دخلت إيران في مرحلة حاسمة بعد أن دفع الغرب بملفها النووي باتجاه سياسة حافة الهاوية ، اثر قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إحالته إلى مجلس الأمن، وسارعة طهران بإعلان وقف التفتيش المفاجئ على منشآتها بدء من اليوم والتهديد باستئناف تخصيب اليورانيوم فضلا عن إعادة النظر في الخطة الروسية التي كانت بمثابة حل وسط للتغلب على الأزمة.
وقال ناطق باسم الوكالة إن القرار اعتمد بأكثرية 27 عضوا من بين الأعضاء الـ 35 ومعارضة ثلاثة هي سوريا وكوبا وفنزويلا وامتناع خمسة أعضاء عن التصويت هم الجزائر وليبيا وروسيا البيضاء واندونيسيا وجنوب إفريقيا.
وقال دبلوماسي غربي في فيينا إن مجلس محافظي الوكالة مرر قراراً رعاه الاتحاد الأوروبي بهدف زيادة الضغوط على إيران لتحسين مستوى تعاونها مع تحقيق الوكالة في برنامجها النووي شرط ألا يتخذ مجلس الأمن أي إجراءات ضد طهران قبل مارس المقبل موعد الاجتماع المقبل للوكالة لإفساح المجال أمام السعي الدبلوماسي لحل الأزمة.
وكان الدبلوماسيون قد توصلوا إلى تسوية في اللحظة الأخيرة بشأن صيغة قرار الوكالة الدولية في وقت سابق أمس بعد أن رفضت الولايات المتحدة في بادئ الأمر قبول تغيير يدعو إلى شرق أوسط خال من الأسلحة النووية. وقال دبلوماسي في فيينا ان هناك صيغة جديدة اتفق عليها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها وتقر بأن حل المشكلة الإيرانية سيسهم في تحقيق ما نسعى إليه من إيجاد شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل ونظم نقلها.
وقال سفير بريطانيا لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بيتر جينكنز ان القرار يبعث برسالة قوية أخرى إلى إيران وإنها رسالة قلق وافتقار مستمر للثقة في نوايا إيران النووية. وقال السفير الذي كان يتحدث نيابة عن الثلاثي الأوروبي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ان المجلس قرر لفت انتباه مجلس الأمن «إلى المسألة».. بحيث يستطيع مجلس الأمن إذا لزم الأمر بعد اجتماع المجلس المقبل في السادس من مارس ممارسة مزيد من الضغط على إيران.
وفى رد فعل سريع قال رئيس الوفد الإيراني إلى فيينا جواد وعيدي أمس ان بلاده ستستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق واسع ردا على قرار الوكالة الدولية، وستوقف فورا عمليات التفتيش الدولية لمنشآتها النووية رداً على قرار الوكالة. وأوضح وعيدي للصحافيين بعد التصويت: «بعد هذا القرار يتعين على إيران أن تنفذ فوراً قانونها البرلماني بتعليق التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن التفتيش المفاجئ ومواصلة التخصيب على نطاق تجاري الذي كان معلقا تماما حتى اليوم (أمس)».
وأضاف أن حكومته باتت مرغمة على استئناف التخصيب في نطنز على نطاق واسع. وفي مثل هذا الوضع حين يتم استئناف التخصيب في نطنز، ستتغير الظروف ولن يكون هناك أسباب كافية لمتابعة الخطة الروسية. وأضاف: «في هذا الوضع الجديد، علينا أن نعرف ما إذا كانت الخطة الروسية لا يزال لها معنى أم لا».
وفي وقت لاحق أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الروسية فلاديمير ان الاقتراح الروسي في شان دعوة الايرانيين الى تخصيب اليورانيوم في الاراضي الروسية لا يزال ساريا. ونقلت عنه وكالة ايتار-تاس الرسمية عن الناطق قوله «لا شك في ان دعوتنا الجانب الايراني إلى إجراء مشاورات في 16 فبراير لا تزال سارية».
وفي السياق نفت إيران صحة تقرير بثته وكالة مهر للأنباء عن إصدار الرئيس الإيراني أمراً باستئناف العمل في تخصيب اليورانيوم ردا على إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن. وقال ناطق باسم الرئاسة الإيرانية إن الرئيس محمود احمدي نجاد «لم يتخذ أي إجراءات جديدة اليوم (أمس)».
وأضاف الناطق أن الرسالة التي إذاعتها وكالة مهر للأنباء كتبها احمدي نجاد في أواخر العام الماضي بعدما أصدر البرلمان الإيراني في البداية قرارا باستئناف تخصيب اليورانيوم. وقال إن هذا المرسوم لم يصدر لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية، لكن التلفزيون الإيراني قال في وقت لاحق مساء أمس أن نجاد أمر بان يتم بصورة فورية إنهاء زيارات التفتيش المشددة التي كان يقوم بها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآتها النووية.
وقال التلفزيون إن الرئيس «أعلن إنهاء تطبيق البروتوكول الإضافي ابتداء من الغد (اليوم الأحد) في رسالة إلى رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية».
وفيما توالت ردود الفعل على قرار الوكالة الدولية للطاقة قال زير الخارجية البريطاني جاك سترو: ما زال أمام إيران فرصة حاسمة من الآن وحتى اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مارس للاذعان لهذا القرار الأخير باستئناف التعليق الكامل لأنشطتها المتعلقة بعمليات التخصيب والمعالجة واتخاذ الخطوات المطلوبة للرد على كل أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية المعلقة. وقال : «وإلا فلا مناص تقريباً من قرارات مجلس الأمن».
كما أبدت الولايات المتحدة أمس رضاها عن قرار الوكالة الدولية، وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك لوكالة فرانس برس إن «التصويت اليوم يوجه إلى إيران رسالة واضحة وغير ملتبسة بوجوب الأمتثال لالتزاماتها الدولية وتأخذ نداء المجتمع الدولي في الاعتبار». وفى تصريحات عنيفة ضد طهران، شبهت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أمس بأدولف هتلر، وقالت إن العالم يجب أن يتحرك الآن لمنعه قبل أن تتمكن بلاده من إنتاج قنبلة نووية.
وقالت ميركل في كلمة أمام كبار صناع السياسة في العالم في مؤتمر ميونيخ السنوي حول الأمن: «نحن نريد بل يجب علينا منع إيران من تطوير برنامجها النووي أكثر من ذلك». وأضافت «أن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء بشكل صارخ، أقول هذا كمستشارة ألمانيا. وان رئيساً يجادل في حق إسرائيل في الوجود ورئيسا ينكر المحارق النازية لا يمكنه أن يتوقع أن يلقى أي تسامح من ألمانيا».
وفي جلسة النقاش التي أعقبت كلمة ميركل قال نائب وزير الخارجية الإيراني عباس ارغشي إن بلاده لن تسمح بالتفتيش المفاجئ لمنشآتها النووية الذي يقوم به مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية وستعجل ببرنامج تخصيب اليورانيوم إذا رفعت تقارير بشأنها لمجلس الأمن.
وأعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي تحدث بعد ميركل عن تأييده للحلول الدبلوماسية، لكنه قال إن البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديداً خطيراً. وأضاف أن: «النظام الإيراني اليوم هو أكبر راع للإرهاب في العالم... العالم لا يريد إيراناً نووية ويجب أن يتعاون لمنع ذلك».
وردا على تصريحات رامسفيلد قال وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار أمس أن المسؤولين الأميركيين هم «إرهابيون» ويمثلون محور الشر. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن نجار وصفه رامسفيلد بأنها «وقحة». وأضاف الوزير الإيراني «بدلا من اتهام الآخرين، يستحسن برامسفيلد رد الاعتبار إلى الأميركيين في أفغانستان والعراق، لان الرأي العام العالمي لن ينسى أبداً تعذيب سجناء أبو غريب» في العراق.