يعتبر استشراف المستقبل قضية استراتيجية ملحة لمواجهة التحديات التي يموج بها عالمنا المعاصر، لكوننا نعيش في عالم معاصر نشهد فيه تحديات ومشكلات وتكتلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وكذلك بيئية، ومن هذا المنطلق أصبح التنبؤ بما سيحدث في المستقبل المنظور من التحديات وتداعياتها في شتى مناحي الحياة وفق افتراضات معينة ومحسوبة قضية استراتيجية ملحة لصالح الأجيال القادمة ولحسابها وتعتبر انذاراً مبكراً لصناع القرار والمخططين بضرورة توجيه المزيد من الاهتمام نحو دراسة هذه التحديات للتعرف على أسبابها ودوافعها والآليات المناسبة للتصدي لها واحتوائها وتفادي حدوثها أو انتشارها. ومن هذه التحديات: احتمال نضوب النفط.. أو إيجاد بدائل للطاقة تقلل من الإقبال العالمي عليه وبالتالي ستتأثر أسعاره وما ستؤثره على مداخيل الناتج القومي لهذه الدول من دخل هذه السلعة النابضة والناضبة.

النمو السكاني بوتيرة متسارعة ومضاعفة وخاصة في الدولة والذي سيوصل اعداد المواطنين إلى أرقام غير مقبولة بكل المقاييس إذا لم نبادر بتبني سياسة سكانية وطنية حازمة وحاسمة وعند معدلات آمنة. التعليم والتدريب والتأهيل لسوق العمل وما تتطلبه المرحلة المقبلة من عمالة مؤهلة تدير وتشغل التنمية بل وتنافس في القطاعين العام والخاص، وكيفية الاستفادة من الموارد المحلية وإعادة تأهيلها لسوق العمل لخلق التوازن السكاني والتنمية الاقتصادية الوطنية.

والحدود ومراكز الدخول وإجراءاتها وما تسببه من فصل نفسي بين المواطنين في دول مجلس التعاون، والمشاريع المشتركة بين دول التعاون وفتح المجال أمام المستثمرين الخليجيين. والنقاش الذي يجب أن نواجهه هو نوعية التحديات الصعبة وتداعياتها الخطيرة التي سوف تفرض نفسها بشدة وتضع الحكومات الخليجية في موقف صعب قد تعجز عن مواجهته. والأكثر من ذلك هو التحدي الذي يمثل المرحلة التي سوف تشهد قفزة سكانية سريعة (الانفجار السكاني) في معظم مدن دول الخليج لاسيما الإمارات جراء المشاريع الاسكانية والاستثمارية الضخمة والتي تستوجب جلب واستيراد سكان من الخارج لشغرها.

في الوقت نفسه تشهد المنطقة استنزاف النفط نظراً لكثرة الطلب وارتفاع السعر وهذا بالتالي سيؤدي إلى تعجيل نضوب النفط والغاز الطبيعي وهما المصدران الرئيسيان للدخل القومي لمعظم دول الخليج. يقدر الاحتياطي النفطي في الإمارات منذ عام 2000 بـ 98 مليار برميل والإنتاج 5,2 مليون برميل والعمر الافتراضي 100 سنة، أما الغاز الطبيعي، فالإمارات تملك في ضوء احتياطي عام 2000 (6003) مليارات متر مكعب والإنتاج (مليون م3/سنة) (48980 م3) والعمر الافتراضي 120 سنة.

وهكذا ستشهد خريطة سوق النفط العالمي الكثير من المتغيرات إذ من المتوقع أن يتأثر معظم احتياطي النفط والغاز في معظم الدول النفطية خلال الربع الأول من هذا القرن مما سيعجل نضوبه مع مطلع النصف الثاني. ان هذه الرؤية التنبؤية الكاشفة تضع أصحاب الرأي أمام انذار وتحذير مبكر وتدعو إلى ضرورة التحرك الإيجابي والتفكير جدياً في تطوير بدائل للدخل القومي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس ووحيد. معالجة قضايا التنمية وطرح رؤى واقعية تكون قابلة للتنفيذ ومناقشة هذه التحديات لن ترقى إلى التنفيذ إلا إذا تبناها القطاع الاقتصادي قبل غيره بقناعة وحماس أكيد.

مثل هذه القناعات ستساهم في تعديل مسار التنمية في الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه الذي سيمكننا من احتواء تلك التحديات وبالتالي سيجنبنا الكثير من المواجهات، ويساعد على إنجاح هذا الأمر ضرورة تهيئة المواطن ـ المستفيد من نتائج برامج التنمية ـ اجتماعياً ونفسياً حتى يتقبل المتغيرات المتوقعة وبتضحيات وقتية أقل. إن مجلس التعاون وبرغم ثرواته وموارده وانجازاته وثقله الاقتصادي العالمي وما يمثله من 65 في المئة من احتياجات النفط العالمية مهدد تهديداً حقيقيا، ولعل أحد الأسباب التي مهدت لهذه الوضعية الخطيرة هو خلل النظام الأمني الجماعي وخلل التركيبة السكانية وهشاشة البنى الاقتصادية وغياب العمق البشري وعجز الأنظمة عن الاستجابة الفورية للتنمية الاجتماعية وتطوير المجتمع المدني والفزعة الجماعية للدفاع عنها في حالة حدوث تهديد. ان التكامل والتواصل يمثل اتجاهاً قادراً على التفاعل مع هذه المتغيرات ويستدعي طرح التصورات كافة لطرح صيغ جديدة للتواصل والتكامل الفعلي بين دول المجلس ولو على المستوى الثنائي بغية تحقيق المزيد من الإحساس والشعور بالأمان ثم الاستقرار فالتنمية.

لماذا لا يكون الشعور بخطر تلك التحديات هو القاسم المشترك الذي يجب ان نخطط له وننطلق منه للمرحلة المقبلة.

د. سليمان الجاسم