قال الشيخ: عندما يسأل العلماء والفقهاء عن وسائل الميديا الحديثة كالتلفزيون والسينما والانترنت، يجيبون أنها مجرد «وسائل» يحكم فيها ويفتى بشأنها حسب مضامينها والرسائل التي تحملها وكيفية استخدامها، وهو كلام صحيح لا شك فيه، ولكن المشكلة الغالبة أن هذا الكلام الذي لا شائبة فيه كثيراً ما يكون كلام حق يراد به باطل عند أكثر من يتداولونه من العامة، والسبب هو أن المحتوى الفاسد والخبيث غلب ويغلب على أكثر ما تقدمه هذه الوسائل حتى ألف الناس الرذائل ولم تعد تقابل بالاستهجان المناسب، وأن الناس أو أكثرهم لا يحسنون التعامل مع هذه الوسائل، فهي مقدمة في حياتهم وحياة أولادهم دون وازع داخلي أو خارجي، حتى صار من الطبيعي أن يكون لكل منا وجبته اليومية من السموم التي تقدمها هذه الوسائل دون أدنى درجة من درجات الحياء.

ومن الواضح أن هذه الوسائل ليست مجرد «تكنولوجيا محايدة» فهي تحمل رسائل وتوزع قيماً وتكرس اتجاهات ومواقف، وبعيداً عن نظرية المؤامرة ـ مع كل وجاهتها ـ يمكن القول أن الغالب على اللغة السائدة في هذه الوسائل هو كل ضار ومؤذ، وهو كل ما يؤدي إلى التحلل والتفسخ والتشرذم والتقزم.

قبل أسابيع نشرت في الصحف نتيجة دراسة أجراها طلاب جامعيون عن استخدام الإنترنت في المنطقة العربية، وقد تبين فيها أن أكثر من 60% من مستخدمي الإنترنت يزورون مواقع فاسدة أخلاقياً، وأن أكثر من 25% من مستخدميها يزورون مواقع مشبوهة فكرياً وعقائدياً، وأن ال15% الباقية هي التي تحسن استخدام الانترنت في المجالات المعرفية والمهنية.

ولا يحتاج المتكلم اليوم لكبير جهد للدلالة على أن كل أو معظم ما يقدمه التلفزيون بقنواته الأرضية والفضائية التي تتكاثر كالسرطان كفيل بإفساد الأمة وأجيالها. فقد نزعت الأقنعة وجاهر الشيطان بنشره الفتن والرذائل، وتحول أكثر ما يعرض في التلفزيون إلى معاول تدك بنيان الأسر وتهدد أمنها واستقرارها، فضلاً عن هدر ساعات كثيرة من عمر الإنسان فيما لا فائدة فيه ولا طائل وراءه، وتضييع حقوق الله والعباد في سبيل لذات سرابية أو تخدير للأمة عن مآسيها التي تعيشها.

وها هي أجراس خطر تقرع من ناحية جديدة لعلها توقظ النائمين وتحيي الأموات. فقد أثبتت الدراسات الميدانية ارتفاع معدل هروب الفتيات من بيت الأسرة في السنوات الأخيرة، ومن أهم أسباب هذه الظاهرة «الفاجعة» المؤثرات الإعلامية السلبية، فهناك نماذج لفتيات مراهقات هربن من أسرهن بعد مشاهدتهن لأفلام تصور الإطار الأسري على أنه قيد، وأن التحرر منه انطلاق إلى عالم الرفاهية والنجاح، وهناك أحاديث كثيرة لفنانات تشير إلى أن سبب نجاحهن أنهن هربن من منزل الأسرة وعملن في الفن، كما أن عرض مسلسلات أجنبية لا تتفق ومجتمعاتنا يؤثر في سلوك العديد من المراهقات بعد أن يتحقق لهن الإقناع بضرورة التقليد والعيش بحرية وجرأة. (جريدة «البيان» العدد 5831، مايو 2004).

من جهته يؤكد الدكتور يحيى حسن أستاذ التربية بجامعة القاهرة: أن هناك حالة من التمرد تخلقها أجهزة الإعلام وما تفجره من تطلعات مادية كإغراءات العمل في الفن وما هو أفظع من ممارسات لا أخلاقية. أما عن العلاج فهو حسن اقتراب الأم من بناتها ومعاشرتهن بحزم ولين ـ مما ضيعته الحركات النسوية بتأكيدها على ضرورة خروج المرأة إلى العمل بغض النظر عن ظروفها الأسرية ـ يقول الدكتور أحمد المجدوب: أوجه حديثي إلى الأمهات العاملات اللواتي يفضلن العمل على رعاية أطفالهن بأنهن بذلك يوجدن وحوشاً ويزرعن القسوة في قلوب أبنائهن، فأولى بهن أن يتفرغن نفسياً واجتماعياً لرعاية الأبناء، ويتخذن وسائل إيجابية لمحاربة الهروب بانتقاد ما يعرض عبر وسائل الإعلام، ويحذرن بالأدلة مما قد تتعرض له الفتاة إذا فكرت في هذا الأمر (المرجع نفسه).

فإذا أضفنا إلى ذلك كله غياب التربية الدينية، وغياب الأب والأم عن البيت ومشاركتهما بناتهن أحياناً في الفرجة الأولى لما يعرض على التلفزيون، والصورة المشوهة لمفهوم الحرية عند كثير من الأسر حيث يتاح للأبناء والبنات مجالات من الحرية والاختلاط بالرفاق مع سوء بعضهم دون أدنى حذر أو حرص، تبين لنا أننا نزرع بذور الكوارث والمصائب في بيوتنا، ومن الطبيعي أننا لن نجني من هذه الزراعة شيئاً حميداً. أيوجد بعد كل هذا من يقول أن للفتيات والفتيان الحق في أن يروا كل شيء عبر التلفزيون وأن يطالعوا كما يشاءون صفحات الانترنت لأنها لغة العصر التي لا مفر منها؟!

ماهر سقا أميني