حاصر لبنان رسمياً وشعبياً شبح فتنة طائفية أعقبت حرق قنصلية الدنمارك في بيروت خلال احتجاج على الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما تخلله من إقدام بعض المحتجين على مهاجمة كنيسة أثار دعوات طائفية للرد على ذلك.
لكن مسارعة السلطات والقوى السياسية لاستنكار الحادث الذي أدى لمقتل شخص وإصابة 30 واستقالة وزير الداخلية حسن السبع واعتقال 100 سوري وفلسطيني أعادت الهدوء إلى النفوس بعد يوم أعاد للذاكرة مقدمات الحرب الأهلية في العام 1975.
وكانت الأحداث بدأت بحرق القنصلية الدنماركية في بيروت بعد يوم من إحراق السفارتين الدنماركية والنرويجية في سوريا التي قدمت اعتذارها لكل من كوبنهاغن وأوسلو.
ولم تستطع القوى الأمنية والجيش الحيلولة دون وصول المتظاهرين إلى القنصلية الدنماركية الواقعة في قلب الأحياءالمسيحية، حيث دخلوا إليها وعبثوا في محتوياتها قبل إضرام النيران فيها.
فيما هاجم متظاهرون آخرون كنيسة مار مارون القريبة للطائفة المارونية، ورشقوا بالحجارة العديد من الممتلكات الخاصة والعامة، وحطموا بالعصي عشرات السيارات قبل أن يهاجموا جنود الجيش وعناصر القوى الأمنية ورجال الدفاع المدني ويستولوا على آليات عسكرية وسيارات للدفاع المدني والشرطة ويحطمونها.
وسط دعوات كثيفة من السياسيين والتيارات الحزبية المختلفة ورجال الدين المسلمين والمسيحيين الكبار إلى عدم التعرض للمقدسات والممتلكات العامة والخاصة، وعدم تعريض السلم الأهلي في لبنان للخطر.
واستخدمت القوى الأمنية في بادئ الأمر خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع والهراوات في محاولاتهم لمنع المتظاهرين من أعمال التخريب والشغب، غير أن الحشود الغاضبة تابعت سيرها في اتجاه القنصلية الدنماركية التي كانت خالية من الموظفين، وانتهت المواجهات بسقوط قتيل وإصابة ما لا يقل عن 30 شخصاً.
ودفعت الفوضى الحاصلة رئيس الجمهورية أميل لحود إلى التحذير «من أي مساس بمقومات الوحدة الوطنية اللبنانية»، مديناً بقوة التعرض لكنيسة مار مارون في الجميزة، والممارسات المسيئة التي رافقت التظاهرة. كما أصدر رئيس مجلس النواب نبيه بري بياناً ناشد فيه «اللبنانيين عموماً والمتظاهرين خصوصاً، العودة إلى رشدهم والتحلي بأعلى درجات الوعي والعقلانية».
وعلق رئيس الحكومة فؤاد السنيورة على ماجرى بالقول إن «هناك فرقاً ما بين التعبير عن رأيهم وعن استنكارهم، وفرق ما بين اللعب بالأمن. هذا ليس له لا علاقة بالإسلام ولا بالحريات، وبالتالي لا يعود إلا بالضرر على لبنان، والقضية التي نحارب بشأنها»، وقال إن «الحرب ليست هنا».
اعلن السنيورة أنه تم توقيف نحو مئة سوري وفلسطيني، وأضاف أن «هناك ما يقارب مئتي موقوف، أكثر من نصفهم من جنسيات غير لبنانية، (بل) سورية وفلسطينية»، واعتبر أن «ما قاموا به إجرام بحق لبنان ولن يؤدي إلى أي نتيجة».وعقد مجلس الوزراء اللبناني اجتماعاً استمر لساعات مناقشة التطورات انتهى باعلان وزير الداخلية حسن السبع استقالته.
وأصدرت الجماعة الإسلامية في لبنان بياناً استنكرت فيه «كل الممارسات المخلة بالأمن التي صدرت عن بعض المشاركين في الاعتصام الاستنكاري»، وأعلنت أنها انسحبت من المسيرة بعد شعورها بأن التحرك السلمي قد انحرف عن مساره.
وفيما احتجت الدنمارك والسويد والنرويج على الهجمات التي تعرضت لها البعثات الدبلوماسية في دمشق وبيروت، أمرت النرويج والدنمارك رعاياهما بالرحيل عن الأراضي السورية واللبنانية فيما تنظر السويد في إجراء مماثل. وقالت وزارة الخارجية الدنماركية إن «الوضع في لبنان تطور بصورة سلبية، الوضع في بيروت خارج عن السيطرة»، ناصحة رعاياها بالامتناع عن السفر إلى لبنان.
لكن السفير النرويجي لدى دمشق سفين سيفيغ قال إنه باق في سوريا وأبلغ الصحافيين بأنه «حزين جداً لما حصل ولدينا بعض الأسئلة عن هذا الأمر وآمل أن أتكلم مع وزارة الخارجية السورية لاحقاً وقد طلبت لقاء معهم».
ومن جانبها، قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها «ذكرت» الفرنسيين الذين يعيشون في سوريا «بالتزام الحذر» وملازمة منازلهم، لكنها لم تتخذ «أي إجراءات خاصة» في إشارة إلى ما أقدمت عليه كوبنهاغن وأوسلو. الا ان الخارجية السورية أعربت في بيان عن أسفها للعنف الذي رافق الاحتجاجات.
وقال البيان إن «وزارة الخارجية تعرب عن أسفها لأعمال العنف التي رافقت مظاهرات الاحتجاج» التي قام خلالها المتظاهرون باحراق مقر سفارة النرويج وطابق في مبنى يضم سفارة الدنمارك في دمشق.
وتابع البيان انه «رغم التفهم لمشاعر الغضب الشعبي الكبير للاساءات التي استهدفت الرسول الكريم فانه من غير الجائز مخالفة قواعد القانون والنظام».
وفي القاهرة قالت الناطقة باسم أحمد أبوالغيط وزير الخارجية ان الوزير أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في اتصال هاتفي «المسؤولية التي يتعين على حكومة الدنمارك اتخاذها بتبنيها موقفاً حاسماً ازاء الإعلام الدنماركي بما يهدئ من مشاعر الاستنكار لدى المسلمين ويضع حدا لتصاعدها».
وفي الأردن نقل جهاد المومني رئيس تحرير صحيفة «شيحان» الأردنية المقال من مهامه إلى أحد مستشفيات عمان بعد ان أصيب بوعكة صحية في الوقت الذي أخلت سبيله محكمة بداية عمان بعد ثلاثة أيام من نشر صور مسيئة للنبي محمد نقلا عن صحيفة دنماركية. ونفي جهاد المومني ورئيس تحرير أسبوعية «المحور» هاشم الخالدي تهمة الإساءة للأديان التي أسندها إليهما مدعي محكمة بداية عمان.
وفي كوبنهاغن قال وزير الخارجية بير شتيج مولر في مؤتمر صحافي «الحكومة الدنماركية تحث كل الزعماء السياسيين والدينيين في الدول المعنية على دعوة مواطنيهم إلى الهدوء والامتناع عن العنف».
وقال متحدثاً باللغة الانجليزية في مؤتمر صحافي أذيع على الهواء في التلفزيون «من واجبنا جميعا العمل على تجنب أي تصعيد جديد للموقف واحتواء الاحتجاجات العنيفة والعودة إلى الحوار».
في غضون ذلك، دعت جماعتان عراقيتان مسلحتان، هما «الجيش الإسلامي في العراق» و«الجناح العسكري لجيش الحق» إلى شن هجمات على القوات الدنماركية في العراق وعلى مواطني كل الدول التي نشرت رسوماً كاريكاتيرية مسيئة للرسول.
عواصم ـ «البيان» والوكالات:
