أحاول أن أكتب لكم معاناتي صراحة لعلي أنال نصائحكم الثمينة، أملاً في السير نحو حياة ناجحة إن شاء الله. تزوجت قبل 5 سنوات، بعمر الخامسة والعشرين، بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، فبعد التحاقي بالعمل تعرفت على إحدى الموظفات أعجبني سلوكها وطباعها وجاذبيتها، فتعلق قلبي بها حتى قررت التقدم لأهلها وكانت من طبقة اجتماعية عالية الغنى فوالدها يعمل مستشارا في إحدى الوزارات وكذلك والدتها فهي ابنة تاجر كبير في المدنية ومن عائلة معروفة.

تم الزواج وكانت الأمور تسير على ما يرام دون منغصات سوى بعض التدخلات من أهلها في شؤون حياتنا الزوجية، ولم أكن أتصور أن هذه التدخلات سوف تزداد بمرور الأيام وتكون سيفاً على رقبة زوجتي وتصرفاتها معي، لم أكترث كثيراً لهذه التصرفات واعتقدت أن زوجتي بحاجة إلى استشارة أهلها في شؤون بيتها.

إلا أن الأمور بدأت تتغير كثيرا بعد الزفاف وبفترة قصيرة وذلك لأنني اتفقت مع زوجتي قبل الزفاف على تفاصيل حياتنا العائلية، وكانت تعبر عن حبها وتقديرها لي إلى أبعد الحدود، وتقدم رأيي على رأي أهلها، وتفضل حبي على حبهم.

ولكن الأحوال تغيرت بسبب عدم التزامها بأهم الأمور التي اتفقنا عليها وهي عدم السماح للأهل بفرض آرائهم علينا والتدخل في شؤوننا فكانت تسمح لتدخل أهلها في حياتنا في كل صغيرة وكبيرة، كما أنها كانت تخرج أسرار البيت إليهم وتسمح لهم بمحاولة فرض نمط حياتهم علينا فلا نستطيع أن نخرج لمكان ما دون مشورتهم حتى أدق الأشياء كشراء الاحتياجات من الجمعية تخضع لمشورتهم في انتقاء المشتريات. وكذلك فضلت أهلها وإخوتها علي وعلى أهلي ولم تهتم بالتوازن بين الطرفين.

ثم بدأت المشاكل تزداد بسبب معارضتي لهذا الأسلوب من جانب أهلها وتساهلها في التعامل مع هذا الأمر بحجة أنهم يريدون مصلحتنا في المقام الأول، وتطور الأمر إلى مواقف سلبية كرد فعل على مواقفها ومواقف أهلها، وهي بدلا من أن تلزم جانبي كما كانت في السابق، لزمت جانب أهلها، وهم بدلا من أن ينصحوها كي تهتم ببيتها وزوجها كانوا يحرضونها علي، وبدلا من أن يحببوا إليها بيتها وأسرتها الجديدة كانوا ينصحونها بما يعود عليها وعلي بالشر والأحقاد.

وظلت الأمور على حالها حتى جاءنا المولود الأول فاعتقدت بأنها ستلتزم بما اتفقنا عليه في بداية زواجنا، أنه إذا رزقنا بالأولاد فلابد أن تأخذ إجازة الأمومة وترعى طفلها لمدة سنتين ثم تعود لعملها، ولكن بدلا من أن تهتم بولدها، كانت تهمله طوال الوقت بعد أن أوكلت أمره للخادمة.

وكان سبب قرارها بتحريض من أهلها فعادت إلى الدوام دون أن تبالي باتفاقها معي في السابق وإلحاحي عليها بالاستمرار في الإجازة وعدم إلغائها؛ ولكنها ضربت أمري بعرض الحائط واستجابت لنصيحة أهلها وحصل بيننا شجار بسبب ذلك؛ فاتخذت هي مع أهلها هذا الشجار ذريعة للعودة إلى المشاكل السابقة وتقليب الصفحات الماضية للتوترات وسوء التفاهم، حتى تفاجأت بأهلها يأتون للمنزل ليطلبوا مني الطفل لأن والدته رفضت المجيء للمنزل، لأني منعتها من الذهاب إليهم، فلما رفضت تسليمهم الطفل تركوه عندي وأخذوا كل أغراضها الشخصية.

