للأمم آجال تنتهي عندها كما أن للإفراد أعماراً تختم وتحسم حياتهم فالطفل في مرحلة الصبا يطول عمره وترتفع قامته وقد تعجز بعض الغدد الدرقية عن افرازاتها فيكون المرء قصيرا فما من أمة من الأمم الخالية إلا بادت وتلاشت آثارها الحسية وما بقي منها إلا آثارها المعنوية في نفوس الأمم التي تليها.
ولكن الأمة الإسلامية نما وأزهر فكرها وانتصر شرعها العظيم الذي هيمن على شرائع الأمم السابقة كل ذلك في ظل هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الموفين فقد هاجروا من أحضان أم القرى إلى أرض طيبة الخير والسلام والأمن والأمان تلك الأرض التي هي في جوف الصحراء تحفها البساتين بالأشجار المثمرة التي تختزن في أوراقها الحلوة المرة الماء العذب والخضرة الطيبة، فالهجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فعطاياها باقية لا تنفد ومقوماتها صالحة لكل زمان ومكان.
نعم كان للهجرة الأثر البالغ في انطلاق الحياة الهنيئة للبشرية اجمع ففي ظلها تبدلت أحوال الناس فكشفت عن وجوههم حجاب الظلام الدامس من الجهل المدمر وكست هذه الوجوه بنور الهداية والسعادة فما من حفرة عميقة بين الجماعات إلا وأهيل عليها تراب الوحدة والألفة والآية الكريمة بينت ذلك في قوله تعالى ( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَيَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) «آل عمران/103.
وفي حال التنازل الشاق أمر المسلمين بالرجوع إلى المنهج الرباني كما جاء في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً «النساء/59 وكذلك ما من نار كانت تلتهب في النفوس الشريرة إلا وصب في قلوب أفرادها الماء البارد النقي من شوائب التعصب فخفف ذلك السائل الحرارة الملتهبة بردا وسلاما على المسلمين فساروا في الطريق الآمن وحلوا رحالهم في الفلاء الخالي من الأحقاد والعصبية المريرة.
إن الهجرة الشريفة قد أضاءت لنا شعاعا لامعا الذي تولد عنه خروج صحابة أفذاذ حملوا في طيات ضمائرهم السليمة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى خلف الأمة فكان ذلك استمرارا لعطايا هذه الهجرة الشريفة فاغترف التابعون ومن جاء بعدهم من بحور العلم الوفير وهدي نبيهم المنير عليه السلام فكانوا للعلم مضحين ومن مواعظ الهجرة آخذين. فازدهر فقه الأمة في عصرهم فما من معضلة إلا وأوجد لها العلماء الربانيين حلولا مناسبة تراعي أحوال الرعية فهذه الحلول وقتهم من مخاطر الانزلاق في نزغات الشيطان الرجيم.
وها هي الهجرة تفجر لنا ينابيع الأرض فإذا هي تشقق الفتوحات الخالدة الباسلة فتعم رسالة الإسلام في بقاع شتى من العالم فقد وصلت إلى بلاد فارس والروم وأكمل التابعون ومن جاء بعدهم هذه الإنجازات العظيمة فحملوها إلى الهند والسند وبعض أقطار أوروبا وأفريقيا فما أروع هذا الجيل وما أرشده من سبيل.هذا والحديث عن الهجرة حديث ذو شجون لا يتسع المقام لسرده هنا.
فمخزون الهجرة وفير وعطاؤها غزير لا يضمحل في كل عصر ومصر فهي تعتبر ميلادا للدولة الإسلامية الفتية بعد أن كان الناس على العصبيات القبلية فكانت الذئاب تتناهشهم في الغابة من كل حدب وصوب، ولولا أن منّ الله علينا بنبي الرحمة صلي الله عليه وسلم لكنا بين قوانين الغابات وطبائع الوحوش المفترسة تتلذذ بلحومنا وأبداننا. فما هو الواجب علينا في هذا القرن الذي اجتاحته العواصف العاتية تهب عليه بعنف شديد تريد اجتياح الإسلام ومحو ثروته العظيمة.
إن الواجب علينا نحن المسلمين أن نستحضر من معاني الهجرة المباركة كل ما يخزي أعداءنا الألداء ويرد كيدهم في نحورهم، وأن نعمل على كل ما يساعدنا لاستئناف رسالتنا ودعم حضارتنا الخالدة والمحافظة على تراثنا الإسلامي الشامل، وعلينا (أن نقبل على الحياة المفروضة تجاهنا لنأخذ منها زادنا المادي، ونقبل على الدين الحنيف لنأخذ منه زادنا الروحي فنحرص على إيماننا بربنا أبد الآبدين وان نحرص كذلك على نصيب الحق الكريم من دنيا الناس).
وينبغي علينا أن نعلم بأن العلة الأولى في فساد التدين وتأخر أصحابه؛هي الجهل الثقيل الذي ضيق آفاق الحياة في أعينهم وافسد الذوق الإنساني في فطرتهم ووقفهم أمام نصوص الدين وهم لا يفقهون ما يعلمون، ويجب على المسلمين أن يصلحوا ضمائرهم الفردية فيستدركوا من بقية العمر الفاني وألا خسروا وخابوا ،ومصائب الأمة كثيرة وكالحة في الآونة الأخيرة فدواء تلكم المصائب والأحداث عندنا وحدنا برجوعنا إلى كتاب ربنا العزيز حيث أمرنا بذلك فقال جل شأنه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) «النساء/59 وقول النبي المهاجر صلي الله علية وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب ( ت 175 هـ ) (خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا به أبدا كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب ففي سنتي فما لم تجدوا في سنتي فإلى أولي الأمر منكم ). فهل ننصف أنفسنا وننقذ العالمين بتلكم النصوص.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي