تعد البيئة المدرسية الجاذبة من عوامل نجاح العملية التعليمية التربوية، وبقدر ما تكون ملائمة وصالحة لممارسة العملية التعليمية وما يرافقها من أنشطة بقدر ما يكون تفاعل من فيها من طلبة ومعلمين وإداريين، لاسيما مع تأكيد الدراسات الميدانية التي أجريت في هذا الشأن على أهمية الاهتمام بالبيئة المدرسية.

مدارسنا اليوم وان كانت حديثة وروعي في تصميمها الكثير من الجوانب التي كانت مهملة أو غائبة، فإنه في المقابل ظهرت أعراض الشيخوخة على مدارس كثيرة..

أصيبت مفاصلها بالروماتيزم، ووصل عمودها الفقري إلى حد الشلل.. فلم يعد ينفع معها جراحة تجميل ولم تعد قادرة على الجري وراء المدارس الأخرى الشابة.

لكنها رغم ذلك تصر على الحياة بروح معنوية عالية تتجاوز حدود المقاومة. على ان ذلك لا ينفي ان هناك خطراً على حياة التلاميذ الذين يتعلمون فيها. هذه المدارس يمكن تسميتها بالمتهالكة أو الواقعة تحت خط التهالك ولم تعد أعمال الصيانة الدورية التي تجريها سلطات الاختصاص على هذه المباني مجدية، ما يعني هدر الملايين سنوياً على ترقيع هذه المدارس التي ستبلى وتفنى في النهاية لاشك ولابد من هدمها، وعلى الرغم من ذلك لا تزال قائمة تتناثر في أرجائها الفصول الخشبية وبأسقفها المتأثرة برذاذ المطر.

ولا تسعفها إمكاناتها في الصمود في وجه هبة ريح. هنا وعبر هذه النافذة تطل على مدارس متهالكة أصبحت تحت خط الصفر، نلقي خلال هذه الجولات الضوء على أحوال هذه المدارس وما آلت إليه.

مدرسة الباهية للتعليم الأساسي يعيش طلابها وأولياء أمورهم حالة من القلق والخوف من الدراسة تحت أسقف متصدعة وجدران متشققة داخل كرافانات خشبية لا توفر لهم الأمان، ويقضي الطلاب يومهم متنقلين بين الفصول المتواضعة والغرف المدرسية المحدودة ليلتقوا في وقت الفسحة داخل ساحة صغيرة قديمة، مما أصابهم بالكبت والعدوانية في السلوك لانعدام الأنشطة وتدهور حالة المبنى.

وتقع مدرسة الباهية في منطقة الشهامة في أبوظبي وطبقا لحديث أولياء الأمور القاطنين في المنطقة منذ زمن فإنها تعود للعام 1984م، حيث ذكر عوض سعيد مبارك رئيس مجلس آباء مدرسة الباهية أن المدرسة من أقدم المدارس التي وجدت منذ تأسست منطقة الشهامة أي من حوالي 22 سنة.

وقد كانت ثانوية للبنين تحمل اسم «عبد القادر الجزائري» ثم إعدادية للبنات باسم «عين جالوت» وبعدها إلى مدرسة بنين باسم «أبوذر الغفاري» وأخيرا استقرت على مدرسة بنين تأسيسية تحمل اسم الباهية، وقد درس بها إخوة له يعملون حاليا في مجالات مختلفة في خدمة الوطن كما أن بها أبناءه وأبناء إخوته.

وأضاف أن المدرسة دخلت خطة إحلال منذ عدة سنوات ولكن لا شيء تم للآن لذلك فإنهم يتابعون بالتعاون الإدارة وضع المدرسة باستمرار لقلقهم على أبنائهم، فالبناء غير آمن ولا يوجد به أي مطفأة حريق رغم أن طبيعته تجعله مهددا بمثل هذا النوع من المخاطر فقد بني على شكل كرفانات خشبية ومن مواد أولية كانت تفي بالغرض في ذلك الوقت.

ولكن مع مرور الزمن تغير الوضع وليس لأن البناء قديم بل انه لم يعد يحتمل، فهناك خوف قائم خلال فترة الشتاء من الأمطار التي تجعل المدرسة معرضة لحدوث ماس كهربائي لأن الأسقف ضعيفة وتوصيلات الكهرباء قديمة، والمدرسة تخلو من المقومات الأساسية للعملية التعليمية.

وقال عبدالله محمد أحد أعضاء مجلس الآباء وولي أمر أحد الطلاب إن المدرسة لم تعد بحاجة إلى الصيانة فالمبنى غير حضاري ولا يحمل أي مواصفات أمنية أو صحية للطلاب.

ومرت بها أجيال عديدة فهناك معلمون في المدرسة هم ممن تعلموا فيها وهي على هذا الوضع البنائي لأنها عبارة عن أبنية خشبية تخلو من الأسمنت فلا تتحمل كل عوامل الجو وخاصة في ظل طبيعة الجو في الإمارات وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.

إضافة إلى خلوها من القاعات والمختبرات المجهزة للطلاب، وإدارة المدرسة بذلت جهوداً كبيرة لاستغلال أي مساحة وتخصيص القاعات للطلاب قدر الإمكان.

العطش أفضل

وتحدث عبد الله حول أعطال التكييف ومشاكل انقطاع التيار الكهربائي والمجاري القديمة والتي تجعلهم أحيانا لا يثقون في نظافة مياه الشرب مؤكدا أن ابنه يعود إلى المنزل عطشان يوميا لأنه لا يريد الشرب من صنابير المياه المدرسية لخشيته من عدم نظافتها، إضافة إلى أوضاع دورات المياه غير الصحية.

وأشار إلى وجود مبنى مدرسي جديد تحت الإنشاء قريب من المدرسة ولكنه خصص حسبما سمعوا لإحدى مدارس الإناث رغم أنهم أولى بالانتقال إلى. وأوضح ولي الأمر علي محمد أنه يسكن المنطقة منذ 20 عاما والمدرسة قائمة كما هي وهناك أولاد وأحفاد تخرجوا منها والخوف دائم ومستمر من أي مشكلة قد تقع وتضر بالطلاب.

مشيراً إلى أن المدرسة تعرضت في سنوات سابقة إلى حريق في المختبر وتمت السيطرة عليه، والمشكلة أن الطلبة لا يعرفون كيف يتصرفون اذا تعرضوا لمثل هذه المخاطر، فليس في المبنى ما يساعدهم على التعامل مع المخاطر.

ذكريات عن المدرسة

وقال جمعة الجنيبي معلم التربية الإسلامية في المدرسة وأحد خريجيها أنه درس المرحلة الثانوية في مدرسة الباهية عندما كانت تحمل اسم مدرسة «عبد القادر الجزائري الثانوية» وذلك نهاية الثمانينات ومع تأسيسها.

موضحاً أنها منذ أنشئت وهي بهذا الشكل ولم يلحظ بها تغييراً بل إنها الآن أفضل من ناحية توفر بعض الإمكانات المتواضعة والصيانة الدورية التي تتم للمبنى لمحاولة جعله مقبولا لدى الطلاب.

وأشار إلى أن طبيعة البناء لا تساعد الطلاب على الدراسة فرغم عمليات الصيانة واهتمام إدارة المدرسة وسعيها لتجميل المدرسة وتوفير القدر المستطاع من الخدمات والإمكانات والأنشطة الجاذبة لهم إلا أن المبنى يبقى قديماً وغير محبب.

وأشار الجنيبي إلى الخوف المستمر من حدوث مشاكل من الكهرباء لأن أسطح المدرسة خشبية ومعرضة للحريق في أي لحظة، وغياب المتنفس للطلاب كما أنه مضطر لبذل جهود أكبر مع الطلاب من المدارس الأخرى لأن الدافع الداخلي لدى الطالب للإقبال على المدرسة ضعيف.

عدوانية وإحجام

وتحدث الأخصائي الاجتماعي في المدرسة غازي عليان عن جانب آخر يعانيه مع الطلاب بسبب المبنى المدرسي المترهل، حيث أن طبيعة طلاب المرحلة التأسيسية أنهم كثيرو النشاط والحركة ويهوون الألعاب، ولكن البيئة المدرسية سببت لهم كبتاً وإحباطاً لعدم وجود متنفس جيد لهم مما خلق مشاكل سلوكية باندفاع الطلاب نحو السلوك العدواني في التعامل مع بعضهم لعدم توفر الجو المساعد على ممارسة الأنشطة المختلفة.

وأشار إلى حرص إدارة المدرسة على رفع مستوى الطلاب رغم كافة العقبات وتنفيذها لبرنامج تحسين المستوى لإكسابهم مهارات عديدة وتنمية قدراتهم التحصيلية لأن وضع المدرسة يدفع البعض للإحجام عن الدراسة.

جهود الإدارة

وبين ناصر عيسى مدير المدرسة أن كل ما ذكره أولياء الأمور صحيح وجاء من واقع تفاعلهم اليومي مع المدرسة وحرص مجلس الآباء على الحضور شبه اليومي للمدرسة وبحث مشاكل الطلاب، مشيرا إلى ان المبنى قديم وعمره سنين وصيانته غير مجدية فالأسقف تتصدع والجدران تتشقق.

وقال إنه منذ بداية العام تم عمل صيانة لسور المدرسة وتوصيلات الكهرباء والمياه والتأكد من مضخات المياه ورغم قدم معظم البنية التحتية للمدرسة إلا أنه يؤكد لأولياء الأمور نظافة مياه الشرب بعد تركيب الفلاتر الضرورية لها، ومراقبة الماء باستمرار.

وأضاف أن الإدارة عليها التعامل مع الوضع لحين توفير البديل ولذا كان الاهتمام بتجميل المدرسة من الخارج وداخل الفصول ودعمها بالوسائل التعليمية المتطورة من الحواسيب وأجهزة التلفاز، لأن وجود الوسائل يغير شكل الحصة الدرسية ويدفع الطالب لمزيد من التفاعل، وكذلك استغلال المسرح كصالة رياضية رغم حجمه المحدود.

حيث تم إنفاق نحو 35 ألف درهم من ميزانية المدرسة التشغيلية لدعم دراسة الطلاب بشكل أفضل، معتبرا أن وضعية المدرسة القديمة تزيد العبء على الإدارة والمعلم والطالب.

يريدونها أفضل

الطلاب عبروا عن حبهم للمدرسة لأنهم يلتقون بأصدقائهم ويحبون معلميهم ولكنهم لم يخفوا أبدا رفضهم للبيئة المدرسية وإحساسهم بأنها لا تشجعهم على الدراسة وخالية من أي ترفيه أو نشاط ورغبتهم في تركها، حيث ذكر أعضاء مجلس طلاب المدرسة أنهم يحبون المدرسة ولكنهم يريدون أن تكون لديهم ملاعب ومسابح مثل بقية المدارس وأن يتعلموا التعامل مع الكمبيوتر بشكل أفضل.

كما أن أحدهم ذكر أن والده الذي درس في المدرسة من صغره أراد نقله منها هذا العام، وآخر قال أن إخوته وأعمامه تخرجوا منها، وأنهم سألوه يوما هل لا تزال المدرسة حية ترزق؟ بينما قال أحدهم أنه لا يحبها ولكنه لم يتمكن من الانتقال منها.

أبوظبي ـ لبنى أنور: