طغت نبرة «التهدئة» و «الحوار» و«ضبط النفس» أمس على التوابع التي خلفها أسبوعان من الغضب الإسلامي على «الكاريكاتيرات الدنماركية» المشينة بحق الرسول محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، في وقت نجت السفارة النمساوية في العاصمة الإيرانية طهران من الإحراق..
فيما أظهرت التحقيقات اللبنانية أن القنصلية الدنماركية التي استهدفتها جموع غاضبة يوم الأحد لم تتعرض لسوء وأن النيران اندلعت في محال ومكاتب تجارية مجاورة لها. وفيما تواصلت موجة الاستنكار العارمة في العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، تواصلت موجة الإدانة في لبنان للتظاهرات وأعمال الشغب التي شهدتها بيروت يوم الأحد.
وعلمت «البيان» من مصادر قضائية وأمنية أن القنصلية الدنماركية في منطقة الأشرفية لم تتعرض إلى أضرار أساسية رغم أن المحتجين اعتقدوا أنهم أضرموا النار فيها.
وأوضحت المصادر أن المحتجين أضرموا النار بالفعل في المبنى التجاري الذي يضم القنصلية في الطابق الخامس، غير أن النتيجة جاءت مخالفة لتوقعات المتظاهرين فتضررت كل المؤسسات التجارية والمكاتب الخاصة، باستثناء القنصلية التي كانت أبوابها الحديدية موصدة، فلم تطلها إلا أضرار طفيفة.
في غضون ذلك، تابعت الأجهزة الأمنية اللبنانية تحقيقاتها الأولية مع الموقوفين في أحداث الأشرفية، والذين ارتفع عددهم إلى 160 شخصا لتحديد مدى تدخلهم واشتراكهم في أعمال الشغب والتخريب التي شملت الاعتداء على كنائس ومؤسسات خاصة وعامة.
تمهيدا لفرزهم وإحالتهم إلى القضاء العسكري إذا كان الجرم يتضمن الاعتداء على عناصر قوى الأمن ومعاملتهم بالعنف والاعتداء على آلياتهم وعلى أمن الدولة، وإما إلى النيابة العامة الاستئنافية إذا كان الجرم يتضمن أعمال الشغب والكسر والخلع والسرقة وغيرها.
ومن جانبها، قدمت الحكومة اللبنانية اعتذارا إلى الدنمارك، وجاء في بيان لمجلس الوزراء الذي عقد اجتماعاً بصورة طارئة بعد منتصف ليل الأحد الاثنين أن «الحكومة ترفض وتستنكر ما جرى من أعمال شغب وسبب ما سبب من مشكلات ومخاطر سلبية وأساء الى سمعة لبنان وصورته الحضارية والى الهدف النبيل الذي قامت على أساسه التظاهرة»، مضيفا أن الحكومة تتقدم «بالاعتذار من دولة الدنمرك.
وفي إطار حالة الغضب التي تسود مجمل الدول الإسلامية خرج آلاف الطلاب المصريين من جامعات القاهرة إلى الشارع في تظاهرة تصدرها شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي.
وفي العاصمة الإيرانية طهران، لم تستطع قوات الشرطة وقوات مكافحة الشغب الحيلولة دون إشعال الشبان الغاضبين النار في بوابة سفارة النمسا، التي تتولى حالياً رئاسة الاتحاد الأوروبي.
إلا أنها تمكنت من منع حدوث أضرار أكبر، قبيل تفريق الحشود. وردد المتظاهرون في بادئ الأمر هتافات مناهضة للدنمارك قبل أن يتسع نطاق هذه الهتافات لتشمل بلدانا أوروبية أخرى نشرت بعض صحفها الرسوم المسيئة، ورشق المتظاهرون السفارة بالحجارة والقنابل اليدوية.
وفي هذا السياق، ندد الداعية الإسلامي البارز الشيخ يوسف القرضاوي بحرق السفارات الغربية، وقال في تصريحات لقناة «الجزيرة» القطرية إن المسلمين يجب عليهم بدلا من ذلك أن يوجهوا غضبهم إلى مقاطعة منتجات الدول التي نشرت الرسوم في صحفها. وحث المتظاهرين على إظهار غضبهم بتعقل وتدبر.
مشددا على أنه لم يدع الناس إلى إحراق سفارات كما فعل البعض في دمشق وبيروت بل إلى مقاطعة المنتجات. وأضاف أنه لا يقر التدمير والحرق لأنهما لا يتفقان مع أخلاقيات المسلم أو سلوكه.وطالب القرضاوي بتحرك دولي بشأن الرسوم الكاريكاتيرية المهينة، وإصدار قانون يمنع إهانة جميع الأديان.
وفي هذه الأجواء المحتقنة، صدرت أمس دعوات عدة من جانب الدول الأوروبية، ومن جامعة الدول العربية، للهدوء ولفتح حوار بين الغرب والعرب، وأدان الرئيس الفرنسي جاك شيراك أعمال العنف التي تفجرت ضد المصالح الدنماركية في العالم الإسلامي.
وأعرب في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الدنماركي انديرس فوج راسموسن عن «إدانته لجميع أعمال العنف الموجهة ضد السفارات الدنماركية والأجنبية»، معربا عن «تضامنه مع الدنمارك». وأشار إلى أنه «بموجب القانون الدولي فإن الحكومات مسؤولة عن ضمان أمن الأجانب والبضائع الأجنبية».
ووجه رئيسا وزراء تركيا رجب طيب أردوغان واسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو عبر مقال صحافي مناشدة مشتركة للاحترام والهدوء، وعبرا عن القلق المتزايد من تصاعد التوترات، وشددا على أنه «سنخسر جميعا إذا فشلنا على الفور في نزع فتيل هذا الموقف الذي ليس من شأنه سوى أن يخلف حالة من عدم الثقة وسوء الفهم بين الجانبين».
وقالا إن «حرية التعبير من أسس نظمنا الديمقراطية ولن نتخلى عنها قط. لكن ليس هناك حقوق دون مسؤوليات واحترام للحساسيات المختلفة... قد يكون نشر هذه الرسوم قانونيا تماما لكنه ليس محايدا لذلك كان يتعين رفضه من منطلق أخلاقي وسياسي».
وفي السياق، أعربت الحكومة الألمانية عن اهتمامها بعدم التصعيد، بينما قالت السويد إن دول الاتحاد الأوروبي والعالم العربي يجب أن تعمل سويا لتجنب حدوث مزيد من العنف بسبب نشر الرسوم الكاريكاتيرية.
بيروت ـ علي بردى:
القاهرة ـ سباعي إبراهيم: