حميد بن ديماس: التطورات المحلية والدولية تستوجب إيجاد بديل

نظام الكفيل.. راحت عليه

لابد من إلغاء نظام الكفيل.. فقد انتهت مبررات صلاحيته، وأصبحت أجهزة الدولة المختلفة قادرة على أن تؤدي واجبها بكفاءة عالية من دون شريك. هذا ما يمكن فهمه مما قاله حميد بن ديماس الوكيل المساعد لقطاع العمل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الذي أضاف: إن فعاليات مختلفة في المجتمع الإماراتي شجعت على إلغاء هذا النظام، بينما كانت هناك فعاليات أخرى ترى ضرورة الاستمرار فيه مع ضوابط وتعديلات.

لقد تعرض نظام الكفيل في غالبية

دول الخليج ومنها دولة الإمارات إلى نقد ساخن من قبل منظمة العمل الدولية وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية التي ترى فيه شكلاً من أشكال الاستعباد.. كل إجراءاته توحي بذلك. فهي تبدأ بحجز جواز سفره طوال إقامته داخل الدولة وبالتالي التحكم بمسألة سفره وحركته وتنتهي بمنعه من تحسين أجره بالانتقال إلى عمل آخر تحت طائلة وضع ختم الحرمان على جواز السفر والذي يحرمه من العودة إلى الدولة خلال فترة تتراوح من ستة أشهر إلى عام وقد تصل إلى عامين في بعض دول الخليج الأخرى.

ولم تتوقف الأمور عند حدود النقد فقط بل وصلت إلى حد المطالبة بضرورة إعادة النظر في هذا النظام واستبداله بقانون يحمي العامل ويراعي مصالح صاحب العمل في الوقت نفسه. وأشار أحد المقترحات البديلة الذي تقدمت به منظمة العمل الدولية لعدد من الدول الخليجية في إطار الحوار معها للتخلص من الآثار السلبية لهذا النظام بأن تكون الحكومة هي الضامن لكل العمالة الوافدة، أو أن يتم إنشاء هيئة مستقلة تكون هي الكفيل.

ورغم هذه الانتقادات الموجهة لنظام الكفيل إلا أن بعض الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة لا ترى فيه شراً مطلقا.

حيث ترى أن استمرار العمل به مع بعض الضوابط يمتلك مبررات قوية، تتمثل في ضرورة إعطاء الدولة الأولوية للمواطنين في سوق العمل، وتقديم تسهيلات كبيرة لهم توفر لهم حياة كريمة، بل وتميزهم عن الوافدين خاصة كون أعداد العمالة الوافدة تفوق بأضعاف عدد السكان، وترى بعض الفعاليات الأخرى أن هذا النظام الذي امتلك المبررات في العمل به ذات يوم أصبح فاقداً لها في الظروف الحالية، لجهة النقلة الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي وصلت إليها الدولة، أو لجهة الاستجابة لمقتضيات الوضع الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تعتبر وجود مثل هذا النظام حجر عثرة.

وترى هذه الفعاليات الاقتصادية الاجتماعية بأن نظام الكفيل قد اكتسب مشروعيته ومنطقيته ذات يوم عندما كانت الدولة في بداية التأسيس، حيث وضع هذا النظام ليكون الكفيل راعياً للعامل وشريكاً للدولة في ضبط سوق العمل إلى أن تصبح أجهزتها المختلفة قادرة على ذلك..

وتشير هذه الاتجاهات إلى أنه مع تحقق هذا الأمر لجهة كفاءة وقدرة هذه الأجهزة، فقد بات من الضروري تعديل هذه النظام أو الاستعاضة عنه بنظام آخر يتلافى كافة السلبيات على صعيد الكفيل أو المكفول، أو على صعيد المشاكل الناجمة عنه في سوق العمل متمثلة بتجارة التأشيرات، وتراجع خبرات المواطنين في عدد من المجالات الاقتصادية بفعل الاتكالية، وكذلك ظاهرة المنشآت النائمة، كما أن استمرار العمل بهذا النظام أدى إلى حرمان المواطنين من ممارسة أنشطة كانت تقليدياً جزءاً من مهن أو أعمال كان المواطن يمارسها، وأصبح مجتمع الكفلاء يمثل مصالح اقتصادية قوية تصطدم مع أي مشروع لإصلاح سوق العمل وإلغاء هذا النظام.

مما يؤكد أصحاب هذا الاتجاه بأن الكفيل المواطن قد تعرض في كثير من الحالات إلى الأذى بسبب هذا النظام الذي يبدو للناظر وكأنه خير فقط للكفيل المواطن، حيث يقبع العديد من المواطنين في السجون أو يقفون في ساحات المحاكم بسبب هروب المكفولين أو تهربهم من أداء التزاماتهم تجاه البنوك أو العمال أو الزبائن حيث لا ذنب للمواطن في هذه القضايا جميعاً سوى كونه كفيلاً لهؤلاء.

ما هو نظام الكفيل وماهي تبعاته؟

يقوم هذا النظام على وجود طرفين أحدهما الكفيل وهو المسؤول عن العامل ـ الوافد «المكفول» مادياً وقانونياً ومعنوياً الطرف الثاني، حيث تتم معظم تعاملات المكفول مع الجهات الحكومية عن طريق الكفيل نفسه وهو ما يحمله تبعات مادية وقانونية في مقابل هذه الالتزامات، وأتاح له نظام الكفيل حق منع المكفول من التنقل والسفر إلا بإذنه، وحق حجز جواز سفر المكفول ويرى البعض أن مسؤولية الكفيل مبهمة تجاه الحكومة والمكفول وفي أغلب الأحيان يقدم الكفيل توقيعه فقط للعامل الوافد لقاء مبلغ مالي يحدده هو على الأغلب.

إفراز أربع فئات بين المواطنين

بما تجمع لنا من مواقف واتجاهات عبر متابعتنا لما قدمته منظمة العمل الدولية والعديد من المنظمات الحقوقية حول نظام الكفيل، وما نشرته العديد من الصحف حول الموضوع نفسه وضعناه في حقيبتنا التي أفرغناه على مكتب حميد بن ديماس الوكيل المساعد لقطاع العمل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الذي أكد على ضرورة إعادة النظر في هذا النظام رافضاً استمرار العمل به لأن الدولة لم تعد بحاجة إليه كون القفزات الكبيرة على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قامت بها الدولة خلال الأعوام الماضية أفقدت مثل هذا النظام مبرر وجوده مشيراً إلى انه بات من الضروري إيجاد بديل لا يهمش المواطن بل يجعل مشاركته حقيقية وفعلية في العمل الاقتصادي للقضاء على ثقافة التقاعس والاتكالية التي أفرزها هذا النظام.

وذكر أن هذا النظام نشأ مع نشأة الدولة التي كانت أمام مطلب البدء في التنمية بكل أشكالها (أي بناء مؤسسات الدولة المختلفة) مشيراً إلى أن هذا الأمر تطلب استقدام عمالة تسهم في ذلك، حيث فتح المجال لإنشاء المؤسسات الاقتصادية وكافة المنشآت الحديثة، موضحاً كون عدد السكان قليلاً نوعاً وكماً فقد اعتمد نظام الكفيل المواطن (ليس من باب الاستعباد للأجنبي وإنما من باب مشاركة المواطن أجهزة الدولة المختلفة في تحمل المسؤولية في حماية الدولة عبر كفالة عدد من العمال الوافدين يمثلهم أمام الحكومة ويقوم بالتبليغ عن أي تجاوزات قد تحدث.

وأضاف بأن الهدف الأخر لاعتماد هذا النظام كان يتمثل في إكساب المواطن من خلال كفالته لعمال في مجالات اقتصادية مختلفة الخبرات اللازمة التي تؤهله للتحول في مرحلة لاحقة إلى شريك أو صاحب عمل، وليس الاكتفاء بلعب دور الكفيل المحدود.

وأوضح بن ديماس أن هذا النظام أفرز عدة ممارسات أو فئات.. الأولى تحملت مسؤولياتها بالكامل وأدركت معنى الوطنية، وأن الانتماء والولاء والحفاظ على مكتسبات الدولة، ليست شعاراً فقط، مشيراً إلى أن هذه الفئة لعبت دور الكفيل بشكل صحيح، ولم تتجاوز حقوقها مطلقاً في إطار هذا النظام، مضيفاً بأن الأمر شهد وضعاً أكثر إيجابية لدى الفئة الثانية التي انتقلت بدورها من طور الكفالة والحصول على مبلغ مالي مقطوع جراء ذلك، إلى مرحلة المشاركة في المشروع الاقتصادي ثم الإمساك بزمام العمل بالكامل في مراحل لاحقة بعد اكتساب الخبرة اللازمة.

مشيراً إلى أن الفئة الثالثة التي أفرزها هذا النظام تمثلت في الكفيل النائم وهو الذي تنازل عن مسؤولياته الوطنية وارتضى لنفسه دوراً هامشياً تمثل في الحصول على مبالغ مالية من المكفولين دون تحمل أي مسؤولية تجاه ذلك.

أما عن الفئة الأخطر التي أفرزها هذا النظام فيقول الوكيل المساعد لقطاع العمل بأنها فئة قليلة وشاذة في إطار هذا النظام، قامت بممارسة دورها بطريقة بشعة (بحسن أو بسوء نية) عبر النظر إلى نظام الكفيل على أنه مصدر للرزق والإثراء فقط مع التخلي مقابل ذلك عن كل الثوابت والقيم، والارتزاق على حساب الغير باستخدام كافة الوسائل المتعسفة مع العمال وظلمهم، مؤكداً بأن أفراد هذه الفئة كانوا سبباً في إثارة البلبلة على هذا النظام في مختلف المحافل.

وحول رد فعل الجهات المسؤولة في الدولة تجاه هذا النظام ونتائجه المتحققة على أرض الواقع وتعاملها مع موجات النقد الذي يتعرض له من قبل المنظمات الحقوقية الدولية والصحافة العالمية. قال حميد بن ديماس: بأن دول الخليج عموماً أدركت في الأعوام الأخيرة ضرورة إعادة النظر في هذا النظام وترشيده انطلاقاً من التغيرات الاقتصادية العالمية وظهور مفاهيم جديدة مثل العولمة، تحرير التجارة، موضحاً بأن أوراق عمل عديدة قدمت في الاجتماعات الخليجية المختلفة أكدت على ضرورة إعادة النظر في النظام بما يعزز التنمية والمشاركة دون إغفال دور المواطن مع تلافي السلبيات المترتبة عليه، وكان نظام وكيل الخدمات الذي تم استحداثه خطوة على طريق إعادة النظر في نظام الكفيل مشيراً إلى أنه لم ينجح في تغطية الوضع بالكامل، وبقي يسير جنباً إلى جنب مع النظام القائم (الكفيل).

وحول الحلول المقترحة قال بن ديماس بأن استمرار العمل بالنظام لم يعد ذا معنى بعد الخطوات الكبيرة للدولة في المجالات المختلفة مؤكداً على ضرورة إعادة النظر في هذا النظام على قاعدة تحول المواطن كشريك فعلي في العمل أو أن لا يكون له اسم مطلقاً في الشركة تحت أي مسمى آخر، موضحاً بأن البديل يجب أن لا يكون فيه دور المواطن هامشياً، ويسهم في القضاء على ثقافة التقاعس والاتكالية التي أفرزها نظام الكفيل، وشدد بن ديماس على ضرورة إيجاد قانون صريح في هذا المجال يجرم المتاجرة بالتأشيرات الناجمة عن هذا النظام في خطوة لمعالجة السلبيات التي أفرزها النظام.

تطوير نظام وكيل الخدمات

عبدالله بن سلوم مدير إدارة التفتيش العمالي في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، قال إن كثيراً من المواطنين الذين كفلوا عمالة وافدة قد تضرروا، وذلك في معرض إلقائه الضوء على الجانب الآخر لنظام الكفيل الذي يظهر للبعض وكأنه يصب فقط في مصلحة المواطن، مشيراً إلى أنه بالإضافة إلى ذلك فقد أفرز نظام الكفيل المعمول به العديد من السلبيات يقف على رأسها المتاجرة بالتأشيرات، وإساءة البعض لاستخدام هذا النظام.

وطالب بن سلوم بتعديل هذا النظام لتلافي هذه السلبيات وتعميم نظام وكيل الخدمات الذي يمنح المواطن مميزات ضرورية دون أي مسؤولية قانونية أو مالية تجاه العمالة الوافدة وذلك مقابل رسوم مالية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين يحصل عليها الوكيل المواطن.

إيقاف العمل به للمستثمرين فقط

الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي أكد على ضرورة وقف التعامل بمقتضيات هذا النظام للقادمين إلى الدولة للاستثمار، مع استمرار العمل به للعمالة الوافدة، انطلاقاً من قدرة المستثمرين على كفالة أنفسهم بتقديم مبالغ مالية كودائع ضمان لهم، وعدم قدرة العمالة الوافدة على ذلك، مما يحتم وجود كفيل لمنع التجاوزات.

وحول التعسف المفترض للكفيل باستخدام هذا النظام أكد تميم على وجود العديد من الخيارات في الدولة لأي عامل مظلوم من كفيله يمكنه اللجوء إليها لرفع الظلم عنه، ومنها جمعية حقوق الإنسان في شرطة دبي.

سلبياته كبيرة على الكفيل و المكفول

مبارك الرصاصي نائب رئيس المجلس الاستشاري في إمارة الشارقة رأى أن نظام الكفيل بات قديماً ويحتاج إلى إعادة نظر في آلياته وإجراءاته، واستحداث نظام بديل يوفر العدالة لطرفي العلاقة فيه، مشيراً إلى أنه على الرغم من الفائدة والخير الذي يتضمنه للمواطن في بعض جوانبه، إلا أن بعضهم ودون إدراك وقع فريسة للنصب والاحتيال، وتحولت الكفالة إلى وبال عليه بديون متراكمة أودت بعدد كبير من المواطنين في السجون، لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا كفلاء بحسن نية، دون إدراك لماهية ومخاطر الكفالة المحتملة.

وأضاف أنه في جانب آخر نجد البعض من المواطنين الكفلاء قد استغلوا هذه الصفة باصطياد البسطاء لتحقيق أرباح سريعة وبالاتجار بالتأشيرات واستغلالها بأبشع الصور. وعلى صعيد الحلول للمشكلة قال الرصاصي جراء ما توضح من سلبيات لهذا النظام خلال الأعوام الماضية لتطبيقه، فقد أصبح لزاماً على الدولة والوزارات المعنية إيجاد الحلول الناجعة له والتي تكفل للمواطن حقه في كفالة الآخرين والعكس، دون أن يكون هناك أي ضرر على المكفول، مشيراً إلى ضرورة استحداث نظام بديل يتيح سد الثغرات والفجوات التي نفذ منها ضعاف النفوس، في إطار سعي الدولة لتطوير الجوانب الاقتصادية والمعيشية للمواطنين والمقيمين.

خلل التركيبة السكانية سببه سلبيات النظام

حمد خليفة الكعبي عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة رأى بأن مشكلة التركيبة السكانية التي تعاني منها الدولة السبب الرئيسي فيها تلاعب الكفيل المواطن من خلال الثغرات الموجودة في قوانين العمل في الدولة، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام كشفت الكثير من هؤلاء الأفراد الذين فقدوا الحس والانتماء الوطني، ونسوا فضل الوطن عليهم ناهيك عن المساس بسمعة البلد في العالم الخارجي لجهة كيفية التعامل مع العمالة الوافدة مؤكداً على دور بعض الوافدين في وقوع هذه الممارسات السلبية.

وأكد الكعبي على ضرورة تكليف جهة مختصة لدراسة الوضع الحالي للعمالة الموجودة في الدولة، ودراسة السلبيات ووضع الحلول المناسبة لها، ثم وضع آلية جديدة لاستقدام العمالة من الخارج يراعى فيها تجنب السلبيات التي ظهرت، مع الأخذ بعين الاعتبار تجارب الدول الأخرى في هذا المجال، وأن تنسجم مع القوانين الدولية، مع تفعيل استخدام التقنيات الحديثة بدلاً من العمالة الكثيرة.

وأشار الكعبي إلى أن أي حل على هذا الصعيد لن يكتب له النجاح دون تعاون أفراد المجتمع وخاصة المواطنين منهم في تطبيق القانون والالتزام به، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية. وتجاوز المرحلة السابقة التي تحولت فيها فئة من بُناة المجتمع إلى تجار للتأشيرات لتحقيق أطماعهم ضاربين بالقوانين عرض الحائط، وغير مكترثين بأمن البلد وسمعته في المحافل الدولية.

أساتذة جامعة: هناك فهم خاطئ للتوطين

الدكتورة أمينة المرزوقي.. الأستاذة في جامعة الشارقة قالت إن كثيراً من الأمور في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بحاجة إلى تقنين، ومن ضمنها استمرار العمل بهذا النظام الذي يتيح إمكانية دخول عمالة إلى الدولة هي في غير حاجة إلى خدماتها، وبالتالي يتم إغراق سوق العمل بالعمال التي يطلق عليها اصطلاحاً بالسائبة، مشيرة إلى أن المطلوب إيجاد صيغة للتدقيق في الوافدين وحاجة السوق إليهم، موضحة بأن هذه القضية تقود إلى المشكلة الأساسية التي يعتبر سلبيات نظام الكفيل نتاجا لها، حيث أن هناك فهم خاطئ للتوطين ويجري التعامل معه على أنه مجرد توظيف، علماً بأنه يجب أن يكون سياسة تتبناها الدولة قبل دخول المواطن للجامعة، أي بربط التعليم بسوق العمل.

تحقيق: خالد اللوباني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات