قديما قالوا إن الجدران ألواح المجانين، أما اليوم فهي متنفس الشباب الراغب في التعبير عن مكنونات نفسه والتعبير عن ذاته وخواطره الدفينة من خلال عبارات ساذجة ورسومات بذيئة تخدش الحياء العام وتثير مشاعر الاستياء لدى الناس، وعلى الرغم من أن هناك عوامل عدة تقف وراء الظاهرة إلا أن الحلول لها لا تزال قاصرة ودون مستوى الطموح.

وقال اختصاصيون نفسيون واجتماعيون إن إقدام الطلبة المراهقين للكتابة على الجدران ما هو إلا سلوك فردي ناجم عن (الكبت) الأسري والاجتماعي لعدم وجود مساحة من الحرية للتعبير عما يجول في خواطرهم ليفجر البعض ما في داخلهم من طاقات عبر كتابات تتراوح بين القدح والذم والعشق والهيام وصولا إلى عبارات تخدش الحياء العام.

وأوضح الاختصاصيون أن أعلى نسبة من العبارات التي يكتبها الشبان على الجدران (رياضية) تليها الذكريات ثم أسماء المطربين ومقاطع لبعض الأغاني ثم عبارات السب والقذف بغرض التشهير والانتقام.

و يرى عاطف محمود موجه التربية الإسلامية في منطقة عجمان التعليمية ان ظاهرة الكتابة على المرافق العامة والممتلكات الخاصة ظاهرة اجتماعية منتشرة في أماكن عدة ويمكن ملاحظتها في دورات المياه والجدران العامة والمقاعد. وغيرها وتتراوح الشعارات والكتابات في موضوعاتها من السياسية إلى العبارات التي تحمل بعدا تعصبيا لفريق رياضي معين أو ناد أو مطرب وصولا إلى الرسومات والعبارات التي تتسم بالبذاءة والبعد عن الأخلاق.

ويرى موجه التربية الإسلامية أن أسباب الكتابة على الجدران تعود إلى عدة دوافع رئيسية غريزية ورغبات مكبوتة وأحيانا تكون الدوافع غير محددة الاتجاه مثل السب والشتم والانتقام من المدرسين والطلاب. وهناك دوافع أخرى أهمها التربية حيث تعتبر التربية ركناً أساسياً في تهيئة الطالب لحياة جوهرها الأخلاق الكريمة المستمدة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، فإذا كانت التربية سيئة، فالحتمي أن يكون احترام الطالب للآخرين والأنظمة والسلوك سيئاً أيضا.

مشيرا إلى أن غياب القدوة في المنزل وسلوكيات بعض أولياء الأمور وعدم المبالاة لأمور أولادهم سواء داخل البيت أو خارجه يدفع بعض الأبناء إلى ارتكاب هذه السلوكيات لأنهم يدركون أن لا احد يحاسبهم ولا رقيب عليهم.

رغبات مكبوتة

وذكر عاطف محمود أن مدارس الثانوية هي الأكثر اصطداما مع الظاهرة حيث يجد المدرسون والمعلمون بعض عبارات الشتم والسب من قبل طلبة مجهولين في محاولة لتفريغ شحنات الكره والغضب اتجاههم وهو ما لا يمكن أن يقولونه علانية خوفا من العاقبة، مشيرا إلى أن العبارات والرسومات التي تكتب في دورات المياه مخجلة.

وتنم عن تداخل عدة عوامل في إيصال الطالب لهذا الوضع منها الانفتاح العالي الذي تشهده الدول خاصة مع ازدياد وسائل الاتصال المتطورة كالانترنت والفضائيات التي تتيح للطالب رؤية ما لا يجب أن يراه دون وجود جهات رقابية.

ولعلاج هذه الظاهرة أكد موجه التربية الإسلامية الحاجة الماسة إلى تضافر الجهود بين المدرسة والمنزل للحد من تداعيات المشكلة وذلك عبر توجيه الطلبة إلى المشاركة في الأنشطة اللاصفية والانتساب إلى المراكز والأندية بغرض قضاء أوقات الفراغ بما يعود على الطالب وعلى مجتمعه بالمنفعة. إضافة إلى أن تفريغ الطاقة الموجودة داخل نفوس الناشئة وتوجيهها نحو الخير إضافة إلى حملات التوعية التي تبين للطلبة الأضرار الناجمة عن الكتابة على الجدران.

ولخص احمد عرابي موجه لغة عربية أسباب إقدام الطلبة للكتابة على الجدران على أنها محاولات للتعبير عن أزمة داخلية بسبب الشعور بالكره إزاء طالب أو مدرس أو طريقة للتعبير عن مشاعر القلق والاكتئاب والضغوط النفسية التي يتعرض لها الطالب إضافة إلى محاولة البعض لفت الانتباه إليهم وتوجيه الأنظار لهم.

واعتبر تقليد ومحاكاة الآخرين وقصور التربية في المنزل مؤثرات أخرى تساهم في تعزيز الظاهرة مشيرا إلى أن هناك حاجة إلى تعليم الطالب مخاطر القيام بذلك وانه يهدر ممتلكات الدولة العامة وان ذلك ينم عن قلة الوعي والإحساس بالمسؤولية الوطنية وقلة الوازع الديني. وقال موجه اللغة العربية إن على إدارات المدارس والمعلمين خاصة محاربة هذه الظاهرة والعمل بشكل جاد على توعية الناشئة بخطرها وعظيم أضرارها وتكثيف الحملات الإعلامية والإرشادية لزيادة الوعي بين الطلبة وتثقيفهم.

ولفت إلى أن أحد الحلول الناجحة تكمن في خلق ما يعرف بالرقابة الداخلية إذ أن اللائحة التنظيمية تأتي من وزارة التربية والتعليم وهذه اللائحة السلوكية كلها عقوبات. وبالتالي فان أثرها على الطالب سلبيا ونحن هنا نقترح إنشاء مجلس للشورى يختاره الطلبة ويقترحون أعضاءه، العقوبات التي يجب أن تسن بحق المخالفات التي يرتكبها الطلبة، ويكون الأعضاء هم المشرفون على سلوكيات زملائهم وتنفيذ العقوبة بحق المقصرين.

وبهذه الطريق نوجد نوعا من الرقابة الذاتية والضبط الداخلي من الطالب نفسه، مشددا أيضا على وجوب أحكام رقابة الأهل وتفعيل دور مشرفي المدرسة بدلا من الأدوار الشكلية التي يقومون بها.

جدران للحرية

وأوضح عبد الرحمن المرزوقي الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة معاذ بن جبل الثانوية في الشارقة أن أقوى الدوافع للظاهرة هي توصيل رسالة للآخرين عبر الجدران منها ما قد يكون تأكيدا للذات أمام الأقران ومنها ما ينم عن مشاعر غضب وحقد أو حب وهذا ما تعكسه العبارات التي تكتب. أو ترسم في المرافق العامة والتي تكتب عادة من الأشخاص الذين لا يملكون القدرة على التعبير الحر وإخراج ما في داخل صدورهم علانية.

واقترح للقضاء على هذه الظاهرة غير الحضارية تحسين العلاقات التي تربط الطلبة بمدرسيهم وإدارات مدارسهم ليصبح الطالب قادرا على قول ما يريد دون حرج أو خوف إضافة إلى تطوير البيئة التعليمية وزيادة الأنشطة اللاصفية التي تسهم في تفريغ الطاقات الكامنة والشحنات السلبية التي في داخلهم.

مشددا على ضرورة تعزيز الاتجاهات الايجابية وتكوين وتعزيز الصداقات النافعة وعدم المبالغة في تقدير السلبيات الناتجة عن سلوك الكتابة على الجدران تحسبا لردة الفعل المتوقعة ودعم دور المنزل في الجانب الوقائي.

وأشار المرزوقي إلى أن الظاهرة لا تقتصر على منطقة دون غيرها بل هي ظاهرة عالمية تعاني منها كل المجتمعات، وبالتالي فان أهم الحلول المقترحة للتخفيف منها ان القضاء عليها مسألة في غاية الصعوبة تكمن في سن تشريعات وقوانين صارمة تصل عقوبتها الى فرض غرامات مالية حسب نوع الدمار الذي يلحق بالمرافق.

واعتبرت سهير هاشم مشرفة الأنشطة في مدرسة الزهور الخاصة في الشارقة أن ظاهرة الكتابة على الجدران تظهر جلية بين الذكور أكثر من الإناث، مشيرة إلى أن الكتابة تقتصر عند الطالبات على الكتب ومقاعد الفصل ولا تتعدى العبارات التهكمية. أو المسلية وتقل أو تنعدم الألفاظ البذيئة، مشيرة إلى أن الظاهرة تعد سلوكا فرديا يلجأ إليه المراهق فيقوم بتسطير العبارات التي قد تخرج عن حد الحياء العام على جدران المنازل فيكتب ما يريده دون أن يردعه احد.

معتبرا الجدار المتنفس الوحيد للقيام بالتصرفات والممارسات الممنوعة عليهم، عاملين بمبدأ كل ممنوع مرغوب، خاصة ان الجدران تعتبر الوسيلة الأسهل والأرخص لإيصال ما يريدونه عبر الحفر على الجدران. أشارت إلى أن الحلول كثيرة لتعديل هذا السلوك ولكن يجب أن تتكاتف الجهود بين الأطراف المعنية بالمشكلة كي نصل إلى حلول ناجعة شافية، فعلى الأسرة أن تعود أبنائها على عدم المساس بممتلكات الغير واحترام قيم المجتمع الذي يعيشون فيه والمحافظة على الشكل العام لبلدهم وعدم تشويهه لان من يقوم بعكس ذلك فانه لا يمتلك حس المسؤولية الوطني.

وقالت نور حمدان معلمة لغة عربية إن الكتابة على الجدران أمر اعتدنا عليه وبات جزءاً من الهموم الميدانية الكثيرة ولعل أهم أسبابها ضعف الوازع الديني وابتعاد الناشئة عن إتباع تعاليم دينهم الحنيف الذي نهى عن إلحاق الأذى ودعا إلى التحلي بالأخلاق الحميدة.

ومن وجهة النظر النفسية يرى حسام فياض الاختصاصي النفسي في منطقة عجمان التعليمية أن ما يدفع الطالب للكتابة على الجدران هي الانفعالات النفسية التي تصيبه لاسيما في فترة المراهقة، حيث يتعرض الطالب إلى تغيرات فسيولوجية وجسدية تؤدي به إلى الاختلال وسرعة الانفعال والرغبة في الاستئثار بانتباه الآخرين حتى ولو كان من خلال ممارسات خاطئة.

وقال إن الملاحظ ان هذه الظاهرة ليست خاصة بمجتمع الإمارات ولكنها عالمية، حيث توجد في كل المجتمعات وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشباب في مرحلة المراهقة وتتنوع أسبابها فمن الضعف الديني إلى سوء التنشئة الاجتماعية مرورا بالرغبة في التمرد على السلطة وانتهاء برغبة المراهقين في انتزاع حقهم بالتعبير بحرية وعدم تكميم أفواههم بقول ما يريدونه.

وارتأى الاختصاصي النفسي أن العلاج يتمثل في تنمية الوازع الديني عند الطلبة التربية السليمة إضافة إلى الدور الكبير الذي تلعبه وسائل الإعلام في رفع نسبة الوعي لدى الناشئة مع التأكيد على ضرورة تفعيل دور الإذاعة المدرسية والنشاط الطلابي في معالجة مشكلات الطلبة النفسية والعمل الجاد لإيجاد محاضن تربوية وأنشطة متنوعة .

ورحلات مفيدة تهدف إلى استثمار وتوجيه طاقاتهم بما يعود عليهم بالنفع وإعطاء الحرية الكاملة لهم للتعبير، حيث خلصت غالبية الدراسات أن السبب الرئيسي في اتجاه الطلبة للكتابة على الجدران هو غياب حرية الكلمة.

ولهم كلمتهم

وقال الطالب عادل مراد من مدرسة الراشدية للتعليم الثانوي في عجمان ان إدارة المدرسة تقوم بعمل حملات توعية مكثفة للتقليل من الظاهرة باعتبار أن طلبة الثانوية يمارسونها بكثرة، حيث تسعى المدرسة إلى تأصيل النواحي الجمالية لدى الطلاب والتأكيد عليهم بأن نظافة الجدران في المدرسة. غيرها من المنشآت تعبر عن فهمهم ووعيهم بأهمية النظافة والجمال وجعلها جزءاً من حياتهم اليومية إضافة إلى غرسها لمفهوم التربية الوطنية والولاء للوطن عبر المحافظة على الممتلكات الخاصة والعامة.

وذكر الطالب حمد إبراهيم أن أكثر العبارات التي يكتبها الشاب على الجدران رياضية تعبر عن إعجابهم بناد معين كعبارات «عيناوي وبس، الوحدة زعيم الدوري» وغيرها، تليها عبارات السب أو الشتم في حق شخص ما بغرض الانتقام أو التشهير، وأكد الطالب أن الإقدام على مثل هذا السلوك ما هو إلا وسيلة غير حضارية تنم عن سوء أخلاق مرتكبها ورغبته غير السوية في جرح وخدش مشاعر الآخرين عبر كتابة عبارات لا أخلاقية.

استطلاع ـ نورا الأمير: