المسكن الملائم والمستشفى أو العيادة الطبية المتكاملة والمدارس وتوفير مياه الشرب وشبكة الطرق المناسبة، كلها من ضرورات الحياة الآمنة والمطمئنة التي يحتاج إليها المواطنون في المناطق الجبلية أو البعيدة عن المدن والتي يُطلق عليها المناطق النائية ويقطنها أعداد كبيرة من المواطنين هم بحاجة ماسة وشديدة إلى هذه الخدمات.

«البيان» قامت بجولة في عدد من هذه المناطق في الإمارات المختلفة والتقت بأهالي هذه المناطق، فطالب البعض منهم بضرورة تشييد مساكن شعبية جديدة .

وبديلة عن التي يقطنونها بعد زيادة عدد الأبناء المتزوجين المقيمين مع آبائهم في هذه المساكن المتهالكة والمقامة منذ فترة زمنية بعيدة، كما طالب آخرون بتوفير مياه الري لإنقاذ نخيلهم وبساتينهم المحترقة من شدة العطش، إضافة إلى توفير المرافق الصحية والشوارع المعبّدة وإنارتها.

الرحيل طلبا للعيش والمرعى قبل عهود مضت كان أمراً مقبولاً ومطلوباً وهو ما كان عليه حال أجدادنا للحفاظ على حياتهم ، أما أن يقوم 70% من أهالي منطقة «نصلة» و7 أسر من منطقة «رافاق» بهجران ديارهم.

وبساتينهم والرحيل إلى إمارة أبوظبي سعيا لتحقيق أبسط حقوقهم في ظل القرن 21 فهو أمر يثير تساؤلات عدة ! ويدل على تجاهل كبير من قبل الذين تقع على عاتقهم تلبية حاجات الناس.

في «نصلة» هجرت أكثر من 13 أسرة خلال السنوات الثلاث الماضية منازلها التي لم تعد تقو على إيوائها وفارقت بساتينها التي عجزت عن سد حاجاتها بعد احتراقها بسبب العطش ولم يبق منهم سوى 5 أسر في انتظار موعد الرحيل.

وهذا ليس حال أهالي «نصلة» فحسب بل طال الأمر أهالي «رافاق» حيث هاجر 7 من أهالي المنطقة إلى إمارة أبوظبي بعد انهيار منازلهم باحثين عن مأوى جديد وحياة كريمة ، وما زال المتبقون منهم ينتظرون مد يد العون من قبل الوزارات التي كثيرا ما تتابعت دون تغيير شيء في واقعهم .

«البيان» زارت المنطقتين واستمعت إلى شكاوى الناس فيها، قال سالم خلفان من سكان «نصلة» الذي غادرت نصف أسرته المنطقة وفضل البقاء لخدمة والده الذي رفض الهجرة، إنه قبل سنوات عدة كان عدد السكان يبلغ 200 نسمة.

ولكن بعد هجرة 13 أسرة منها بعد أن يئسوا من مطالبة الوزارات بتوفير السكن الملائم والماء ومتطلبات الحياة الأساسية الأخرى لم يعد فيها سوى 5 اسر تضم نحو 70 نسمة تقريباً.

وأضاف سالم أن عدد منازل المنطقة 24 بنى منها المغفور له ـ بإذن الله ـ الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله 18 وقام الشيخ صقر بن محمد ببناء 6 بيوت وللأسف أن معظمها أصبح تالفا لا يصلح للسكن ما دفع أهلها للهجرة منها.

وان خلو المنطقة من السكان يشعر بموتها وفنائها فلا ترى أولادا يلعبون أو مجالس عامرة بأهلها ولا يسمع فيها المرء سوى حفيف الأشجار اليابسة وصفير الهواء في المنازل الفارغة.

* 5 منازل جديدة منذ 25 سنة

وقال خلفان محمد الدهماني من «رافاق» موظف متقاعد من سكان منطقة «رافاق» إن وزارة الأشغال العامة قامت ببناء 5 منازل عام 1999 وقبل ذلك التاريخ بسنوات طويلة وبعده إلى الآن لم تقم الوزارة بتقديم أي خدمة لأهالي المنطقة سوى إيصال ماء التحلية ويستحقون الشكر عليه.

وأضاف أن المنازل الموجودة في «رافاق» حاليا يبلغ عددها 50 منزلا منها 45 منزلاً بناها عام 1982 الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وقد أصابها التلف وتساقطت أجزاء منها ولم تعد تصلح للسكن وما زال عدد كبير من الناس يسكنوها وحياتهم مهددة بالخطر حيث لا يملكون المال لترميمها وهي أصلا لا تصلح للترميم .

وأشار إلى أن بعض الأسر قامت بتوسعة منازلها وأضافت إليها غرفاً من «الاسبستوس» للتمكن من إيواء أفراد الأسرة التي تضاعف عددها.

وقال عبيد محمد الدهماني 65 عاماً إنه لم يتغير شيء في منطقة «رافاق» منذ وعيه على الدنيا سوى وصول التيار الكهربائي إليها عام 1983 وترافق ذلك مع قيام الشيخ راشد رحمه الله ببناء الشعبية لأهالي المنطقة بعد أن كانوا يسكنون السعف.

* 35 سنة بانتظار الطريق

وطالب عبيد باستكمال سفلتة الطريق الذي انتظروه 35 سنة وهو المؤدي من «نصلة» إلى «أوحلة» للتمكن من الوصول إلى منطقة كلباء وبعدها إلى إمارة الفجيرة والذي لا يزيد طوله على 15 كيلو مترا غير أنه يوفر على سكان «الحويلات» و«فشغة» و«رافاق» و«نصلة» مسافة 100 كيلو متر للوصول إلى إمارة رأس الخيمة بدلا من اتباع طريق «المنيعي».

وأضاف أن الطريق الواصل بين مناطق الحويلات وفشغة ورافاق ونصلة وأوحلة وكلباء هو الطريق الرئيسي والوحيد الذي كان يسلكه المسافرون من الإمارات إلى سلطنة عمان منذ 60 عاما ، ويذكره كبار السن في جميع إمارات الدولة ويسمى طريق «وادي القور».

وأكد عبيد أن أهالي المنطقة طالبوا مرارا وتكرارا بمطالبة بلدية رأس الخيمة ببناء شعبية جديدة بديلة عن التالفة غير أن طلبهم كان يلاقي الرفض مع تأكيد تقاريرهم التي كانت تعدها اللجان المرسلة من البلدية على أن المنازل الحالية غير صالحة للسكن.

وأوضح أنه بعد تكرار المطالبة قدموا لنا اقتراحا مفاده أن تقوم البلدية بترميم المنازل وإصلاحها على أن يتحمل السكان نصف التكلفة والنصف الآخر تتحمله بلدية رأس الخيمة ولم نوافق على اقتراحهم بسبب تهالك المنازل وعدم صلاحيتها للترميم.

* المدرسة والمنازل على الورق منذ 6 سنوات

وأكد أحمد محمد علي الدهماني من «رافاق» الذي يسكن مع أفراد أسرته الثمانية عشر في غرفتين وصالة قيام بلدية الشارقة قبل 6 سنوات بمسح منطقة خصصتها لبناء 60 مسكنا شعبيا غير أن المساكن لا تزال حتى يومنا على الورق.

كما قامت وزارة التربية بمسح منطقة تم تخصيصها لبناء مدرسة ثانية تستوعب الأعداد المتزايدة من الطلبة قبل 6 سنوات وحتى هذه الساعة ما زالت المدرسة كذلك «خطة على الورق».

وقال إن مشكلات المنطقة كثيرة تبدأ بالمنازل والشوارع والعيادة وتنتهي بالمدارس ومياه الري فشوارع (فاراق) الداخلية أطوالها لا تتجاوز كيلو ونصف الكيلومتر ومع ذلك فهي غير مسفلتة ، أما المدرسة الوحيدة الموجودة فمساحتها كبيرة غير أن فصولها قليلة .

ولم يتم استكمال الفصول الابتدائية فيها حيث وفرت لأبنائنا طلاب الصف الأول والثاني والثالث الابتدائي فصولا للدراسة وما فوق هذه الفصول يرحلون يوميا لمنطقة «المنيعي» التي تبعد 30 كيلو مترا لطلب العلم.

* موت 7 آلاف نخلة

أما عبد الله حمد زعيل من سكان «نصلة» فأشار إلى أن انعدام الماء أدى إلى موت 7 آلاف نخلة وأكثر من 200 شجرة جوافة وإلى اختفاء شواهد القبور التي اندست في التراب حيث لم يعد يعرف المرء من دفن فيها وطالب بتسويرها كي لا تنتهك حرمتها من الغرباء أو عابري الطريق الذين لا يعرفون بوجودها.

* 4 مسنين فقدوا البصر

وقال سالم علي سليمان ناصر 60 عاما من «رافاق» ويعاني من فقدان بصره بسبب الإهمال الطبي وغير متزوج ان حاجة المنطقة للعيادة باتت ملحة وضرورية وخاصة للمرضى الذين يعانون مشقة السفر لأقرب عيادة للمنطقة والتي تبعد مسافة 35 كيلو متراً، كما أن وجود العديد من كبار السن ومن النسوة المقعدات و3 مسنين آخرين فاقدين للبصر يحتم وجود عيادة خاصة للمنطقة.

* 50 درهماً لوصول العيادة

وأكد سالم الذي يعيش حياته وحيدا أنه كثيرا ما يحتاج الذهاب للعيادة غير أن عدم وجود المال يمنعه من ذلك حيث يتطلب السفر لمنطقة «المنيعي» خمسين درهما بسيارة الأجرة «البيكاب».

ووجه سالم شكره للشؤون الاجتماعية على صرف 2800 درهم راتبا شهريا يعينه على قسوة الحياة، وطالب المعنيين بترميم منزله المتهالك الذي لن يصمد عشرة دقائق في وجه نسمة هواء ، والذي يسبح في الماء في حال هطول الأمطار .

وبإعفائه من فواتير الكهرباء. وقال (خميس بن سعد المقبالي 90 عاما ضرير وعاجز) من «رافاق» انه يسكن مع أولاده الخمسة في منزل متهالك جدرانه مشققة ويهددهم بالسقوط عليهم في أي لحظة. وطالب المقبالي بتوفير عيادة طبية لأهالي المنطقة تخدم كلاً من منطقة الحويلات وفشغة ورافاق ونصلة ووحلة.

*محول الكهرباء

أما ناصر خلفان الدهماني من «رافاق» فأشار إلى إهمال مؤسسة الكهرباء بتركها محول كهرباء منطقة «رافاق» مكشوفا للماء والهواء والرطوبة والشمس دون الأخذ بعين الاعتبار الخطر المحدق بالأطفال الذين يلعبون بالقرب منه معرضين بذلك للخطر.

وأشار إلى أنه كثيرا ما رأى حيوانات محترقة بجانب المحول وأضاف أن الخطر يزداد في حال هطول الأمطار التي قد تحدث تماسا يؤدي إلى حرائق غير متوقعة وأشار سعيد خلفان الدهماني إلى تلف وموت أشجار النخيل بسبب غور المياه.

وطالب المعنيين بإتمام مشروع حفر البئرين اللذين لم يستكملا لأسباب مجهولة . وأضاف شرعت حكومة رأس الخيمة قبل سنتين بحفر بئرين لبساتين المنطقة بعد حريق التهم 400 شجرة من نخيلها وبعد انتهاء حفرهما توقف العمل بهما .

* لن نرحل

وقال حميد خميس من «رافاق» انه وأسرته في كل فترة يصبحون على تساقط جزء من سقف المنزل وما زالوا يسكنونه بسبب عدم امتلاكهم منزلا غيره.

ورفض حميد فكرة هجران المنطقة والرحيل لأخرى لأنهم لا يعرفون غيرها ففيها ولدوا وترعرعوا وعشقوا ترابها ونقاوة جوها. وطالب حميد بتحرك الوزارات والمسؤولين لإسعاف أهالي منطقتي «رافاق» و«نصلة» المتعبتين من طول تجاهلهما و نسيانهما.

وأشار مصبح ربيع فرحان من «رافاق» والذي يعيش على مساعدة الشؤون إلى أنه دفع 12 ألف درهم لإصلاح بيته قبل سنتين وما زال المنزل بحاجة إلى ترميم بسبب قدمه وأوضح أن منازل جميع السكان أصبحت قديمة ولا تصلح للسكن وتشكل خطرا على الناس، وتمنى على الجهات المسؤولة السعي بصدق للتفريج عن أهلها ومنحهم أبسط حقوقهم .

استطلاع: محمد زاهر