الوصول إلى منطقة «شوكة» في إمارة رأس الخيمة محفوف بالخوف والغبار.. الخوف من الشاحنات الضخمة التي تذرع الطريق جيئة وذهاباً محملة بأكوام الأتربة والصخور التي تنتجها خمس كسارات تحيط بالقرية التي تبدو كجزيرة وسط بحر من الكسارات.. والوصول إليها أيضاً مغمس بالغبار الذي يجعل الناظر إليها من بعد يعتقد بأن شوكة وردة تسكن بين الغيوم، إلا أن ضيق التنفس الذي يصيبه لدى الاقتراب منها يجعل الناظر ذاته متأكداً من خطأ النظرة الأولى التي كانت مغرقة في التفاؤل والرومانسية فالهدوء الشديد الذي كان يسكن شوارعها لدى دخولنا إليها سرعان ما انقلب إلى ضجيج وعتاب شديد من سكانها.
«أخيراً.. الصحافة في ديارنا؟»، و«هل هناك فائدة مما تكتبون»،«لقد انتظرنا طويلاً من دون جدوى»، بهذه العبارات استقبلنا السكان الذين لم يخفوا فرحتهم بوصولنا إليهم رغم احتجاجهم على التجاهل فيما مضى.
* مشكلة المشكلات
طناف راشد القايدي أحد شباب القرية الذي رافقنا في الجولة.. قال إن مشكلة المشكلات هي السكن، مشيراً إلى أن كل بيت من بيوت القرية يضم أكثر من ثلاث عائلات في الوقت نفسه، حيث يكبر الأولاد ويتجهون نحو تكوين عائلاتهم الخاصة فلا يجدون أمامهم سوى خيار وحيد وهو الزواج والاستقرار في منزل الأب أو البقاء من دون عائلة جديدة، هذان الخياران فقط هما ما يواجهه شباب «شوكة»، ويضيف «طناف» أن الخيار الثالث يكون بمغادرة الشخص إلى مناطق أخرى للاستئجار والسكن فيها وبالتالي هجرة القرية، مسقط رأسه مع ما يترتب على ذلك من ضغوط مالية ونفسية واجتماعية أيضاً بسبب غربته عن منطقته.
والده راشد محمد أشار إلى أنه قام بتزويج ولده الأكبر وأتاح له فرصة الإقامة معه، مؤكداً أن مساحة المنزل لا تتيح مطلقاً مثل هذه الفرصة لأولاده الآخرين الذين أصبحوا في سن الزواج. وأضاف أنه لكي يتيح هذه الفرصة لولده الأكبر قام بإجراء صيانة للمنزل كلفته الكثير (فوق طاقته)، إضافة إلى اقتطاع جزء من مرافق المنزل الأساسية لإتاحة الفرصة المذكورة له، متسائلاً حيث إن المنزل لم يعد فيه مرافق تحتل مثل هذه الاقتطاعات لزواج أولاده الآخرين ما هو الحل؟
ويلخص راشد محمد المشكلة بقوله إن هناك شعبيتين تأسستا في المنطقة إحداهما في العام 1975 والثانية في العام 1980، ولا يتجاوز عدد بيوتها 60 بيتاً ويقطنها حالياً أكثر من 1500 شخص، موضحاً أن المشكلة ذات شقين، الأول يكمن في ازدياد عدد السكان وبقاء عدد البيوت كما هو، ما يعني ذلك ازدحاماً خانقاً داخل هذه البيوت، إضافة إلى مشكلة الصيانة التي تجعل العديد من السكان يعيشون داخل بيوت مهددة بالسقوط في أية لحظة.
ويرى راشد محمد أن حل هذه المشكلة يقوم على دعم المواطنين مالياً من أجل بناء منازل جديدة لهم أو بناء مساكن شعبية جديدة تستوعب الزيادة الكبيرة في أعداد السكان التي حدثت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
* 8 أولاد في سن الزواج
علي سالم سعيد، قال: إن حل هذه المشكلة سيسهم بالتخفيف عن السكان الذين يعانون كثيراً، حيث إن أي بيت في القرية يضم بين جنباته من 5 إلى 6 أولاد في سن الزواج، مشيراً إلى أن لديه شخصياً 8 أولاد في سن الزواج، ولم يستطع تزويج أي منهم، والابن الوحيد الذي تزوج غادر إلى منطقة وادي أصفني حيث يقيم هناك. ويتساءل: هل المطلوب أن يهاجر الأولاد حتى يستطيعوا الزواج وتأسيس عائلات جديدة بعيداً عن أهلهم وعشيرتهم؟
* مرض الربو
أما سلطان راشد فيؤكد أن المشكلة الثانية في المنطقة تتمثل في الغبار الذي يلف القرية المنبعث من الكسارات العاملة في محيط القرية والتي تحيل كل شيء إلى اللون الأبيض، وتجعل التنفس غاية في الصعوبة، كما أنها رفعت معدل الإصابة بمرض الربو وغيره من الأمراض التنفسية بين السكان وخاصة بين الأطفال. ويضيف أن جميع محاولاتهم لحل المشكلة بإرسال الشكاوى إلى الجهات المعنية باءت بالفشل، وما زالوا ينتظرون شجرة وعود لم تثمر، مشيراً إلى أن مشكلة الكسارات تأخذ أيضاً أبعاداً أخطر بتأثيراتها على السلامة العامة على الطرقات عبر أرتال وقوافل الشاحنات الكبيرة التي تعبر الطريق العام يقودها في كثير من الأحيان سائقون بدون ترخيص قد أدت إلى حوادث مرورية كثيرة كان آخرها وفاة المعلمة المواطنة وابنتها بانقلاب سيارتها بسبب أكوام الرمل التي سقطت من إحدى هذه الشاحنات، وكان ذلك قبل أقل من أسبوعين.
* لا رعاية صحية حقيقية
الأمراض التنفسية المنتشرة في المنطقة وبخاصة الربو ووجهت في المقابل بنقص واضح في الرعاية الصحية من خلال المركز المتواضع الذي يقبع على الضفة الأخرى للوادي حيث يضطر سكان المنطقة في المرات القليلة التي يلجأون فيها إلى المستوصف لقطع مسافة في الطريق الوعرة وصولاً إلى المستوصف، وفي حالات هطول الأمطار يُحجم السكان عن التوجه إلى هناك، مهما كانت الأسباب تحسباً لمخاطر الموت غرقاً في الوادي.
وتوجهنا إلى هناك وكان المركز غاية في التواضع، يتكون طاقمه من طبيب عام وصيدلاني وممرضة وأجهزة متواضعة لا تجدي نفعاً مطلقاً مع الحالات الطارئة التي تضطر السكان في مثل هذه الحالات إلى نقل المريض أو المصاب إلى مناطق بعيدة أقربها الذيد في المنطقة الوسطى.
* ممرضة برتبة طبيبة
طاقم المركز الصحي رفض الإجابة عن أي سؤال طرحناه عليهم، وتبرع للإجابة مرافقنا «طناف» الذي أكد لنا وجود كثير من المعاناة والمفارقات بسبب قلة الإمكانيات في المركز الصحي وخاصة عدم وجود طبيبة، الأمر الذي يضطر معه الطبيب إلى تكليف الممرضة العاملة معهم للقيام بدور الوسيط مع المريضة وذلك مراعاة للعادات والتقاليد التي تجعل النساء لا يظهرن على الغرباء، حيث يقوم الطبيب بتوجيه أسئلة للمريضة عبر الممرضة التي تنقلها إلى المريضة لتعود وتنقل الإجابة إلى الطبيب الذي يقوم وفق هذه الإجابات بتشخيص المرض ووصف العلاج له، ويؤكد «طناف» أن هذا الحل غالباً ما يكون محفوفاً بالمخاطر لعدم التشخيص الدقيق.
* مركز الإطفاء
سعيد عبدالله أشار إلى مشكلات أخرى تعاني منها القرية متمثلة في عدم وجود مركز للإطفاء، الأمر الذي يضطر معه السكان إلى طلب النجدة من مركز الإطفاء في الذيد الذي يبعد أكثر من 25 كيلومتراً والذي يخدم العديد من المناطق مثل كدره وأصفني وشوكة، بالإضافة إلى المنيعي والحويلات وممدوح، مشيراً إلى أن هذه المسافة البعيدة تجعل من الصعب مواجهة حوادث الحريق بنجاح. وأضاف أن المشكلات الأخرى تتمثل في عدم وجود مراكز اجتماعية وترفيهية تجعل من السأم سيداً للموقف في المنطقة.
ونغادر في طريقنا إلى منطقة «كدرة» يحوم فوق رؤوسنا طائر الحذر من تلك الشاحنات التي تثير الغبار بكثافة على الطريق العام. وكانت رحلتنا إلى كدرة أشبه بالسباحة وسط أمواج من الغبار المتطاير من الكسارات التي تقع على طول جانبي الطريق.
* لا وجود لمركز صحي
لدى وصولنا إلى المنطقة التي تبعد أكثر من 15 كيلومتراً عن «شوكة» توجهنا بالسؤال إلى علي سعيد القايدي الذي كان أول من استقبلنا.. هل تكفي تجهيزات المركز الصحي في «كدرة» لمواجهة حالات الأمراض التنفسية التي لابد أنها كثيرة في منطقتكم؟ ابتسم القايدي قائلاً: ألا تستلزم هذه الأمراض وجود مركز أصلاً؟
الإجابة كانت مفاجئة، واسترسل علي القايدي: نعم ليس لدينا مركز صحي في المنطقة، وعندما يمرض أحد أبناء القرية نضطر لنقله إلى المركز الصحي في منطقة «أصفني» في الحالات البسيطة وإلى الذيد في الحالات الصعبة. ويشير إلى أن الوزارة أنشأت مركزاً صحياً في المنطقة، ولكنه لا يزال مجرد بناء جميل يقف على مدخل القرية دون تجهيزات، ومنذ ستة أشهر رغم الوعود المتكررة بقرب الافتتاح، وما زلنا ننتظر. ويضيف أن مشكلة الإسكان وتلوث البيئة بفعل الكسارات تبقيان هاجس السكان، موضحاً أن الكثير من البيوت تحتوي بين جدرانها على أكثر من ثلاث عائلات ومرشحة للازدياد بسبب عدم وجود مساكن جديدة للشباب الذي يقف على عتبة الزواج أو يستعد للوقوف على هذه العتبة.
* نصف مدرسة
سالم سعيد ذاك الشاب الصغير الذي كان عائدا من مدرسته قال لنا بأنهم كطلاب يعانون من أوضاع صعبة تتمحور جميعها حول ازدحام الفصول الدراسية، وانعدام المرافق في المدرسة، بل النصف مدرسة، التي يدرسون بها بعد أن تم شطرها إلى نصفين، واحدة للبنين وأخرى للبنات، موضحا بأن النصف مدرسة هذه سواء للبنات أو البنين تضم المراحل الدراسية كافة «ابتدائي، إعدادي، وثانوي».
* تشقق المنازل
محمد راشد المزروعي قال: إضافة إلى مشكلة الغبار المنبعث من الكسارات، فهناك أيضا مشكلة تشقق جدران المنازل جراء الاهتزازات التي يحدثها «الديناميت» المستخدم في تكسير الصخور وقادنا في جولة داخل القرية ليرينا هذه الآثار التي كانت واضحة للعيان: كما قادنا إلى منزل محمد علي الذي احترق قبل أيام وجرى إخماد الحريق قبل أن يتحول إلى كارثة بمساعدة أهالي القرية وقبل أن تصل سيارات الإطفاء القادمة من منطقة الذيد؟
محمد علي صاح قائلا: ألم تحدث الصحافة عن مشكلة ملوحة المياه التي يعاني منها السكان يا محمد المزروعي.. الذي ابتسم قائلا: لقد حدثت آخرين عن الموضوع قبل سنوات!!؟
وانتقلنا إلى مناطق الفلي والتميد والبحايص التي كنت زرتها قبل أربعة أعوام.. الدهشة كانت سيد الموقف بالنسبة لي لدى دخولي إليها حيث شعرت بأن تطورا كبيرا طرأ عليها بصورة إيجابية، حيث بدا واضحا للعيان انتشار أبنية رسمية جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات ما يشير إلى الاستجابة الرسمية لمطالب السكان واهتمامهم بهم.
حمد الكعبي عضو المجلس الاستشاري في إمارة الشارقة والذي يحظى بالكثير من الاحترام من قبل السكان كونه رجلا نذر نفسه للعمل العام ومتابعة قضايا الناس قال: إن اهتماما كبيراً من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بتلبية احتياجات الناس هو الذي ساهم بتحقيق هذه الانجازات المتمثلة في مركز للناشئة، والبلدية، والمدرسة الجديدة، وغيرها.
وأضاف بأن الوضع تطور كثيرا بفضل هذه الرعاية الكريمة، مشيراً إلى أنه رغم هذا التطور إلا أن هناك بعض النواقص مازالت بحاجة إلى استكمال متمثلة في ضرورة زيادة عدد المراكز الأمنية في المنطقة وعدد أفرادها لتغطية الحاجة الناجمة عن اتساع رقعة المنطقة وزيادة عدد السكان، مشيراً إلى أن أقرب نقطة أمنية تبعد عن المنطقة حوالي 20 كيلومتراً، مضيفاً بأن المنطقة ينقصها أيضا سيارات إطفاء وإسعاف، والتي باتت تمثل حاجة ضرورية للسكان.
مصبح الكعبي.. أشار إلى أن نواقص أخرى تتعلق بعدم وجود مراكز قريبة تتعلق بتخليص بعض المعاملات الرسمية والتي يضطر معها السكان إلى التوجه نحو مدينة الشارقة مثل مراكز فحص الدم للعمال.
وتوجهنا إلى مدرسة التميد التي تخدم طلاب المناطق الأربع التحميد، الفلي، والبحايص وأم صفاة والتقينا علي راشد الجابري مساعد مدير المدرسة الذي أكد وجود معاناة حقيقية، في المدرسة تتمثل في انقسام المدرسة إلى شطرين، شطر للبنات وآخر للبنين مع ما يعنيه ذلك من تكديس للطلاب والطالبات ضمن صفوف يصل العدد فيها إلى أكثر من 40 طالباً، علما بأنها مصممة لاستيعاب 25 طالبا فقط.
إضافة إلى تواجد المراحل الدراسية الثلاث في المدرسة لأسباب تتعلق بصغر حجم الشطر المخصص لكل من البنين والبنات، كما انعكس ذلك أيضا على عدم وجود مرافق ترفيهية للطلاب حيث استخدمت غرف النشاط الترفيهي لسد الحاجات الأساسية للمدرسة، مشيراً إلى أن غرفة المعلمين تغص بأكثر من 35 مدرساً يضطرون إلى التكيف مع الوضع وبصعوبة.
وأشار الجابري إلى الاستمرار بالمحاولة للتكيف مع مدرسة يعيش بداخلها 300 طالب ومع العلم بأن قدرتها الاستيعابية هي نصف هذا العدد فقط موضحا بأن المدرسة الجديدة استكمل إنشاؤها إلا أن الوعود بافتتاحها مضى عليها عامان دون أن تتضح الرؤية.
وأشار إلى انجازات المدرسة «العلمية» في جميع المسابقات رغم قلة الإمكانيات، حيث حصل جميع المدرسين على رخصة الحاسوب الدولية ةج كما أنشأت المدرسة مركزاً لتدريب المعلمين لا يوجد له مثيل في وزارة التربية. ونغادر المنطقة ونحن نحمل أمنيات سكانها بأن تتحقق الأحلام التي مضي عليها زمن.
تحقيق ـ خالد اللوباني

