تزايدت الدعوات في العالم الإسلامي إلى تجنّب أعمال العنف خلال تظاهرات الاحتجاج ضد الكاريكاتيرات المسيئة للرسول «صلى الله عليه وسلم»، في وقت بدا أنها تمتد إلى داخل القارة الأوروبية: في ماستريخت الهولندية، والعاصمة المقدونية سكوبي، فيما كانت أشد التظاهرات في العالم الإسلامي تلك التي خرجت في العاصمة المصرية القاهرة، والتي سقط خلالها مصابان بعد اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، وكذلك العاصمة الإيرانية طهران، في وقت بدأت الدول الأوروبية مساعي لتطويق الأزمة ستشكل اليوم بلقاء في جزيرة صقلية يجمع وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي وست دول عربية.

وفي إطار مساعي التهدئة، جددت صحيفة «مجازينت» النرويجية اعتذارها للمسلمين، وأغلقت شركة إنترنت سويدية موقعاً لحزب يميني متطرف يعرض الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة بعد ضغط من قوات الأمن ووزارة الداخلية. وعلى صعيد ردود الفعل الإسلامية، حرق مئات الشبان المسلمين العلم الدنماركي في مدينة ماستريخت جنوبي هولندا في أول احتجاج من نوعه في هولندا.

وفي العاصمة المقدونية خرج آلاف المسلمين احتجاجاً ضد الرسوم وفي القاهرة تظاهر آلاف المصلين في الجامع الأزهر أمس بعد أدائهم صلاة الجمعة مطالبين باستمرار مقاطعة البضائع الدنماركية والنرويجية والفرنسية، وتوسيع تلك المقاطعة لتشمل قطع جميع أشكال العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الدول التي نشرت وتلك التي أعادت نشر الرسوم. كما طالب المتظاهرون، الذين اصطدموا بقوات الأمن التي استخدمت مدافع المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريقهم، بسحب سفراء الدول العربية والإسلامية المعتمدين لدى الدول التي أساءت للرسول الكريم.

وفي عمان شارك نحو ألفي أردني في مسيرة نظمتها الحركة الإسلامية، بعد الحصول على ترخيص من السلطات. وانطلقت بعد صلاة الجمعة من أمام مسجد الملك عبد الله المؤسس في منطقة العبدلي إلى المفوضية الأوروبية في عمان، وسط حضور امني مكثف. وردد المشاركون هتافات طالبوا فيها الحكومة بطرد السفيرين الدنماركي والنرويجي.

وكانت قوات الأمن انتشرت بكثافة في المنطقة منذ الصباح، خصوصا وان هذه المنطقة تضم مصالح تجارية ودبلوماسية للدول الأوروبية، كما حلقت طائرات عامودية تابعة للأمن العام، خشية تعرضها لاعتداءات في ضوء تصاعد مشاعر الغضب إزاء نشر الرسوم، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث وتفرق المشاركون بهدوء.

وخرجت تظاهرات مماثلة في المغرب، وفي كولومبو عاصمة سريلانكا تظاهر أكثر من ألف مسلم يمثلون نحو 15 منظمة بعد انتهاء صلاة الجمعة ودعوا الحكومة إلى إدانة الرسوم المسيئة. وفي مانيلا تظاهر نحو 200 مسلم تجمعوا بعد صلاة الجمعة أمام مسجد في حي كيابو وهم يطلقون صيحات التكبير، ثم احرقوا أعلاماً للدنمارك. في هذه الأثناء صبغت خطب الجمعة أمس دعوات متزايدة لتجنب العنف خلال تظاهرات الاحتجاج.

وأدان الشيخ القرضاوي الذي يرأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في خطبة الجمعة في الدوحة أعمال العنف التي استهدفت السفارات الأجنبية. وقال «عندما دعونا أن يكون يوم الجمعة الماضي يوما للغضب، أردنا أن يكون هذا الغضب عاقلا وحكيما (..) إنني أنكرت التجاوزات والتعدي للحدود في بعض البلاد حيث أحرقت بعض السفارات والقنصليات والممتلكات الخاصة». من جانبه دعا مسؤول الحوار بين الأديان في الأزهر علي السمان إلى تجاوز ردود الفعل «الانفعالية» والعودة إلى «حوار هادئ» بين الغرب والعالم الإسلامي.

أضاف السمان وهو مستشار لشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي حان الوقت الآن للإجابة على سؤال: ما العمل. ويجيب الحل هو النقاش والحوار الهادئ بعيدا عن الانفعالات. واعتبر أن الأزمة التي تسبب فيها نشر الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية فرصة للحديث الصريح والدعوة إلى الحوار. ورداً على سؤال حول التظاهرات العنيفة التي جرت في سوريا ولبنان وإيران، قال السمان «من غير المستبعد أن تكون بعض الدول استغلت هذه الأحداث لأسباب داخلية».

وفي طهران دعا رجل الدين البارز آيه الله احمد خاتمي في تصريحات بثتها الإذاعة الحكومية مباشرة، المتظاهرين الغاضبين إلى التوقف عن مهاجمة السفارات الأجنبية. وقال: «ادعوا كل الرجال المتدينين لعدم مهاجمة السفارات الأجنبية». وأضاف «ترديد الشعارات وتنظيم التظاهرات والتنديد بمثل هذه الإجراءات (شيء) مقدس... لكنني اشعر أنهم يريدون أن يتم إشعال النار في سفاراتهم حتى يمكن أن يقولوا إنهم أبرياء.. لنسلبهم هذا العذر».

وبينما أجرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي جورج بوش تناول تداعيات نشر الرسوم المسيئة. وقال أولريش فيلهلم الناطق باسم الحكومة الألمانية إن موضوع المحادثة بين بوش وميركل كان الجدل الدائر حول الرسوم. ويلتقي وزراء دفاع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي في صقلية نظرائهم من ست دول عربية في أول مباحثات دولية من هذا النوع منذ اندلاع الأزمة الناجمة عن الرسوم المسيئة. وقال وزير الدفاع الألماني فرانز جوزف يونغ لصحافيين إن «فحوى الرسالة التي نريد إيصالها هو وقف التصعيد»، مضيفاً أنه «يجب أن نبرهن بوضوح كم أن الحوار بين الثقافات أمر مهم».

ويندرج اللقاء ضمن إطار «الحوار المتوسطي» لحلف شمال الأطلسي وهو برنامج تعاون أقر قبل عشر سنوات لكنه لم يتجسد بعد. والدول المشاركة هي: المغرب والجزائر وتونس ومصر وموريتانيا والأردن، كما ستكون إسرائيل حاضرة. ومن جهته، قال الأمين العام لحلف الأطلسي ياب دي هوب شيفر «يجب أن نعمل من اجل تحسين مفهوم الحلف في المنطقة». ويسعى الحلف الذي يضاعف من عمليات الشراكة في جميع أرجاء العالم إلى إقامة علاقات تعاون واسع مع العالمين العربي والإسلامي.

عواصم ـ «البيان» والوكالات: