكان من أطرف هذه المواقف التي رواها لنا زملاؤنا ما نطالعه في هذا التحقيق.
استقبال بالخطأ
الزميلة عائشة الكعبي تقول: أثناء تغطية احدى المناطق النائية بالفجيرة وقت الظهيرة استوقفني أحد المنازل المتهالكة وقمت بطرق الباب وعلى الفور تم فتحه لاستقبل بكل ترحاب وحفاوة من قبل ربة البيت التي بدأت بسرد معاناتها وحاجتها لمنزل جديد طالبة مني تسجيل جميع ملاحظاتها وانها كانت تنتظر قدومي منذ يومين، متمنية أن أنهي لها الموضوع بأسرع وقت وأنها ستقوم بمراجعتي الشهر المقبل وان لم أُنهِ موضوعها ستلجأ للصحافة لنشر موضوعها فابتسمت لها وودعتها قبل أن تكتشف شخصيتي التي لم تعطني فرصة لابرازها أمامها.
وفي موقف آخر تقول عائشة استوقفني خزان ماء قديم في منطقة البصيرة ملقى إلى جانب أحد المنازل فهرعت لأخذ صورة له لأفاجأ بخروج رأس صغيرة منه ليتضح أنها طفلة لا يتجاوز عمرها السنوات الخمس فأسرعت بالتقاط الصورة لتخرج رأس أخرى لأخيها الأصغر ملوحاً بيده وما هي إلا ثوان حتي بدأت الرأس الثالثة بالخروج فبقيت أنتظر خروج الرأس الرابعة الا ان الرؤوس توقفت عن الخروج.
اجلب ويهك.
سليم المستكا يحكي ما حدث له في احدى مناطق العين فيقول: توجهت لسؤال أحد سكان منطقة «الظاهر» عن احتياجات المنطقة الفعلية من الخدمات والمرافق فاتصل الرجل وهو كبير في السن بأحد أقاربه الذي زعم على حد قوله أنه يعمل في القوات المسلحة، وبعد أن أبلغه عني أو بمعنى أصح استشاره في امكانية الرد علي.
وطلب مني التحدث إليه وشرح ما جئت لأجله وبعد أن شرحت له سبب زيارتي أجابني قائلا: يجب أن تعلم أنني رجل عسكري وأعمل في القوات المسلحة ونحن لا تنطلي علينا هذه الحيل وعليك أن تظهر لي بطاقتك الصحافية للتأكد من هويتك وعندما حاولت اقناعه بالهدف الذي دعاني لزيارة المنطقة وأنني أسعى لأن أنقل الصورة الحقيقية لاحتياجات أهالي المنطقة وأن ذلك عمل ايجابي يصب في الصالح العام. أجابني غاضبا عليك الانصراف حالا من المكان والا يا ويلك (اجلب ويهك).
النقل لا النقد
واتصل مواطن آخر من أهالي منطقة «القوع» وأكد أنه من «الدروع» قائلاً: أنا مواطن وخريج من جامعة الإمارات كلية العلوم السياسية والاقتصادية ويرى أن ما قام به مندوب «البيان» يعد تصرفاً خاطئاً لأنه لم يقابل جميع أهالي المنطقة وبالتالي فما كتبه عن المنطقة غير صحيح، وكان من المفترض ان يكتب عن الجوانب الإيجابية ويشيد بما وصلت إليه المنطقة.
فوضحنا له الصورة بالصور التي توضح صور مئذنة المسجد التي وقعت بفعل الرياح وصور بيوت الصناديق «الزنك» التي يسكنها «الدروع» بالقوع وعملية نقل المياه من المضخة الموجودة للبيوت في المنطقة وأن ما نقوم به لا يعد نقداً بقدر ما هو نقل لواقع المناطق النائية واحتياجاتها فقط، وان الجوانب الإيجابية الموجودة في القوع وفي معظم المناطق لا تحتاج للإشادة لأنها ظاهرة للعيان والكل يشيد سواء في الداخل أو الخارج بما وصلنا إليه من رقي وتطور وإنما هذه حالات استثنائية تستدعي الوقوع عندها حتى تنال حقها من الاهتمام من قبل المسؤولين.
صاحب البقالة يبكي
وعند المرور على محلات البقالة في منطقة «أم غافة» وجدنا بعض البضائع والمشروبات الفاسدة وعندما قمنا بالتصوير أخذ العامل في المحل يشرح ظروفه وأنه تعرض لمخالفة من أيام عدة وعندما لم تنفع توسلاته أخذ يبكي بصورة هستيرية لكي لا ننشر ما تعاني منه المناطق النائية من مثل هذه المحلات الصغيرة.
لا يحق لهم الإدلاء
أما ممدوح عبدالحميد فيقول: اتصل بي أحد موظفي بلدية السلع وهو سوداني الجنسية لم يذكر أسمه وعلمت أنه مسؤول في قسم الزراعة بالبلدية وأنه تحدث بلهجة تهديد حول قيام «البيان» بعمل استطلاع نشر عن منطقة بعيا السلع.
وقال: كيف لكم ان تأتون إلى المنطقة وتنشرون كلام هؤلاء الناس وهم ليسوا مواطنين وينتظرون الحصول على الجوازات منذ عشرين عاما ولا يحق لهم الإدلاء بأي معلومات حول المنطقة.
واضاف أنه كان من المفترض بالجريدة ان تتصل بالبلدية حول المشاكل التي كشفوا عنها لمعرفة رد البلدية قبل النشر لأن كل ما قالوه غير صحيح بالمرة.
وأشار إلى أن هذه المنطقة لم يدخلها صحافي أو أية وسيلة إعلام منذ نحو ثلاثين عاما تقريبا فكيف تأتون وتقابلون الأهالي دون الاتصال بنا قبل كتابة أي شيء عن المنطقة؟
وقلت له: ان التحقيقات تعنى بآراء المواطنين في المناطق النائية أولا، ومن ثم إذا كان هناك رد على ما قالوه يمكن للجهات المعنية إرساله إلى الصحيفة، أو عمل لقاءات مع المسؤولين حول ما ينشر.
وقال إن الموضوع تضمن كلاما حول عدم تشجير المنطقة وهذا غير صحيح حيث ان الطريق الرئيسي في المدينة «مشجر». ورددت عليه بأني كنت هناك وشاهدت على الطبيعة وان المنطقة على حالها منذ إنشائها، كما أكد ذلك الأهالي. وعندما حدثته بذات اللهجة التي يفهمها طلبت منه أسم الذي طلب منه مخاطبة الصحيفة بهذه الحدة ولماذا ومن المسؤول عنه فلم يرد.
وهنا قال لي: نحن وافدون ونفهم بعضنا وانه «ماكنش فيه» داعي للكلام المنشور عن مشاكل المنطقة والتشجير وعدم وجود إنارة في المساء لأننا بذلك نضر نفسنا «أي الوافدين». وعلمت ان بعض مسؤولي البلدية ذهبوا إلى بعض الأهالي واعترضوا على قيامهم بالتحدث إلى الجريدة ووسائل الإعلام.
مطاردة سلمية
ويسرد وليد الشحي بعضاً من المواقف التي قابلته فيقول: في وادي «غليلة» رأينا مواطنا ينقل كميات من المياه بسيارته لري مزرعته وكان جلب المياه من إحدى شركات المواد الإنشائية التي توفر هذه الخدمة لسكان تلك المنطقة، وعندما أردنا ايقافه بغرض الاستفسار أبى أن يتوقف ظناً منه بأننا ننتمي الى جهة حكومية رقابية، أو الشركة ذات الصلة خوفاً من تعرضه للمساءلة.
واستمرت المطاردة السلمية ولم يتوقف المواطن بسيارته إلا عندما قمنا بمخاطبته من بعيد ونحن على خط مواز لسيارته على الشارع، وعرفناه على أنفسنا ليمتثل فوراً لطلبنا ويوقف سيارته على يمين الشارع ليبدأ معنا الحديث عن هموم ومتطلبات منطقته ومشكلة المياه فيها بكل طمأنينة.
