استيقظ الميدان التربوي مؤخراً على خبر القبض على طالبين أثبتت تحريات الشرطة أنهما يقتحمان المنازل ويسرقان السيارات، مما كان له الأثر السييء على نفسي الطالبين اللذين وجه لهما الاتهام، مما يؤكد أهمية إعادة فتح ملف الانحرافات السلوكية للطلبة، وأولها السرقة لأنها مشكلة تتعلق بسلوك مرضي وتنتشر في أروقة بعض المدارس ولا يتنبه إليها أولياء الأمور أو المربون مبكراً، وبالرغم من كونها مشكلة تنشأ في الأصل نتيجة لقصور في تربية الأطفال وعدم إدراك خصائص نموهم واحتياجاتهم النفسية والتربوية إلا أن الحلول المتبعة والتي ترتكز في غالبيتها على العقاب بقيت عقيمة.

ونبهت «البيان» في تحقيق في عددها الصادر السبت الماضي من خطورة قضايا الطلاب الأحداث التي تحوّل مستقبلهم وتضع في أيديهم القيود، حيث بدأ الأمر يأخذ أبعادا أكثر خطورة تخطت أسوار المدارس من حب امتلاك الطلاب الصغار لما يحوزه غيرهم من هواتف متحركة أو مبالغ نقدية يستولون عليها خلسة وهو أمر حدث بالفعل خلال الأيام الماضية في أكثر من مدرسة، إلى إمكانية أن يتحول الطالب المتفوق إلى لص محترف يقتحم المنازل ويسرق السيارات، إذا لم يتم مواجهة الأمر بصراحة والتعامل بحكمة مع مختلف المراحل العمرية التي يمر بها الطالب وما يصاحبها من تغيرات فسيولوجية تدفعه لارتكاب أفعال دون أن يكون مدركاً لخطورتها.

وترى سناء عبد العظيم الاختصاصية النفسية في منطقة دبي التعليمية أن أسباب المشكلة تختلف تبعا للمرحلة العمرية التي يمر بها الطالب فنجد صغار السن لا يميزون بوضوح بين ما يمتلكونه وما يمتلكه الآخرون فيظنون أن ما يريدونه أو يجدونه هو حق مشروع لهم، أما في حالة الطلبة الأكبر سنا نجدهم يعمدون إلى السرقة لأنهم يعرفون نتيجة الفعل الذي يقومون به أو ما يطلق عليه عواقب السلوك وهنا يبرز دور الوالدين والتربويين في تعزيز التربية الخلقية للطفل وتعريفه بالقيم والمبادئ التي يجب أن يتحلى بها الفرد.

مشيرة إلى أن الخطورة تكمن عندما يسرق الطالب لمجرد العبث أو الإيقاع بالآخرين والانتقام مثلا خاصة إذا أصر الفاعل على إنكار الواقعة، وهنا يستدعي الأمر سرعة التدخل العلاجي المناسب من قبل الاختصاصي الاجتماعي والنفسي والأسرة والمعلم من خلال برنامج واضح ومحدد يقوم على معرفة الأسباب التي أدت إلى المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها.

وذكرت الاختصاصية النفسية أن مشكلة السرقة قد تشيع بين الذكور أكثر من الإناث نظرا لما يتحلى به الذكور من جرأة وإقدام ورغبة في التحدي و مواجهة المخاطر في حين تكون الفتاة أكثر ميلا إلى الهدوء والابتعاد عن المشاكل إلى حد ما، وأكدت سناء عبد العظيم على الدور الكبير الذي يلعبه العاملون في الميدان التربوي مع الأسر في إكساب الطلبة المفاهيم الخاصة بما هو له وما هو للآخرين وتعزيز قيم القناعة والاقتناع في نفوسهم إضافة إلى تحقيق الإشباع العاطفي لديهم الذي يمثل السياج الحامي من الوقوع فريسة الانحرافات النفسية أو السلوكية.

* أوضاع متردية

وأوضح علي كمال فريد الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة ابن حزم الثانوية في عجمان أن غالبية من يرتكبون جرائم السرقة في المدارس هم من ذوي الأوضاع المادية المتردية أو ممن تعرضوا لظروف قاسية مثل الفشل أو ضعف الروابط الأسرية، مشيراً إلى أن عدداً من طلاب المدرسة خسروا حياتهم ومستقبلهم الدراسي نتيجة لاحترافهم السرقة إذ قام طالبان في المدرسة بسرقة سيارات ومنازل وتم القبض عليهما، إلا أنه ثبت علميا أن حوالي ثلث الطلبة من الأطفال الذين يرتكبون جريمة السرقة في أيام الدراسة يتحولون إلى لصوص محترفين فيما بعد، كما ثبت أن حوالي 75 في المئة من محترفي السرقة قد بدأوا بسرقات صغيرة وهم على مقاعد الدراسة.

* دوافع وراء السرقة

وبين الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة ابن حزم الثانوية أن موضوع السرقة من القضايا التي تعاني منها المدارس كافة وبجميع المراحل خاصة مدارس الذكور الأمر الذي دفع العديد من الاختصاصيين الاجتماعيين أو النفسيين العاملين إلى إجراء دراسات دقيقة تبحث في جذور هذه الآفة لاقتلاعها، وعلى الرغم من كل الجهود إلا أن السيطرة تكاد تكون مفقودة لا سيما أن غالبية السرقات التي تتم لا يعرف مرتكبها إلا بالصدفة.

مشيراً إلى أن غالبية الذين يحترفون السرقة كانوا من اسر مفككة لا تلتزم بمبادئ الدين الإسلامي وتغيب فيها القدوة الحسنة. وقال علي كمال فريد إن الدراسات والأبحاث التي ناقشت هذه الظاهرة وبحثت في أصلها خلصت إلى أن حوالي ثلث الطلبة من صغار السن الذين يرتكبون جريمة السرقة على مقاعد الدراسة يتحولون إلى مجرمين مستقبلا كما ثبت أن حوالي75 من محترفي السرقة قد بدأوا السير في هذا الاتجاه وهم صغار.

* سرقة مرضية

وقالت مريم عبد الله اختصاصية اجتماعية إن السرقة ظاهرة كبيرة آخذة بالانتشار بين صفوف الطلبة بسبب زيادة مغريات الحياة وسيادة المظاهر وحب التملك وغياب القدوة وفقدان الوازع الديني لافتة إلى أن الأسباب وراء جرائم السرقة في أروقة المدارس ليست ذاتها في كل الحالات لكنها كثيرة ومتنوعة وتؤدي في النهاية إلى قيام الشخص بالاستيلاء على أموال وممتلكات الغير التي لا حق له فيها. وأوضحت أن السرقات التي تتم بين صفوف الطالبات هي بطبيعة الحال أقل في معدلها مع ما يحدث بين صفوف الطلاب وتنحصر في مواد معينة كالهواتف المتحركة أو المبالغ المالية.

وذكر محمد أبو وردة اختصاصي اجتماعي في مدرسة الحميدية الإعدادية في عجمان أن السرقة أمر شائع الحدوث في المدارس بدءا من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية مع اختلاف الأسباب في كل مرحلة، فطالب الصفوف الابتدائية عند أخذه لممتلكات غيره فإن السبب هو رغبته في تملك الشيء وعدم تفرقته بين ما له وما لغيره وبالتالي فإن التربية المشتركة بين الأسرة والمدرسة تخلص الطفل من هذه العادة.

أما في المرحلتين الإعدادية والثانوية فإن الطالب يصبح قادراً على تمييز الصواب من الخطأ، وبالتالي فإن إقدامه على السرقة هو مؤشر خطر يستدعي استنفار الهمم لبحث الأسباب وقطع الخط أمام هذا الطالب لأن السكوت أو التغاضي قد يولد مجرماً ضليعاً في المستقبل نكون جميعنا اشتركنا في جعله جانحا عن القانون.

فريال عقيلي معلمة في مدرسة الإسراء التأسيسية في الشارقة ترى أن الطالب يسرق مدفوعا بإحساسه بالحرمان كسرقة طالب لغذاء زميله أو مبلغ من المال لشراء الأشياء التي تنقصه، وقد يسرق تقليدا لرفقاء السوء دون أن يفهم عاقبة ما يقدم عليه، كذلك قد يسرق الطالب لأن البيئة التي تربى بها غير سوية ولا يوجد فيها منظومة من القيم والمبادئ، وفي بعض الأحيان يسرق ليلفت النظر إلى نفسه وليثبت شجاعته ومقدرته على فعل ما لا يقدر غيره على فعله أو يكون السارق مريضا يعاني من داء السرقة ولم يجد من يوجهه أو يعالجه ويكون فريسة سهلة للطلبة الآخرين الذين يوجهونه لارتكاب الجرم.

وشددت عائشة الفرهاد مديرة مدرسة الغافية التأسيسية في الشارقة على أن دور الأهل في محاربة آفة السرقة هو الأهم والأكثر تأثيراً إذ على الأسر الالتفات إلى ما يجلبه الطالب على البيت و معرفة من أين أتى به والتحقق من صحة قوله، مشيرة إلى أن دور المدرسة يتمثل في عرض الطالب إلى الاختصاصي الاجتماعي لمعرفة أسباب السرقة وإخطار الأهل بآلية العلاج المتبعة في مثل هذه الحالات.

استطلاع ـ نورا الأمير: