اصدر معالي محمد بن نخيرة الظاهري وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف أمس بياناً صحافياً أكد فيه إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج.
وذكر ان هذا التوجه يأتي في إطار حرص الدولة على بناء الأسر المتماسكة والضوابط الشرعية والقانونية التي تصب في مصلحة الوطن ومواطنيه وتجنباً للأمراض الوراثية والعلل الأخرى، وتأكيداً على قرار مجلس الوزراء بتقديم ما يثبت الخلو من الأمراض والمادة (27) من قانون الأحوال الشخصية.
وأكد معاليه ان القانون يستوجب عدم عقد الزواج (النكاح) دون الحصول على تقرير اللجنة الطبية الاختصاصية المشكلة من وزير الصحة بما يفيد الخلو من الأمراض. وأشار لإفراد القانون بابا خاصا للتفريق بسبب العلل وأورد منها الأمراض التي يجوز التفريق بسببها ومنها (الجنون والبرص والجذام وما يمنع المتعة الجنسية كالعنة والقرن ونحوهما).
حيث تشكل خطورة على أفراد المجتمع وتنتقل بحكم العلاقة بين الزوجين. وألزم معاليه المأذونين عدم عقد (عقد النكاح) دون تقديم ما يثبت الخلو من الأمراض لما في ذلك من مصلحة للزوجين وذريتهما مستقبلاً.
«البيان» استطلعت بعض الآراء الشرعية، القانونية والطبية حول القرار.
*مصلحة الجميع
يقول الدكتور سيف الجابري مدير إدارة البحوث والإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي إن إلزام الشباب والفتيات بالفحص الطبي قبل الزواج يصب في مصلحة جميع الأطراف سواء الزوجين أو الأبناء أو الأهل وله أهميته الكبيرة للأجيال القادمة في ظل تقدم الطب، وأشار إلى أن الفحص يجب أن يشمل زواج الأقارب أو غير الأقارب .
وقال الدكتور سيف الجابري: إن صندوق الزواج يشترط الحصول على فحص طبي للمقبلين على الزواج والمقدمين للحصول على منحة الصندوق، أما ما عدا ذلك فلم يكن هناك اشتراط لمن يتقدم للزواج، ولذا فإن صدور قرار ملزم مهم في وقتنا الراهن بعد ظهور أمراض جديدة.
وقال إن الفحص المبكر قبل الزواج من الأهمية التي كان من المفترض أن يكون منذ زمن ويجب أن يكون شاملاً في المستقبل ويشمل الأمراض الحديثة.
ويقول أحمد راشد: إن إلزامية الفحص قرار حكيم وجاء في وقته لأن التشوهات والأطفال غير الأسوياء كثرت بين الأطفال حديثي الولادة في الزمن الحاضر وما كانت لتحدث لولا عاداتنا القبلية التي تقول البنت لإبن عمها حفاظاً للنوع.
ويضيف سعيد عبد الرحمن: إن الفحص المبكر للذين لا يعلمون أهميته ويصرون على عدم إجرائه، سيكون وبالاً على حياتهم ما لم يقدموا على إجرائه، بينما يرى الدكتور قطب عبد الحميد أن الفحص قبل الزواج غايته تحقيق الطمأنينة والاستقرار بين الزوجين للوصول إلى المقاصد الشرعية للزواج.
وحث الإسلام على إنشاء العقود، ومنها عقد الزواج على أساس من الصدق والنزاهة والتراضي الكامل ونهى عن الغش والتدليس والكذب فيها. ويقول يجب على كلا الزوجين إعلام الآخر بما قد يكون عنده من مشكلات صحية أو عاهات بدنية أو نفسية، تخل بمقاصد الزواج.
*خطوة ضرورية
ويقول: المحامي مختار غريب: إن إلزامية الفحص الطبي هي خطوة مطلوبة لما لها من تأثير ايجابي للمقبلين على الزواج بالدرجة الأولى وعلى الدولة ثانيا، فأثر الفحص على المتزوجين سيكون واضحاً جداً ويصب بصورة إيجابية على أبنائهم.
وبذلك يحقق الغرض الرئيسي من الزواج وهو تكوين أسرة صحية ومستقرة، فالزوجان اللذان يعانيان من أمراض أو يرزقان بطفل معاق أو مصاب بأمراض ناتجة عن الوراثة تكون حياتهما غير مستقرة وهما دائما التفكير في هذا الطفل ويقل اهتمامهما بالأسرة ككل.
وكل ما يحاول فعله رب الأسرة هو السعي وراء علاج الطفل وتكبد الكثير من المصاريف لعلاجه أو ما يسمى في الفقه بالتطبيب، كما أن الفحص يجنب من سيقبلون على الحياة العيش في دوامة المرض وما يتبعها من آثار نفسية وعصبية.
مشيراً إلى أن تأثيره على الدولة أيضا ليس هيناً، فالدولة تتكبد مصاريف العلاج، بعض الأمراض تكون باهظة التكاليف وتصل إلى الملايين للشخص الواحد، ومن الأولى أن تمنع الدولة حدوث هذه الأمراض إذا ما كان الزواج وخاصة من الأقارب هو السبب الرئيسي لها، وبذلك تتوفر الأماكن في المستشفيات لعلاج الأمراض الأخرى العرضية.
وحول التفريق بين الزوجين في حال الأمراض المعدية أشار المحامي مختار إلى أنه سبق وأن تم التفريق بين رجل وزوجته بعد ثبوت إصابة الزوج بمرض الايدز وذلك لإنقاذ حياة المرأة والأبناء.
كما أن القانون يحمي الطرفين والأبناء من نقل الأمراض لأحدهم ولا يعطيه حق الحضانة أبدا، وبحكم اطلاعي على القضايا الشرعية وتخصصي بها لم يسبق أن حكم في المحكمة الشرعية بدبي بالتفريق بين الزوجين بسبب إنجاب أبناء معاقين أو حاملين لأية أمراض وراثية.
كما أن «تمييز دبي» لم تكن تسمح بالتفريق بين الزوجين في حالة عقم الزوج لعدم اقتناعها بسبب التفريق لعدم وقوع الضرر على الرغم من حق الزوجة في الأمومة وإنجاب الأبناء، في الوقت الذي يستطيع به الزوج الزواج من أخرى وتطليق زوجته إذا ما ثبت أنها عقيم، والقانون الجديد أعطاها الحق بالطلاق بعد إثبات بعض الإجراءات وتقديم التقارير الطبية ومرور مدة معينة على الزواج.
وقال لو كان بيدي لألزمت كل من يعيش على أرض الدولة بالفحص الطبي أيضا بحكم استقرارهم وإقامتهم لفترات ليست بقصيرة وينجبون أبناءهم فيها وبذلك نتجنب دوامة المرض والعلاج.
* تجنب الأمراض والمشكلات
ويؤيد المحامي عبدالحميد الكميتي هذا القرار بقوله: ان الدافع لهذا القرار تجنب إنجاب أبناء معاقين أو حاملين للأمراض، علاوة على تجنب المشاكل الزوجية التي قد تنتج عن هذا الزواج.
ولتفعيل هذه الخطوة يجب أن يكون هناك فحص نفسي وعقلي وعصبي للمقبلين على الزواج وتأهيلهم لبناء حياة زوجية ذات أساس قائم على التفاهم والعقل، فالكثير من المقبلين على الزواج لائقين صحيا من الناحية البدنية.
وإذا ما نظرت للجانب النفسي فهو ذو أهمية لا تقل عن الجانب البدني، والملاحظ أن الكثير من المشكلات الأسرية وحالات الطلاق ليس لها أسباب قوية أو أي تبرير بسبب التذبذب النفسي والعصبية والعناد، والكثير أيضا من حالات الطلاق سببها التعاطي سواء المشروبات الكحولية أو المخدرات.
* شريعة المتعاقدين
وأشار الكميتي إلى أن الزواج مسألة متكاملة وعقد الزواج يجب أن يكون أكثر تفصيلا فهو عقد لمنظومة أسرة تبنى عليها في المستقبل الكثير من الأمور التي تعود على الزوجين والأسرة والمجتمع ككل، فالعقود الحالية شبه نموذجية فلا بد أن لا يشوب العقد أي عائق.
ويجب أن يكون بين إرادتين مكتملتي الأهلية وحرة، فلا بد أن يتفاوض الطرفان على هذا العقد فهو شريعة المتعاقدين اللذين يبنيان عليه حياتهما ولا يجب أن يكتفيا بالولي فهو لن يكون أحرص عليهما من نفسيهما.
وأشار الكميتي إلى ضرورة أن تشمل الدورات أيضا المأذونين الشرعيين ويطالب بالسماح للمحامين بإبرام عقود الزواج تبعا لخبرتهم العلمية والعملية واطلاعهم على القانون الذي يؤهلهم لهذا الدور، ولتوضيح حقوق الطرفين وصياغة عقود الزواج بفاعلية أكثر تضمن استمرار الحياة الزوجية.
ويقترح الكميتي أن يرتبط بهذا القرار رفع سن الزواج، لأن الزواج في سن مبكرة أبرز الكثير من حالات الزواج غير المسؤولة لكون الذين ابرموا العقود أولياء الأمور.
وبعد أن يصل الزوجان لمرحلة معينة بعد البلوغ قد يغير أحدهما رأيه في الطرف الثاني ويلجأ للطلاق بسبب عدم وجود الإرادة الحرة في الاختيار في فترة ما قبل البلوغ.
* أجيال سليمة
وأشاد الدكتور احمد الهاشمي وكيل وزارة الصحة المساعد مدير منطقة دبي الطبية بقرار إلزامية الفحص الطبي للمقبلين على الزواج في الدولة مشيرا إلى أن الكثير من أمراض الدم الوراثية يمكن الحد منها من خلال إجراء بعض الفحوصات الطبية البسيطة.
وقال: إن أمراض الدم الوراثية ومنها مرض الثلاسيميا وأنيميا الدم المنجلية تعتبر من الأمراض التي تنتشر بكثرة في مجتمع الإمارات بسبب زواج الأقارب .
مؤكدا أن قرار إلزام الفحص الطبي سيؤدي إلى أجيال سليمة خالية من الأمراض. وقال الدكتور الهاشمي إن معظم الدول التي تعاني من انتشار الأمراض الوراثية قامت بسن القوانين والتشريعات الملزمة للمقبلين على الزواج بضرورة إجراء الفحوصات الطبية لأمراض الدم الوراثية للحد من انتشار تلك الأمراض التي تستنزف الطاقات والإمكانيات.
وأشار إلى أن دولة قبرص التي كانت تعتبر من أكثر الدول التي ينتشر بها مرض الثلاسيميا أصدرت قبل 15 عاما قوانين وتشريعات ملزمة لجميع المقبلين على الزواج بضرورة إجراء تلك الفحوصات.
وبعد عشر سنوات تم إعلان تلك الدولة خالية من مرض الثلاسيميا إذ ان الحالات التي تم تسجيلها بعد صدور القوانين والتشريعات لا تزيد على أصابع اليد ولدرجة أن منظمة الصحة العالمية باتت تضرب بتلك التجربة مثالاً لا بل وتطالب جميع الدول التي تنتشر بها هذه الأمراض باتخاذ إجراءات مماثلة للحد من انتشارها.
متابعة: إبراهيم السطري ـ السيد طنطاوي ـ سامية حمودي وعماد عبدالحميد