حتى جاءتني ورقة المحكمة يطلبون مني المثول في قاعة المحكمة من أجل النظر في دعواها في طلب الطلاق للضرر، فرفضت طلبهم لأني لا أزال أحبها من ناحية ولوجود الطفل بيننا رغم كل المشاكل التي سببها أهلنا لنا ولكنهم أصروا على الانفصال وسدوا كل الطرق أمامي ورفضوا كل محاولاتي للإصلاح.

بعد ذلك حكمت المحكمة بالانفصال إلا أنها حكمت ببقاء الولد عندي؛ حيث رأت المحكمة أن والدته لا تريده في حضانتها فوالدتها تخطط لتزويجها من أحد الأثرياء طمعا في المال والجاه، كما أن والدته مشغولة بالسفر لخارج الدولة عدة مرات في الشهر بسبب ظروف العمل وغير متفرغة للولد كما أن والدتها ليس لديها الاستعداد أن تقضي وقتها مع الطفل الصغير لانشغالها طوال اليوم بالتسوق والتبضع في المراكز وزيارة الصديقات ولا تعود للمنزل سوى الفترة المسائية.

؟ وما أعانيه الآن هو:

1ـ أنني بهذا الانفصال أحس بأن شخصيتي انهارت، ولا أدري كيف أخطط لحياة جديدة وفقدت توازني، فلا أدري ولا أقدر على بناء شخصيتي من جديد.

2ـ أحس بداخلي -رغم كل مواقفها السلبية ومواقف أهلها- بحب كامن عميق نحوها وبشوق دفين إليها، إلا أن هذا الشعور يصطدم بالتفكير العقلاني الذي يقرر استحالة لمّ الشمل معها مرة أخرى، كما يصطدم بالواقع حيث مواقفهم القاسية نحوي ونحو الولد، فأتعذب باصطدام شوقي وحبي وعاطفتي مع الواقع والعقل.

3ـ أني أعيش في حيرة من أمري، هل أتزوج مرة أخرى أم لا، لا أخفيك مدى خوفي من فكرة الزواج مرة أخرى خاصة عندما أتذكر ما حدث معي الآن فأعود أدراجي وألغي الفكرة على الفور، كيف يا ترى ستكون الزوجة الثانية معي وكيف ستعامل طفلي الصغير خاصة وأنا أعاني من سطوة وقسوة زوجة الأب عبر تجربة مريرة عشتها في صغري ولا تزال آثار الحرق على جسدي بسبب قسوة زوجة أبي. فيا ترى كيف تكون الثانية وكيف الوثوق بأنني لا أتعرض للتجربة ذاتها.

4 ـ وإذا ما قررت عدم الزواج خشيت على نفسي من الإرهاق النفسي والكبت العاطفي والتفريغ الغريزي؛ من خلال الزواج. أما وقد سد هذا الباب فإنني أقع في بعض الممارسات غير المناسبة أحيانا إخمادا لنار الشهوة فأتعذب بعده أيما عذاب لارتكابي المعصية.

5- أنا أعيش في حيرة واكتئاب وضيق وتعب نفسي لا يعلم مداها إلا ربي، وأصبحت قواي الجسدية والعقلية ضعيفة جدا. كما أنني أسرح في صلاتي كثيرا.

الجواب

جعل المولى عز وجل الزواج رمزا للمودة والرحمة وعنوانا للاستقرار والمحبة بين الزوجين، وهذا هو الهدف الأسمى من الاقتران، ولا ننكر بأن في بعض الأحيان قد تعترض الأسرة بعض المنغصات فمنها ما يزول ومنها ما يدوم فيسبب المزيد من الاستنزاف العاطفي وجفاف المشاعر بين الزوجين، كما أن المشكلات الزوجية لها عدة أسباب رئيسية تكون القاصمة في دمار العلاقة منها الخفي ومنها الجلي الواضح، منها الأسباب المباشرة ومنها غير المباشرة، لعل من أبرزها تدخل الآخرين في خصوصيات الزوجين لا سيما الأهل خاصة إذا كان التدخل سلبياً، فتصل العلاقة لحد التوتر وانهيار فرص نجاحها، إن وصول حياتك الزوجية بينك وبين أهلها إلى هذا المستوى من التدخل معناه أن هذه الحياة قد أصبحت مستحيلة، وأنه لم يعد أمام الزوجين من حل سوى وقف نزيف هذا التدخل أو الانفصال، ولكن لا يعني ذلك أن كل طرف على حدة فاشل أو غير قادر على أن يمارس حياته الطبيعية بعيدًا عن الآخر.

بمعنى أن الفشل خص هذين الشريكين معًا، أي أنهما لم يستطيعا التوافق والتكيف معًا، والانفصال يعني أن يبدأ كل منهما حياة جديدة يتعلم فيها من أخطائه بهدوء وموضوعية، بحيث لا يعني التعلم من الخطأ أن يصاب الإنسان بالخوف المرضي مما مر به من أحداث أو تجارب؛ فيقوم بعملية تعميم مرضي تقول بأنه سيفشل دائمًا في زواجه، وأنه لن يستطيع أن يأمن لأي اختيار أو أي زوجة.

والحقيقة أن هذا التعميم يأتي من عدم الرغبة في مواجهة النفس بالأخطاء التي وقع فيها الشخص بنفسه، بحيث يحمّل كل الأخطاء على الطرف الآخر، ويصبح الطرف الآخر هو الذي تغير وهو الذي نكث العهود وهو الذي تحيز لأهله وهو الذي هدم الحياة... والحقيقة أن أي شراكة تفشل يكون للشريكين دور في إفشالها ربما بالدرجة نفسها والقدر نفسه بحيث لا يستطيع طرف أن يدعي أنه خالي المسؤولية من هذا الانفصال، سواء في مقدمات وقوعه أو عندما وقع فعلاً.

خلاصة ما نريد قوله..أن طلاقك لا يعني أنك فاشل أو أنك تحطمت وأنك لن تستطيع بداية حياة جديدة.. كل المطلوب منك أن تعتبر هذه تجربة صعبة مرت بحياتك تحتاج لوقفة جديدة وبطريقة تجنبك الوقوع في الخطأ نفسه كما حصل لك من خلال هذه التجربة، ولكن لكي تقيم موقفك وأخطاءك، ليس لتصل لنتيجة هي أنك فشلت، ولكن لتصل لنتيجة هي أنك ستتدارك هذه الأخطاء في تعاملك في حياتك القادمة.. وأن تحسم الصراع داخل نفسك، بمعنى أن هذه فعلا قد طويت، وأن المطلوب منها هو الإحسان إلى الولد المشترك بينكما، بحيث لا يحرم من أمه ولا يساء إليها أمامها، وتتفقان على وسيلة لفعل ذلك دون عناد أو انتقام.. وبعدها تنظر إلى الأمام.. إلى المستقبل.. فبعدما نستخلص العبرة مما مر من الماضي لا يصبح للحديث عن الماضي أي قيمة، أو لاستدعاء أحداثه إلا العجز عن الحركة للمستقبل.

إن الماضي يكون قوة دافعة إذا اعتبرناه درسًا تعلمناه، ويصبح عائقًا إذا اعتبرناه ذكرى نعيش عليها ونجتر أحداثها. والزواج مرة أخرى أمر حتمي، ولكن بعد أن تهدأ نفسك ومشاعرك وتصبح قادرًا على الاختيار بعيدًا عن ردود الأفعال بحيث لا يصبح زواجك الثاني مجرد رد فعل على فشلك السابق. قد تكون فترة 6 أشهر إلى عام من استقرار أوضاعك وتقبلك لحياتك الجديدة فترة كافية تستطيع بعدها أن تتخذ قرار الزواج الجديد بهدوء وموضوعية..

ولست أول من طلق، فقد سبقك الكثير من الذين وجدوا حياتهم قد توقفت مع زوجاتهم لسبب ما، وكرروا التجربة بعد انفصالهم وتزوجوا من جديد ولم يتباكوا على الأيام الخوالي التي قد لا تعود لسابقتها، وكانت زيجاتهم الجديدة ناجحة، ولم يعيشوا أسرى التجربة السابقة، بل كانت نقطة انطلاق لحياة أفضل بإذن الله. (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً)، فسيعطيك الله من سعته ورحمته، بشرط أن تنظر للأمام ولا تنظر للخلف.

إعداد: خليفة المحرزي مستشار العلاقات الأسرية