«آباء وأبناء» قصة واقعية تنشرها «البيان» يوم الجمعة من كل أسبوع تحكي حياة طالب وولي أمره من خلال أسئلة عدة توجه لكل طرف على حدة، تبين مدى التوافق بين أفراد الاسرة ومتابعة أولياء الأمور لأبنائهم ومعرفتهم بشؤونهم الخاصة وأصدقائهم.

أحمد ووالده عبد اللطيف عبد الحكيم قصة تجمع الغرابة والإصرار وتبرهن على إخلاص الأب رغم تمرد جيل اليوم الصغير، محاولات كثيرة كان الفشل نهايتها، فالصغير يرفض إطلاقاً فكرة المدرسة أو التعليم ووالداه أصرا على ذلك، فكانت النتيجة أشبه بحرب مصغرة، قطباها ولد صغير وعائلة مكونة من أب وأم وابنتين.

دخل أحمد مدرسة دبي الوطنية ولم يستمر هناك طويلاً والسبب أنه لا يريد الدراسة ولا هم أمامه سوى العبث وإلحاق الضرر بغيره، وذلك أجبر إدارة مدرسته على الطلب من أبيه نقله وإلا كانت نتيجته الفصل، فذهب به والده إلى مدرسة الاتحاد الخاصة وهناك لم يستمر أيضاً فعاد بعدها إلى مدرسته الأولى ولكن من دون جدوى، فالمعادلة واضحة: رفض طفولي ومحاولات ترغيب وترهيب عائلية مستمرة والضرب كان أبرز ملامحها.

يقول الأب فبينما هو عائد من عمله إلى البيت متأخراً يجد أغراضه وأجهزته مكسرة ومبعثرة وابنتيه الصغيرتين تبكيان، وبطل ذلك المشهد اليومي معروف إنه الصغير أحمد، فالمسلسل مستمر والحلقات متكررة، أما أحمد فهو متيقن أن الأب أو العائلة بشكل عام تكرهه وتفرق بينه وبين شقيقاته، وعدوانيته البريئة ناجمة عن اعتقاده ذلك.

الأب وبعد محاولات متكررة لإقناع الصغير بالتعليم والدراسة وجد نفسه في نهاية المرحلة أسيراً للملل واللاجدوى، ولكن إصرار الأم على متابعة ابنها كان البداية لطريق أخرى تفتحت أبوابها، فبعد مشواره مع المدارس الخاصة جاءت الأندية الرياضة علها تمتص شيئاً من عنفوانه وطاقته الزائدة والتائهة ولكنها لم تفلح في ذلك واستمر الوضع على ما هو عليه: تمرد للصغير وضرب ونصيحة من والديه.

يقول الصغير إنه عرض على والده فكرة الالتحاق بالجيش فرفض الأخير ذلك وأصر على التعليم كوسيلة يمكن أن تهزم التمرد والرفض المتجذر في داخله، وحاول بشتى الوسائل إقناع صغيره بالاستمرار والتواصل في دراسته، والنهاية «مكانك سر» كل ذلك وعمر الصغير لا يتجاوز العشرة أعوام، فكانت النتيجة وكما يقول الأب البحث عن مكان بعيد للدراسة فيه.

وبعد دراسة وتأن اقتنع والداه بإرساله إلى مدرسة تعليمية وعسكرية داخلية بباكستان، وهناك أمضى الطفل ثلاثة شهور حتى جاء اتصال من باكستان يطلب من الأب أن يخلص المدرسة الباكستانية تلك من مشاغبة وشقاوة ولده الصغير، فالمدرسة تعتذر عن استمرار الطفل الإماراتي أحمد فيها، وعاد إلى دبي، ودرس الصف السابع في مدرسة دبي الوطنية، ثم قرار الوالدان أن ينقل للدراسة في بلد أوروبي وبعد دراسة وتقصي رسى بهم القدر أن يودعوه في استراليا بين الطلبة الأجانب.

الوالد لم يكن واثقاً من أن ابنه الصغير سيستمر هناك أكثر من شهر واحد، رغم تطمينات إدارة المدرسة التي أكدت أنها ستجبره على البقاء وستجعل منه طالباً ملتزماً وسوياً، ففي المدرسة الاسترالية غير المختلطة الواقعة بمدينة «جولد كوست» بدأ الصغير أحمد في العام 2000 مشوار جديد من الدراسة بعد أن وضع والده جميع السوابق والحوادث السلبية التي يقوم بها ابنه بين أيدي المسؤولين هناك، والذين أخبروا الأب أنهم قادرون على التعامل مع أحمد بأسلوب يجعله يستمر في تعليمه من دون مشكلات.

