قال الشيخ: من ابتدع هذا التعبير «إلا رسول الله» يستحق الإعجاب والإشادة بذكائه باعتباره يشير من قريب أو بعيد، مباشرة أو مواربة، إلى سلسلة التنازلات وعدد الصفعات التي تلقاها العرب والمسلمون وهم صامتون وهادئون يلوكون ذلهم دون أن تظهر فيهم أو عليهم بادرة حياة، فلا المقدسات ولا الأراضي التي دنست وسرقت، ولا الأعراض ولا الكرامات التي انتهكت ومرغت في الوحل، ولا الثروات ولا العقول التي ابتلعت وهجرت، حتى الرغيف الذي أصبح عزيزاً، والدواء الذي صار يرهق الجيوب، والتعليم الذي أمسى حلماً صعباً وأحياناً مستحيلاً..... كل هذا احتملناه وتحملناه وعشنا حياتنا منهكين مرهقين، أذلاء مستبعدين، حتى وصل لؤم الشياطين إلى المس بحضرة المصطفى عليه الصلاة والسلام فارتفعت الأصوات: إلا رسول الله.

لقد نشرت الصحيفة الدنماركية التي صارت معروفة لدينا ما نشرته من صور تسيء إلى شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد صادف نشرها موسم الحج الذي يجتمع فيه ثلاثة ملايين مسلم في مكة والمدينة، وقد مَنّ الله علي هذا العام بأداء مناسك الحج ومع ذلك لم أسمع بقصة صفاقة الصحيفة إلا عندما عدت إلى دبي، وقد كان اجتماع المسلمين في مكة وهم يطوفون حول البيت العتيق ويرجمون رموز الشيطان، فرصة رائعة لو استغلت في الرد على المتطاولين على مليار ونصف من المسلمين، ولكن الله قدر والناس -كالعادة- قصروا وخنعوا.

أنا وأنتم وجميع المسلمين عندنا ألف سبب لمحبة واحترام وإجلال مولانا النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وعندنا أنه صلى الله عليه وسلم بلغ منزلة لم يبلغها نبي مرسل أو ملك مقرب، ولهذا أجد نفسي غير مضطر لإعادة الحديث -مع وجاهته- الذي جاء على ألسنة علمائنا ومشايخنا، ولكنني أريد الحديث عن الطرف الآخر «الغربي الأبيض والأشقر» ما الذي يجعله يقترف إثماً كهذا دون أن يفكر بنتائجه وآثاره.

أغلب الظن أنهم لم يعهدوا في العرب والمسلمين اعتراضاً على بادرة سوء أو انتفاضة على إهانة أو إذلال، هل يعقل أنهم جهلة إلى الحد الذي لا يعرفون عنده مكانة من طعنوا فيه؟ وهل يتصور أنهم فعلوا ما فعلوه نتيجة سوء تقدير؟ وهذا يعني جرأة على الإسلام والمسلمين لا تتسق مع أي قيم يدعيها الغرب.

الجوهري والرئيس هنا أن نفهم أنهم أقدموا على ما فعلوه وهم يعلمون حجم وخطر جرمهم، وعلينا جميعاً ألا نصدق ما ورد في اعتذارهم المضحك، الذي دفعتهم إليه خسارة نجمت عن مقاطعة الأسواق الإسلامية أو بعضها لمنتجاتهم، من أن سوء فهم حصل حول الرسوم المنشورة، وأن ما حدث لم يكن وراءه أي قصد، وأنهم يحترمون الأديان كلها، وأن الأمر قد أدى إلى مضاعفات غير منتظرة، وأن المسألة كلها مجرد حرية تعبير.

عندما يقول رئيس تحرير الصحيفة الدنماركية: لم يكن بقصدنا أن نسيء لأحد (الإمارات اليوم 30/1/2006) فهو إما مجنون أو غبي أو جاهل إلى الحد الذي لا يؤهله ليكون في مركز إعلامي كهذا، أو أنه كاذب مفترٍ أشر لا يزال مصراً على استصغار عقول العرب والمسلمين.

القنصل الدنماركي في دبي أجاب على محاوره في المرجع السابق: لا بد أن تدركوا أن لدينا حرية تعبير وهي تعد من أبرز دعامات الديمقراطية ولكننا بالطبع لا نقبل الإساءة إلى أية ديانة قطعياً ـ بدون تعليق ـ.

يا سيدي ألا تمثل مشاعر أكثر من مليار ونصف من المسلمين لكم شيئاً حتى تكونوا أكثر أدباً مع شخص له رصيد كبير فكري وعاطفي عند العامة قبل الخاصة؟ ثم ما هي حرية التعبير التي تغمز نابها هل هي الإسفاف الذي اشمأز منه كل من اطلع على الرسوم المنشورة.

«حسن النية» لا يمكن أن يكون هنا مخففاً للجرم هذا إن صح تصوره أصلاً.

إن رؤوساً تقطع ودماءً تسفك وبلاداً تدك لأسباب أقل بكثير مما فعلته الصحيفة الدنماركية فمن يمس السيادة الوطنية لدولة من دولهم تحل عليه اللعنة، فلماذا لا يكون لنا الحق في سيادة إسلامية توقف العالم عند حده وتفهمه أن الله حق.

لقد ذكرت لكم أنني لا أريد الحديث عن ما حصل من وجهة نظر المسلمين، وأنني أعتبر ما حدث وليد تشويه ذاكرة ووعي ومعارف الغرب الذي امتد لعقود. فالخطأ ليس مجرد خطيئة من شخص أو صحيفة، إنه تراث من الأحقاد والكراهية مع جرأة بررتها جموع المسلمين النائمة، وأخيراً يبدو أن بائعي الأجبان والألبان عند الدنماركيين يزنون أكثر من مليار ونصف من المسلمين، فقد دفع هؤلاء حكومتهم ورئيس تحرير صحيفتهم للاعتذار لمجرد أننا لم نعد نشتري منهم.

ماهر سقا أميني