المسكن الملائم والمستشفى أو العيادة الطبية المتكاملة والمدارس وتوفير مياه الشرب وشبكة الطرق المناسبة، كلها من ضرورات الحياة الآمنة والمطمئنة التي يحتاج إليها المواطنون في المناطق الجبلية أو البعيدة عن المدن والتي يُطلق عليها المناطق النائية ويقطنها أعداد كبيرة من المواطنين هم بحاجة ماسة وشديدة إلى هذه الخدمات.
«البيان» قامت بجولة في عدد من هذه المناطق في الإمارات المختلفة والتقت بأهالي هذه المناطق، فطالب البعض منهم بضرورة تشييد مساكن شعبية جديدة وبديلة عن التي يقطنونها بعد زيادة عدد الأبناء المتزوجين المقيمين مع آبائهم في هذه المساكن المتهالكة والمقامة منذ فترة زمنية بعيدة. كما طالب آخرون بتوفير مياه الري لإنقاذ نخيلهم وبساتينهم المحترقة من شدة العطش، إضافة إلى توفير المرافق الصحية والشوارع المعبّدة وإنارتها.
ما بين جبال رأس الخيمة وسهولها توجد مناطق نائية معزولة أو شبه معزولة عن غيرها بسبب غياب الخدمات الأساسية والمرافق الحيوية. لقد ظل أهالي تلك المنطقة يعانون الأمرين سنوات وسنوات فقصدوا القريب والبعيد وعرضوا مشكلاتهم على جميع الجهات والدوائر والمؤسسات ولكن لا حياة لنداءاتهم ولا ردود لشكواهم، لكنهم رضوا رغماً عنهم بما هم فيه من التجاهل والحرمان.
وبالرغم من معاناتهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم إلا أنهم تمسكوا بأراضيهم من إرث آبائهم وأجدادهم وقرروا ألا يغادروها ولا يقبلوا بغيرها بديلا لأي سبب من الأسباب، بغض النظر عن المقابل والبديل.
وسيظل أبناء هذه المناطق على هذا الوضع حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، لعل وعسى أن يكون للجهات التنفيذية وصاحبة القرار رأي وكلمة قولاً وفعلاً في تلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم.
منطقة »وادي كوب« كانت في السابق معزولة تماماً بسبب عدم وجود شارع يؤدي إليها لكنها استفادت الآن من شارع الطويين ــ دبا الذي يتفرع منه مدخل (وادي كوب).
وأهالي (وادي كوب) من قبيلة المزاريع ويبلغ عدد السكان فيها حوالي 500 نسمة تقريباً، أما منازلها فقد أكل عليها الدهر وشرب.
وإن استطاعت الصمود لمدة ربع قرن فإن أحداً لا يعلم ماذا يخبئ لها القدر مستقبلاً خاصة في ظل الظروف الطبيعية والوديان التي تحاصر المنازل أثناء موسم الأمطار.
وفي (وادي كوب) الحياة بسيطة وأهلها متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم وبمسقط رأسهم بالرغم من الظروف التي تعتريهم والتي خلفها تجاهل المسؤولين لهم.
أربع أسر في منزل واحد
محمد بن سعيد بن راشد المزروعي رجل مسن متزوج من امرأتين ويسكن في بيت بدائي عمره يقارب الربع قرن ويتساءل باستغراب:
أين مكرمة صاحب السمو رئيس الدولة التي أمر بها لأهالي المناطق النائية، لماذا نحن محرومون منها؟ وأضاف إن كل أربع عوائل تعيش في منزل واحد بـ »وادي كوب« والمنازل على حالتها المتردية هذه، فكيف لنا من سبيل؟
منطقة بلا خدمات
ويقول جمعة سيف المزروعي أحد أبناء (وادي كوب): إن المنطقة بلا خدمات ولا مدارس ولا صحة ولا إسكان.. إنني متزوج وأسكن مع إخواني في منزل والدي، لقد اجتمعنا أربع أسر في بيت واحد، مضيفاً:
ان مكرمة صاحب السمو رئيس الدولة أكملت عاماً كاملاً وراجعنا بشأنها جميع الجهات ولكن دون جدوى ونحن نلقي باللوم على الجهات التنفيذية المعنية بهذا الشأن، إن منازلنا عمرها 25 عاماً عبارة عن مكرمة من المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، الذي امتدت أياديه البيضاء إلى جميع بقاع رأس الخيمة آنذاك إضافة إلى المساكن الحكومية القديمة الأخرى.
ويتحدث جمعة عن البطالة فيقول: إن بنات »وادي كوب« عاطلات عن العمل، بحثن عن العمل ولم يجدنه، إن هذه المنطقة باختصار محرومة من كل شيء.
في انتظار المجمعات السكنية
عبدالله بن سعيد علي المزروعي تحدث إلينا بحماس منقطع النظير وتساءل: أين ذهبت المليار درهم مكرمة صاحب السمو رئيس الدولة، إن أغلب بيوتنا شُيدت في أواخر السبعينات ونحن نعيش في دولة حباها الله بالكثير وأسبغ عليها نعمه ظاهرة وباطنة فكيف يرضى لنا المسؤولون بهذه المعيشة؟
ويضيف عبدالله: نود أن يعلم الجميع أن برنامج الشيخ زايد للإسكان لم يستفد منه أحد في (وادي كوب) سوى ثلاثة مواطنين حصلوا على قروض للبناء والصيانة، لقد راجعنا وزارة الأشغال العامة والإسكان بدبي مراراً وتكراراً ودائماً ما يكون ردهم إن طلباتكم تُدرس في اللجنة، فأي لجنة هذه وعلى أي ساس تتخذ قراراتها؟
ثم يقول عبدالله: إن المخرج الذي تستعين به وزارة الأشغال لإسكات المراجعين هو ردها انتظروا المجمعات السكنية في منطقة أذن، حيث تشمل هذه المجمعات الموعودة المواطنين في مناطق (أذن)و (الغيل) و(وادي كوب) .
والمناطق الأخرى، ويعقب عبدالله على هذا الرد: حتى وإن صدقت وعودهم فإننا لن نترك منطقتنا ونتخلى عنها فهي جزء منا ونحن جزء منها. ثم إن هناك نقطة مهمة تتعلق بالأسر والعوائل وكبار السن، كيف لهم أن يتكيفوا مع هذه المجمعات الموعودة.
هل هناك محاباة؟
وانتقد عبدالله المزروعي الدوائر الحكومية في رأس الخيمة واتهمها بالمحاباة وقال عنها: إنها تركز على تطوير المدن وتهمل القرى والمناطق النائية، وهي بذلك تغرد خارج السرب وعكس اتجاه الإمارات الأخرى التي تعطي مناطقها النائية جُل اهتمامها.
عبيد علي محمد المزروعي أحد كبار السن في منطقة (وادي كوب) يقول: أي مجمعات سكنية هذه التي يتحدثون عنها، إننا لن نترك (وادي كوب) أحياء أم أمواتاً ولن ننتقل إلى منطقة أخرى مهما كان الثمن. ويواصل عبيد المزروعي حديثه:
ماذا حصلنا منهم، يكفي أن المسجد القديم الذي نصلي به تبرع ببنائه منذ سنوات طويلة مواطن كويتي والآن سيتم بناء مسجد جديد عن طريق أحد رجال البر والإحسان جزاه الله عنا خير الجزاء.
أريد الزواج.. ولكن
عمر عبيد المزروعي شاب في مقتبل العمل يقول: أود إكمال نصف ديني وتأسيس حياة زوجية سعيدة ولكن أين سأضع زوجتي ومنزل والدي لم يعد يتسع لنا، إنه من الطبيعي أن تحد هذه الظروف الصعبة من طموحات الشباب في التفكير بالزواج وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة العنوسة بين الفتيات وأوساط المجتمع.
مياه الوديان تحاصر المنازل
من جهته تطرق محمد عبدالله سعيد المزروعي إلى مشكلة أخرى يعاني منها أهالي منطقة »وادي كوب« وهي محاصرة مياه الوادي لمنازلهم أثناء هطول الأمطار، ويطالب في هذا الصدد بضرورة إنشاء سد لهذه المنطقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه كي لا تتأثر المنازل القديمة حفاظاً على سلامة وصحة الأهالي والأسر.
وأيد محمد مطالبات الأهالي بإنشاء مركز صحي أو عيادة وروضة للصغار إضافة إلى مدرسة ابتدائية.
المطابخ غرف للنوم
عبدالله سالم عبيد المزروعي وجه رسالة شديدة اللهجة إلى كل من يهمه الأمر قائلاً: متى ستشعرون بنا وتهتمون بأمورنا لقد طفح الكيل بنا، لقد حولنا المطابخ في بيوتنا إلى غرف للنوم، ليست لدينا حيلة أخرى، ماذا تريدون أن نفعل أكثر؟
وعلق أحد المواطنين في (وادي كوب) على المجمعات السكنية التي وعدت وزارة الأشغال بها أبناء المناطق النائية قائلاً: هل تريد منا بعض الجهات المسؤولة إخلاء منطقتنا وهجرها كي يحولوها إلى مصانع للكسارات؟
مهما كانت أهدافهم فإننا لن نتخلى عن منطقتنا ولن نتركها لأي سبب، فلا أحد يستطيع إجبارنا على فعل ذلك ونؤكد للجميع أننا لن نغادرها ولن نتخلى عن أرض آبائنا وأجدادنا.
نساء »وادي كوب«
وللنساء المواطنات في »وادي كوب« حق في وطنهن، لقد حرصنا على الاستماع إليهن فيما يخص احتياجاتهن ومتطلبات منطقتهن، فكان جوابهن وبصوت واحد، نريد أولاً مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم لتعلم القرآن وعلومه.
فنحن في أمس الحاجة إلى هذا المركز الذي سيكون فيه الأجر الكبير والثواب العظيم كي يتعلم أبناء المنطقة قراءة القرآن وتدبر معانيه.
ثم تطرقت نسوة »وادي كوب« إلى الخدمات الغائبة عن المنطقة وأولها الخدمات الصحية حيث طالبن بإنشاء مركز صحي باعتباره من الضروريات اللازمة في منطقة شبه معزولة تقع في وسط السهول والجبال.
وبعد الخدمات الصحية تحدثت أمهات »وادي كوب« عن التعليم وطالبن بإنشاء روضة لتعليم الصغار وأكدت على أن إنشاء روضة للصغار مطلب مهم وذلك لأن الصغار يجدون مشقة بالغة في قطع مسافة نحو 30 كيلومتراً ذهاباً وإياباً يومياً عبر الحافلات إلى أقرب روضة لهم في منطقة أذن.
واختتمن حديثهن بالمطالبة بمساكن لأهالي المنطقة التي تتكدس فيها ثلاث إلى أربع أسر في منزل واحد غير صالح للسكن.
ملعب لقضاء أوقات الفراغ
من ناحية أخرى أجمع عدد من أبناء (وادي كوب) على ضرورة إنشاء ملعب لكرة القدم كي يجد الشباب فيه متنفساً لقضاء أوقات فراغهم في تنمية مواهبهم وممارسة رياضتهم.
فالملعب الحالي الذي أنشئ بجهود أبناء المنطقة غير صالح أو آمن بسبب الحفر الرملية التي توجد في أرضيته والتي من شأنها تعريض اللاعبين للإصابات والانزلاقات.
تحقيق: وليد الشحي