في المدرسة الداخلية تلك والتي توفر تعليماً دراسياً واجتماعياً وتملك الخبرة الكافية في التعامل مع أطفال بحالات مختلفة سار أحمد مع فوضويته الطفولية لمدة قصيرة وكان معه طالب إماراتي آخر لم يستطع الاستمرار، فبعد أسبوع من بقاء والدته إلى جانبه في أستراليا عادت إلى دبي تاركة إياه وحيداً في أستراليا وكان عمره حينها اثنتي عشرة سنة، ومع هذه الأجواء استطاع التواصل مع دراسته بانسجام ودون أن يخفي ما يكنه من كره لوالديه، ونهاية كل عام ظل يأتي إلى دبي لقضاء الإجازة الصيفية بين ذويه.

وكما يقول الصغير فإن رفضه للدراسة وللانضباط كان نابعاً من اعتقاده أن والديه يفرقان بينه وبين شقيقتيه، فيوفران لهما كل ما يلزمهما من دون الالتفات إلى الذكر الوحيد في البيت، فتصرفاته العدوانية سواء في المدرسة أو في البيت كانت نتيجة لتصوره الخاطئ كما يقول، بالرغم من أنه لا يزال يشعر حتى اليوم بوجود تفرقة بينه وبين شقيقتيه من قبل والده.

يقول أحمد إن والده كان يضربه كثيراً حينما كان طالباً مشاكساً في دبي، وفي الوقت نفسه كان لا يأبه إلى دعوات الأب والأم، وظل كثيراً يعاندهما لا سيما بعد الضرب، وعندما ذهب إلى أستراليا أخذ يشعر أن والده يكرهه ونتج عن ذلك جفاء استمر لفترة محددة، فكانت تمر أسابيع من دون أن يتلقى اتصالاً أو يسمع صوت أبيه، واستمر الحال على ما هو عليه بين الولد وأبيه لأربع سنوات من دراسته بأستراليا مع انخفاض مستمر لوتيرة الكره التي يحتفظ بها الصغير تجاه والده.

أحمد الذي سار وحيداً إلى أستراليا لم يمنحه والداه أكثر من الدعاء كما يقول أبوه، فكان هو وزوجته باستمرار يواصلان الدعاء لهداية ابنهما والتزامه، مع تذكيره بالصلاة والصيام والابتعاد عن المحظورات، وبعض الأوقات يزوره أقرباؤه في أستراليا للاطمئنان عليه، فتجربته في بلاد الغربة كانت ناجحة وموفقة، واستطاعت أن تقنعه بالاستمرار حتى نال شهادة الثانوية العامة من المدرسة الأسترالية، وعاد بعد خمس سنوات إلى دبي مؤهلاً لدراسة العلاقات الدولية والعلوم السياسية مرة ثانية في أستراليا التي أحبها وأحب الدراسة كنتيجة لتجربته الغريبة فيها.

كما أجمع الوالد وابنه فكان التصور الخاطئ الذي احتفظ به أحمد منذ البداية بأن والديه يكرهانه ويفرقان في المحبة بينه وشقيقاته السبب الأبرز للمعاناة التي كلفته وعائلته تضحية كبيرة من أجل التغلب عليها، فهو الولد الذكر الوحيد في البيت لذلك فلا بد من التعليم كما يرى والده، ولكن أحمد احتفظ بداخله بكمية كبيرة من الرفض والعدوانية والكره لوالده لفترة محدودة.

وبعد أن حصل الصغير على شهادة الثانوية العامة من أستراليا يعود إلى أحضان أبيه وقد فاقه بالحجم وبالطول، ولكن للحياة في نظرهما لونا آخر فيه الجمال والمتعة مع الإنجاز الذي تحقق بفعل إصرار العائلة بعد أن بات مصير الولد محتوم بالضياع والجهل، أما أحمد فيقول: أيقنت أن والدي يحبني ويريدني أن أكون ولداً قوياً بتعليمه، وتحديداً بعد أن عرفت العام الماضي من إدارة مدرستي أن قسط الدراسة المستحق علي يبلغ أكثر من ستين ألف درهم، فكان تفكيري أنه لا بد وأن أبي يدفع كل هذه المبالغ لأنه يحبني ويريد لي أن أصبح إنساناً متعلماً، فمشواري في أستراليا كلفه نحو نصف مليون درهم، وهذا المبلغ دليل قاطع على تضحية الأب من أجل ولده.

عنان كتانة