بلغ غضب العالم الإسلامي ذروته أمس الجمعة حيال رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم عبر تظاهرات حاشدة أعقبت خطبا ملتهبة فوق منابر المساجد، منددة بالرسوم التي نشرتها صحيفة دنماركية، وأعادت المزيد من الصحف الأوروبية نشرها بذريعة حرية التعبير، والتي اعتبرتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والفاتيكان، أمراً «مهيناً ولا يراعي المشاعر»، لكن تلك المواقف لم تصل حد الإدانة. فيما قدم رئيس تحرير مجلة نرويجية أعادت نشر الرسوم اعتذاراً، معلناً عن تلقيه 25 تهديداً بالقتل.

وخرجت تظاهرات في معظم البلدان الإسلامية: مصر والعراق والأردن وفلسطين والبحرين وسوريا وإيران وباكستان وتركيا، وحتى العاصمة البريطانية لندن التي شهدت مسيرة حاشدة لآلاف المسلمين. وهتف المتظاهرون حسب لغاتهم: «بالروح بالدم نفديك يا محمد» و«بالروح بالدم نفديك يا إسلام». كما رددوا هتافات معادية للدنمارك». وفي سياق التنديد بالرسوم المسيئة دعا الداعية الإسلامي القطري المصري الشيخ يوسف القرضاوي في خطبة الجمعة إلى مقاطعة البضائع الأوروبية واستبدالها بالبضائع الآسيوية وسط أزمة الرسوم الكاريكاتيرية التي تتطاول على النبي محمد، «المتخاذلة التي تتحسس رضا أميركا».

وفي طهران وصف الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني الرسوم المسيئة بأنها «استراتيجية منظمة ضد المسلمين.» واستطرد رفسنجاني «إذا اعتبرت إهانة أقدس شخص لدى 1.6 مليار شخص حرية تعبير حينئذ يمكن أن يستفيد المسلمون أيضا من الحرية نفسها ويدخلون المسرح ضدكم (الغرب) بل (وبصورة) أسوأ مما حدث بالفعل». ونظم آلاف المصلين عقب أداء صلاة الجمعة مسيرات احتجاج للتنديد بالرسوم المسيئة.

وفرقت الشرطة اليمنية عشرات المتظاهرين في العاصمة صنعاء الذين تجمعوا عقب صلاة الجمعة في ميدان التحرير وهم يهتفون: «لا إله إلا الله.. الدنمارك عدو الله» و «يا شعوب المسلمين.. قاطعوا الدنماركيين». واستمرت التظاهرة أقل من خمس دقائق قبل أن تهرع قوات الشرطة وتفرق المتظاهرين. وقال مسؤولون أمنيون إن المسيرة لم تحصل على ترخيص.

وشهدت مدن البحرين تظاهرات عديدة انطلقت بعد صلاة الجمعة بدعوة من لجان وجمعيات إسلامية سنية وشيعية. وفي لندن، احتشد مئات المسلمين خارج السفارة الدنماركية وهم يهتفون «الدم الدم» و«اقصفوا الدنمارك»، واقتحم المحتجون مبنى السفارة.

في هذه الأجواء المحتقنة، أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك، بعد أن استقبل مدير مسجد باريس دليل بوبكر في القصر الرئاسي، أن «حرية التعبير» هي من «ركائز الجمهورية»، داعياً في الوقت نفسه إلى التحلي «بحس كبير بالمسؤولية والاحترام والاعتدال» بشأن قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد. وأفاد قصر الاليزيه إن شيراك «يدعو الجميع إلى التحلي بحس كبير بالمسؤولية والاحترام والاعتدال لتجنب كل ما يمكن أن يجرح معتقدات الغير».

ودعا رئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان إلى «التوفيق» بين «مطلب الحرية ومطلب الاحترام» وتجنب «كل ما يخدش المشاعر من دون جدوى وعلى الأخص على صعيد المعتقدات الدينية». ووجدت الولايات المتحدة الأميركية فرصة للاقتراب من العالم الإسلامي بقولها، على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية جاستن هيغينز، أن نشر الرسوم الكاريكاتيرية في الصحف الأوروبية يشكل تحريضاً «غير مقبول» على الحقد الديني أو الاتني.

وشدد الناطق على ان «هذه الرسوم تسيء حقا إلى معتقدات المسلمين»، وأضاف في تصريح لوكالة «فرانس برس»: «جميعنا نحترم كليا حرية الصحافة والتعبير ونقر بها لكن من الضروري أن تقترن بحس المسؤولية لدى الصحافة»، وقال إن «التحريض بهذه الطريقة على الحقد الديني أو الاتني غير مقبول. ندعو إلى تقبل الآخر والاحترام لجميع المجموعات ومعتقداتها وشعائرها الدينية».

إلى ذلك، قال وزير الخارجية البريطاني خلال مؤتمر صحافي مشترك في لندن مع نظيره السوداني لام اكول «اعتبر أن نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية مجدداً كان مهيناً ولا يراعي المشاعر وكان خطأ». وأشاد سترو بالإعلام البريطاني الذي أبدى «مسؤولية وحساسية كبيرة» بعدم إعادة نشره للرسوم. وقال «إن هناك محرمات في جميع الأديان».

كما انتقد الكاردينال في الفاتيكان اشيلي سيلفستريني بالرسوم المشينة الكاريكاتورية التي نشرتها صحف أوروبية للنبي محمد قائلا إن السخرية التي تجرح مشاعر الجماعات وأقدس رموزها مسيئة. وشدد على أنه يتعين على الثقافة الغربية أن تعرف حدودها.

وفي كوبنهاغن أعلن رئيس الوزراء الدنماركي اثر اجتماع دعا إليه جميع السفراء ان «الحكومة الدنماركية لا يمكنها أن تقدم اعتذارا باسم صحيفة حرة ومستقلة». وقال راسموسن للصحافيين اثر الاجتماع الذي عقده لشرح موقف بلاده من هذه الأزمة «اني سعيد بإبلاغكم ان السفراء عبروا عن تفهمهم للوضع وعن إرادتهم للمساهمة في شرح الوضع في الدنمارك وموقف الحكومة الدنماركية».

وكان رئيس الحكومة الدنماركي قال في مقابلة تلفزيونية مع قناة «العربية» انه «منزعج جدا» بسبب الاهانة التي شعر بها المسلمون في العالم بعد نشر الرسوم، مضيفاً: «استطيع أن أقول لكم إن الحكومة الدنماركية قلقة جدا إزاء ما يحصل حالياً لأن لدينا تاريخاً في التعاون السلمي مع العالم الإسلامي ونود أن يستمر ذلك». وأضاف «أما بالنسبة لي شخصياً، فأنا منزعج جدا بسبب ما شعر به المسلمون». وتابع رئيس حكومة الدنمارك «اعرف أن الصحيفة التي نشرت الرسوم لم يكن بنيتها الإساءة علما أنها قدمت اعتذارا واعتقد انه يمكننا التوصل إلى حل انطلاقا من هذه المعطيات».

وفي أوسلو اعتذر أمس رئيس تحرير صحيفة نرويجية أعادت نشر الرسوم المسيئة بعد تلقي عشرات التهديدات بالقتل. وقال فيبيوين سلبك رئيس تحرير صحيفة «كريستيان ماغازينت» النرويجية «الأمر يتصاعد باستمرار وأشعر بالخوف». وأضاف انه أعاد نشر الرسوم كتعبير عن حرية الرأي لكنه غير رأيه بعد تلقيه 25 تهديداً بالقتل معظمها من خلال البريد الالكتروني وآلاف رسائل الكراهية من خلال البريد. وأضاف «لو راودني حلم بأن شيئاً من هذا سيحدث ما كنت فعلت ذلك. الأمر خرج عن السيطرة». وتابع «انه ليوم مرعب الذي يضطر فيه صحافي للتراجع عن حرية التعبير لكن ذلك أكثر مما يجب».