شعبية «شمل» واحدة من المناطق السكنية المهمة في إمارة رأس الخيمة، بيد أن همومها العديدة ومتابع سكانها المزعجة تحرمها من العيش بهدوء. في الماضي غير البعيد جداً كانت «شمل» التي تمثل الشعبية جزءاً منها إحدى المناطق الزراعية المهمة في منطقة الخليج بأسرها واكتسبت تلك الأهمية من أراضيها الخصبة ومياهها العذبة ونتيجة لذلك ساهمت «شمل» في النهضة الزراعية الواسعة بالدولة ماضياً وحاضراً.

ووفقاً لأهالي منطقة «شمل» أنفسهم فإن المزارع المنتشرة في كل أرجاء منطقتهم كانت تزود الأسواق بالمحاصيل والخضراوات والفاكهة وأعلاف الحيوانات. ويقول هؤلاء: كان إنتاج مزارع شمل يصل إلى جميع الأسواق في المنطقة الخليجية. كما كان السكان يلجأون إلى شمل للحصول على الماء العذب الصالح للشرب. لكن تلك الصورة الوردية الجميلة لمنطقة شمل اختفت تماماً الآن وحلت مكانها العديد من المشكلات والمتاعب التي تثير الانزعاج وفي مقدمتها الجفاف الذي تسبب في دمار المزارع.

الأراضي الزراعية مناطق سكنية

يقول راشد محمد سالم الرقروق: بسبب شح الأمطار افتقدت الأرض المياه الحلوة التي تغذيها وبالتالي تحولت المياه الجوفية إلى مالحة تضر بالزراعة. ويضيف: خلال السنوات الأخيرة ونتيجة لسوء استخدام مياه الري وهيمنة الملوحة على الأراضي هجر العديد من أهالي شمل ضواحيهم واتجهوا لأعمال أخرى بل إن بعضهم فضل تحويل أرضه الزراعية إلى سكنية أو تجارية.

ومن وجهة نظر الرقروق فإن من الأهمية بمكان إيجاد حل عاجل لمشكلة مياه الري وإلا خسرت الدولة الأراضي الزراعية الخصبة لافتاً إلى أن الحل الأمثل للمشكلة يتمثل في إنشاء وحدات تحلية مياه لري المزارع. علي سيف سالم الذي التقيناه عند باب مسكنه في شعبية «شمل» يؤكد أن هموم منطقته عديدة وشائكة ولا يمكن حصرها في عجالة.

ويقول: من وجهة نظري فإن أبرز تلك الهموم هو ذلك الكم الهائل من بيوت الصفيح العشوائية المنتشرة على مساحة واسعة مما يقلق راحة المواطنين أهالي شمل. وبيوت الصفيح التي يتحدث عنها علي سيف هي تلك البيوت التي بناها الـ «بدون» ليقيموا فيها حيث كونوا أسراً ويمارسون مختلف الأعمال في المجتمع وان كانت أوضاعهم لاتزال مجهولة لانهم لا يحملون وثائق ثبوتية.

مساكن الصفيح

ويؤكد أن وجود مساكن الصفيح إلى جوار الطريق الرئيسي يعيق حركة السير ويتسبب بوقوع الحوادث المروعة. وكغيره من الأهالي فإن علي سيف يطالب بتعديل أوضاع «هؤلاء» وفقاً لنظم وقوانين الدولة.

ويقول: على الأقل في الوقت الراهن يتعين على السلطات المعنية العمل عاجلاً على حل مشكلة اقامتهم ويكون من المناسب جدا ترحيلهم إلى مكان آخر تتوفر فيه كل أسباب الراحة لهم، فالموقع الحالي غير مناسب لتوفير الخدمات الضرورية للأسر، بل يمثل بيئة سيئة تؤذي الإنسان الذي يعيش فيها.

ويرى علي سيف انه إذا ما تقرر نقل هؤلاء إلى مكان آخر فإنه يجب ان يكون مخططا وتتوفر فيه كل الخدمات الضرورية التي تجعلهم يعيشون حياة آمنة ومستقرة. وفي الحقيقة فإن قضية بدون الصفيح ليست هي الوحيدة التي تثير انزعاج أهالي شعبية شمل بل أيضا يشتكون من ضعف الخدمات الصحية. وبحسب حسن علي سيف فإن أهالي منطقة شمل يعتمدون على مركز صحي محدود الإمكانات ويغلق أبوابه أيام العطلات.

ويقول حسن: إن الخدمات الصحية التي يوفرها المركز الصحي لأهالي شمل لا تتعدى الأمور العلاجية البسيطة. وأما بالنسبة للأمراض والمتاعب الصحية الأخرى فإن أصحابها يذهبون إلى مستشفى صقر الذي يبعد عن شمل بضعة كيلومترات حيث تتوفر الخدمات الأكثر تطوراً وخلال تلك الرحلة العلاجية يتكبد المرضى المشاق، مما يضاعف من أسقامهم ومعاناتهم، ويؤزم من علاجها. ويشدد حسن على وجوب الاهتمام بالخدمات الصحية في المناطق البعيدة عن المدن والتي يطلق عليها اسم النائية.

ويقول: على سبيل المثال فإنه عندما يتم تزويد مركز شمل بكل ما هو ضروري لتقديم خدمات عصرية متطورة مثل الأطباء والاختصاصيين وأجهزة الفحص الحديثة، فإن أهالي تلك المناطق البعيدة لن يواجهوا الظروف الصحية الحرجة، كما أنهم لن يحتاجوا لتكبّد مشاق السفر بحثاً عن العلاج في المستشفيات الكبيرة مثل مستشفى صقر وغيرها.

أما أحمد سالم سيف فشكواه لها صلة بالمساكن الشعبية، حيث يوضح أن المواطنين في شعبية شمل يسكنون في بيوت متصدعة ومتشققة، وآيلة للسقوط في أية لحظة.

ويقول أحمد وهو من شباب شعبية «شمل» : بالرغم من سوء البيوت الشعبية فإنها مكتظة بالأسر، لأن العديد من الشباب المتزوجين حين لم يتمكنوا من الحصول على بيوت خاصة بهم يلجأون للإقامة في بيت الوالد، الأمر الذي يؤدي لتزاحم أكثر من أسرتين لا يقل عدد أفرادهم عن العشرة أشخاص في البيت الشعبي المكون من غرفتين فقط، كما أنها محدودة الخدمات ومنذ بنائها قبل أكثر من عشرين عاماً لم تتوفر لها خدمات الصيانة.

المواطن حسن محمد حسن الشحي الذي تعذر عليه امتلاك مسكن خاص به، فضّل علاج مشكلة السكن باستئجار مسكن شعبي في شعبية شمل ليقيم فيه مع أسرته المكونة من سبعة أشخاص.

ويقول حسن: إن بيت الإيجار كان الحل الأمثل لمعاناة أسرتي، وإن كان إيجار المسكن مكلفاً وباهظاً خاصة وأن راتبي الشهري محدود، وحين أخصم منه قيمة الإيجار وهو ألف درهم فإن ما يتبقى منه لا يغطي كل الاحتياجات الأسرية.

وأكد الشحي أنه سعى حثيثاً لامتلاك بيت خاص واتبع كل الأساليب والطرق المشروعة التي تحقق له ذلك، موضحاً أنه قبل ثلاث سنوات تقدم إلى وزارة الأشغال وحصل على وعد بأن يكون اسمه ضمن الدفعات المستحقة في المستقبل القريب.

واستطرد الشحي بمرارة، لكن كل تلك الوعود ذهبت أدراج الرياح، فلم يجد سبيلاً آخر لحل مشكلة السكن سوى العيش مع أسرته في منزل بالإيجار. ويضيف: من المؤكد أن إقامة أي أسرة مواطنة في منزل بالإيجار ليست هي الشيء الطبيعي، ولذلك يتعين إيجاد حل لمشكلة السكن في كل المناطق النائية.

يستجير من الرمضاء بالنار

أما سليمان علي عبدالله بن عامر،فينظر إلى مشكلة السكن على أنها تهدد استقرار العديد من الأسر المواطنة، مشيراً في هذا الخصوص إلى أن الشباب أحجموا عن الزواج لأنهم لا يعرفون مساكن يلجأون إليها خاصة إذا كانت مساكن والديهم مكتظة بالأفراد، ولا تتسع للمزيد.

وكما هي حال الكثيرين فإن عامر يأمل في إيجاد حل مشكلة السكن للشباب لتمكينهم من بناء أسر مستقرة ولا يلجأ هؤلاء إلى الديون البنكية التي هي أشبه بمن يستجير من الرمضاء بالنار واللافت في قضية عبدالله بن على سبيت أنه حينما نفذ صبره على هموم مسكنه الشعبي هجره وذهب إلى مسكن آخر بناه من إمكاناته الخاصة.

وحتى يكون مقنعاً في كلامه معنا طلب منا اصطحابه إلى بيته الشعبي المهجور والذي وجدناه في حالة يرثى لها حيث السقف متهدم والجدران متصدعة. ويقول سبيت: عندما باءت كل محاولاتي بالفشل الذريع لإعادة مسكني الشعبي إلى وضعه الطبيعي فضلت تركه نهائياً والعيش في بيت آخر.

الأحوج لمشاريع الإسكان

ويشتكي راشد عبيد محمد وهو من جيل الشباب من عدم استطاعته الزواج في الوقت الراهن لأنه غير قادر على توفير سكن للزوجة ويقول راشد: نظراً لأن الزواج من ضروريات الحياة الملحة بدأت في بناء بيت ولكن لسوء الأحوال المالية تعذر علي الاستمرار في تنفيذ المشروع.

ويطالب راشد بإعطاء الأولوية في مشاريع الإسكان لأبناء المناطق النائية لكونهم الأحوج إلى ذلك، حيث إن إمكاناتهم المادية لا تسمح لهم بإنشاء بيوت اعتماداً على أنفسهم.

مسجد بلا ماء

وعندما يتجول المرء في شعبية «شمل» الواقعة وسط الحقول الزراعية فإنه يدرك أمراً مهماً يتمثل في نقص الاهتمام الخدمي المطلوب، ومثال على ذلك الطرق الداخلية غير مرصوفة، وضعف حملات النظافة، كما أن مسجد الشعبية الذي يعتبر من أملاك وزارة المالية يعاني من المشكلات الإنشائية ولا تتوفر فيه خدمات المياه.

وبحسب محمد راشد الشميلي فإن المسجد الذي بني قبل أكثر من 15 عاماً بات يعاني من التشقق والتصدع والهدم بسبب عدم قيام الوزارة بصيانته. ويقول الشميلي: في الفترة الأخيرة تقرر وقف خدمات المغسلة والحمامات خوفاً على حياة المصلين من انهيار السقف عليهم.

أما علي سعيد محمد الدود فيقترح بناء مسجد جديد كحل جذري لمشكلة مسجد شعبية شمل ويقول: بالنسبة لأهالي منطقة شمل والمناطق المجاورة لها فان المسجد الحالي مهم جداً ويعتبر الوحيد الذي تقام فيه صلاة الجمعة وانطلاقاً من هذه الأهمية الدينية فان من الواجب هدم المسجد الحالي وبناء مسجد جديد يتسع لعدد كبير من المصلين.

تحقيق:ـ سليمان الماحي