شياطين الإنس والجن، تلبس إبليس، إخراج الجان، وعلاج القرآن، السحر الأسود، قاهر العفاريت، علاج مس الجان والسحر، أحكام الجان، هذه بضعة عناوين من الممكن أن تواجهها في أي مكان وهذا يدل على انتشارها بين المواطنين بدرجه جعلت القائمين على دور النشر يتفننون في إصدارها والبحث عن الجديد فيها وهذا إن دل فإنما يدل على الإقبال الغير العادي على نوعية هذه الكتب مما يعطي انطباعا عن طرق التفكير التي سادت في هذه المجتمعات وتحكم الطريقة الغيبية فيها لذا فليس من عجب انتشار حالات النصب والدجل والشعوذة بكثرة.
ولقد أوضح المرحوم الشيخ الغزالي أن السبب الرئيسي في الإقبال على قراءة هذه النوعية من الكتب هو غياب تعاليم الدين الحنيف مما يعطي الفكر الرديء الفرصة للسيطرة على العقول الضعيفة وقد ساعد على هذا قصور المناهج التعليمية التي تدرس للتلاميذ في مراحلهم المختلفة وعدم احتوائها على ما يسد الفراغ الناتج عن عدم المعرفة لذا يصبح هؤلاء أكثر إقبالا على هذه الكتب إيمانًا منهم باحتوائها على إجابات شافية للأسئلة التي تدور في أذهانهم في تعليقه على هذه الظاهرة يقول المفكر الإسلامي د محمد عمارة عن أسباب تركيز بعض مؤلفي هذه الكتب على عنصر الترهيب بأن الإسلام يدعو إلى التبشير، وليس إلى التنفير، فمع الترهيب لابد ان يكون هناك ترغيب أما الذين يزيدون من جرعة الترهيب ، فحجتهم أن الطابع المادي للعصر الحالي يجذب الجماهير بعيداً عن الدين.
ولذلك فهم يريدون زيادة جرعة التهريب لمواجهة المادية اللا دينية المنتشرة هذه الأيام وعن سبيل القارئ إلى اختيار الكتاب الصحيح يقول د عمارة إن القراءة بصفة عامة، والقراءة الدينية بصفة خاصة تحتاج إلى معلم وأستاذ وشيخ ينصح بأي الكتب يبدأ الشخص في القراءة وكيف يتدرج من كتاب إلى آخر، وكيف يلم بمعارف تغطى ميادين متعددة من الحياة فالإنسان يكون ثمرة جيدة إذا كان الكتاب جيداً، وقد يكون ثمرة فاسدة إذا كان الكتاب سيئاً إن تهافت بعض الناشرين علي إنتاج مثل هذه النوعية من الكتب ليس بهدف تعميق الإيمان، ونشر تعاليم الإسلام، ولكن بهدف تحقيق الكسب المادي باعتبار أن هذه الكتب تلقى رواجاً كبيراً بين الناس.
ويوضح الناشر محمد كمال أن معظم الناشرين يعتمدون في عملهم على الموجة السائدة في السوق فإذا كان هناك موضوع مطروح على الساحة يتعلق بالفن أو الرياضة أو السياسة أو أي مجال آخر نجد تسابقاً من البعض على نشر الكتب التي تتناول هذه الموضوعات من أجل تحقيق مكسب سريع، بعد إضفاء نوع من الإثارة عليها للمساعدة في عملية ترويجها لذلك فمن الضروري إخضاع هذه الكتب للرقابة حتى لا يتعرض الناس للبلبلة الفكرية ولا شك أن هذه الرقابة ستحد من انتشار الكتب التي تتضمن معلومات غير دقيقة ويرى د محمد عبد السميع جاد أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر أن التحولات التي يمر بها المجتمع أصابته بما يسمى بالخلل الفكرى وهذا أدى إلى انتشار هذه الكتب التي تحمل عناوين الدجل والشعوذة، وديننا الحنيف يحترم العقل، ويؤمن بالأسباب، ولنا في قصة الصحابي الذي زاره الرسول في مرضه، فنصحه بالذهاب إلى الطبيب ليطببه ويداويه وبعدم اللجوء إلى الخرافات والأوهام وهذا يؤكد احترام الدين والرسول الكريم للعقل والطب وبعدم اللجوء إلى الخرافات والأوهام.
ويرى د عبد المعطي بيومي عميد كلية أصول الدين وأستاذ الفلسفة الإسلامية أن هذه الكتب المجهولة المصدر والتي تحتوي على الكثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة تشوه صورة الإسلام كما أن لغة التخاطب التي تحتوي على هذه الكتب لغة لم تستوعب الدين ولكن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها المجتمع المسلم هو ندرة العالم الإسلامي الآن ليس في مصر بل في العالم العربي فالعالم يجب أن يستوعب دينه ويتعمق في أحكامه ويستخرج ما فيه من رحابة أفق ومن رحمة وتيسير على الناس وأن يكون ملمًا بأمور الدنيا والمجتمع وبالواقع والعصر الذي يحتويه ويجب فهم هذا الواقع، لأن الذي يقوم بمهمة الدعوة ونشر الثقافة الدينية ليس فقط أن يكون حافظًا للقرآن الكريم أو عالمًا ببعض الأحاديث النبوية ولكن عليه معرفة مواثيق الإسلام ونصوصه بل يجب أن يكون عالمًا بأسباب نزول الآيات والناسخ والمنسوخ والتمييز بين الأحاديث السابق واللاحق منها والقوي والصحيح والحسن والضعيف وعليه المعرفة بدلالات الألفاظ وعارفًا كيف ينزل الحكم على الواقع العالمي وليس واقعه وعالمه الضيق المحدود.
ويرى د بيومي أن شعار «الدين في خدمة الأمة والناس» فإذا خدمت الأمة دينها فإن دينها يخدمها ويقدم لها الحياة الأفضل لكننا نرى أن بعض الشيوخ يريدون أن يكون الدين قيدًا وكوابح ويلجم كما يلجم الحصان باللجام فهم يريدون أن يلجموا الناس ويكون الدين بمثابة هذا اللجام على تصرفات الناس بحيث يأخذون «لا تفعل» عندهم أكثر من «افعل» وذكر العذاب والعقاب قبل الرحمة والغفران رغم أن الأصل في الأشياء «الإباحة» والأصل في الذمة البراءة ولذلك ما أحله الله فهو حلال وما سكت عنه فهو «عفو ورحمة» ولا تحريم إلا بنص.
فدائرة الحلال والعفو في الإسلام أوسع وأشمل من دائرة التحريم فالكثير لا يفهمون الآلية في الإسلام وآداب إلقاء التعاليم الدينية وسماحتها فهناك العديد من المعاهد الدينية الآن تخرج علماء دعوة يهتمون بأشياء وتغيب عنهم أصول وقواعد بدونها يخفق العالم في أداء رسالته وأمانته وهذه المعاهد يلتحق بها كل من يريد العمل في مجال الدعوة بصرف النظر عن مهنته وثقافته ومن بين هؤلاء تستخدم بعض الدوائر المشبوهة لتكون فرصة للدعاية ضد الإسلام بفتواهم وأفكارهم وآرائهم البعيدة عن صحيح الدين وسماحته فالإسلام أوسع وأرحم وأعدل وأشمل من كل ما حققه دعاة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان فعلى سبيل المثال يضرب د بيومي مثالاً عن المرأة فقد وجد الكثير من الدول الأوربية تتهم الإسلام بظلم المرأة وإهدار حقوقها والحقيقة أن الإسلام منح المرأة حقوقًا وكفل لها أشياء مازالت محرومة منها نساء أوروبا وصانها بصورة لم تتاح في الحضارة الغربية التي جعلت من المرأة «سلعة» في الدعاية الغربية وإهانتها بينما القرآن الكريم والإسلام صانا المرأة وكفلا لها الحقوق كحق التعليم والميراث والعمل والمشاركة السياسية والرأي فلم ينتقص الإسلام من شأن المرأة على الإطلاق أو ينتقص من حقوق الإنسان ولكن هناك بعض المجتمعات والأفراد تركوا سماحة هذا الدين واتجهوا أو انزلقوا إلى هوة ساحقة من الخرافات والخزعبلات فما ذنب الدين إذًا فهناك رجال يريدون حصر دور المرأة في محيط منزلها بل إن هناك بعض المجتمعات يشعر فيها الرجل بالعار إذا كان لديه بنتاً أو أكثر كما كان يحدث في الجاهلية ومن الرجال أيضًا ما ينظر إلى المرأة نظرة دونية رغم أن الله تعالى ساوى بين البشر جمعياً قال تعالى:
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم{ فقد خاطب سبحانه وتعالى المرأة والرجل بصيغة واحدة فعدم الفهم للشريعة وعدم فهم حقيقة دور المرأة هو عيب في عدم الاهتمام بسماع العلماء الثقات والأمية الدينية التي يعاني منها معظم الناس وندرة العالم الذي يجذب إليه الأسماع بكياسته وعقله المتزن وبعلمه الغزير وهذا لن يعفي الأفراد من البحث عن حقيقة الدين والكتب الصحيحة فالعلم فريضة على كل مسلم وسيسأل عنه يوم القيامة كما جاء في حديث الرسول:
«لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به» ونحن في عصر ازدهرت فيه كل وسائل العلوم الحديثة من أجهزة وكتب ووسائل اتصال وأقمار صناعية وكومبيوتر وقنوات دينية متخصصة وصحافة وأعلام وطباعة حديثة وملايين من إصدارات الكتب ولكن لابد وأن نحقق الآية الكريمة «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون{ صدق الله العظيم.. قلق واكتئاب إن مخ الإنسان مميز عن الحيوان بالتفكير والقدرات الإحساسية العالية، ولا ننكر أن الجن موجود في القرآن..
لكن الجن لا يعرف الغيب الذي لا يعرفه إلا سبحانه وتعالى هكذا تحدث د. فاروق قورة أستاذ الأمراض العصبية موضحاً أسباب انتشار هذه الظاهرة مؤكدا أنها ترجع إلى زيادة الأمراض النفسية والعصبية وحالات القلق والاكتئاب التي يمر بها الأفراد فهناك من يلجأون إلى الدجالين والمشعوذين من أصحاب ثقافات عالية ومتعلمين إما اعتقاداً أو فراغاً أو مرضاً نفسياً، ومما لا شك فيه أن هؤلاء جميعاً مرضى بالأعصاب وغير سليمي المخ. طبقة معينة من الأفراد تدعي وصايتها على أفراد المجتمع وهي السبب في انتشار هذه الظاهرة ونشر فكرها بين بعض المواطنين هكذا يؤكد د. عبد الخالق عفيفي أستاذ علم الاجتماع مؤكدا مواجهة هذه الظاهرة بالعمل على تفتح العقل ونشر الوعي بين مختلف طبقات المجتمع، ويرى أنه قد تنفع جلسات العلاج عند بعض هؤلاء ولكن الشفاء يتم بالإيحاء فقط، وهو ليس شفاء نهائياً، ولأن هؤلاء لا يتعمقون في أغوار النفس البشرية وإنما يتعاملون مع السطح «وكالة الصحافة العربية.
القاهرة: من: وكالة الصحافة العربية