متاهة
ويضيف وليد قائلاً: وأثناء رجوعنا من مناطق رأس الخيمة النائية الجنوبية في إحدى زياراتنا إليها ضللنا الطريق الذي أتينا منه بسبب كثرة التحويلات والحفريات بداعي أعمال الصيانة البطيئة، إضافة الى عدم وجود اللوحات الإرشادية لنجد انفسنا في شارع الإمارات ـ أم القيوين بعد ان قطعنا أضعاف المسافة في مرحلة الذهاب لنصل الى رأس الخيمة مع المصور في المساء وقد أنهكنا الإعياء والتعب.
عليكم الأمان فنحن من «البيان»
ويستطرد وليد: في منطقة «الغيل» شاهدنا بيوتاً قديمة فطرقنا أبوابها لنسأل عن احوال أصحابها وساكنيها فلم يفتح لنا أحد، واستغربنا الأمر في البداية، لكن اذا عرف السبب بطل العجب، فسكان تلك المنازل هم من الآسيويين الذين تخوفوا منا بعد ان راقبونا جيدا، ورأوا آلة التصوير مع المصور فظنوا أننا من رجال الأمن والتحريات وجئنا كي نفتش منازلهم ونتأكد من شرعية إقامتهم في الدولة.
وعندما صحنا بأعلى صوتنا قائلين: عليكم الأمان فنحن من جريدة «البيان» رأينا مشاهد طريفة حيث أخذ بعضهم يخرج رأسه من الباب خلسة وآخرون من الشباك والبقية من أعلى الجدران وقاموا بترشيح أحدهم ليكون ممثلاً لهم ويخرج إلينا للتفاهم والتأكد من حسن نيتنا.
إقلاع قبل فوات الأوان
وموقف آخر لوليد يسرده فيقول: عندما اتصل بنا المهندس الألماني المسلم الذي أبدى استعداده لتصميم مسجد «اعسمه» الذي تطرقنا اليه في تغطيتنا للمناطق النائية، طلب منا القدوم الى رأس الخيمة ومعاينة الموقع قبل البدء في عملية تصميمه، وبعد التنسيق جاءنا المهندس والوفد المرافق له، ومعهم مهندس ألماني آخر شريك لهم واكتشفنا ان المهندس ورفاقه كانوا يعتقدون ان منطقة «اعسمه» داخل مدينة رأس الخيمة فطلبنا منهم أن يتبعونا «أنا والمصور بسيارتنا» وهم بسيارتهم وكنا نراقب علامات الدهشة والاستغراب على وجوههم فسلكنا بهم طريق الطويين دبا، واستمروا بملاحقتنا عبر الشوارع بين السهول والجبال الشاهقة ولمدة ساعة كاملة تقريباً.
وعندما وصلنا منطقة «اعسمه» بادرناهم بالاعتذار على طول المسافة وبعد المنطقة ففوجئنا بأنهم كانوا في قمة السعادة لاكتشاف هذه المناطق الجبلية الجديدة عليهم، ووصفوها بأنها مناطق نادرة لم يروا مثلها قط في الإمارات، ووعدوا بتكرار الزيارة اليها لاحقاً، لكن أحد المهندسين الألمان قال، كل شيء جميل في هذه الرحلة الممتعة لكنني أخشى شيئاً واحداً فقط وهو ان يفوتني موعد إقلاع الطائرة إلى ألمانيا عن طريق مطار دبي الدولي، فتداركنا الموقف سريعاً وارشدناهم الى شارع «دبا مسافي» ليسلكوا شارع الذيد كي يصلوا الى دبي في أسرع وقت ممكن وفعلاً سلكوا الجهة المقصودة وتمكن المهندس الألماني من اللحاق برحلته إلى المانيا قبل اقلاع الطائرة في اللحظة الأخيرة، وقبل فوات الأوان لكنه وعد بتكرار المغامرة مرة أخرى بشرط عدم ارتباطه بالسفر أو أية رحلة مفاجئة!