اعترف أساتذة جامعيون أن المخرجات الجامعية العربية لاتتوافق مع احتياجات سوق العمل وخصوصاً في دولة الإمارات التي تنمو بشكل متسارع يواكب المعطيات العالمية تقنيا وعلميا وعمليا في الوقت الذي بلغت نسبة تطبيق معايير الجودة في التعليم العالي في الدولة مابين 50 إلى 60% بينما لا تزيد عربياً على 25%.
وطالب الأساتذة بتحديد آليات تقويم جامعية ذات مصداقية للتأكد من تحقيق المخرجات المتميزة التي تتناسب ومهارات الأعمال المختلفة محلياً وعربيا، مؤكدين أن ذلك سيؤدي إلى الوقوف على نقاط القوة والضعف في المخرجات ويصل بالجامعة إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتغلب على أية سلبيات وتطوير المعايير الايجابية في مستويات الخريجين، ويجعل الخطط والبرامج والمساقات الدراسية أكثر فاعلية وجاذبية للطلبة للحضور والاندماج في أنشطة تلك المساقات واكتساب المهارات المنشودة من الدراسة ويربط محتوياتها بسوق العمل.
وأكد اساتذة ينتمون لكليات مختلفة ان الجامعات العربية بحاجة إلى التركيز على المنهجية العلمية في التخطيط والتنفيذ وربط احتياجات المجتمع بالبرامج الدراسية الجامعية بشكل أوسع من الأساليب المتبعة حاليا في معظم الجامعات.
وقالت الدكتورة مريم شناصي رئيسة قسم الصحة البيئية بكلية العلوم الصحية جامعة الشارقة، انه بعد الاستثمار الواسع في التعليم الجامعي وما قبله في الإمارات لا يمكن القول إن مخرجات التعليم الجامعي في الدولة ضعيفة ولكنها قد لا تتوافق مع احتياجات المجتمع الفعلية.
وإذا نظرنا إلى عدد الجامعات في الدولة سنجدها في معظمها تنتهج نهجاً عالمياً يتوافق مع المعايير التي تضعها وزارة التربية والتعليم ولا يقف عند هذا الحد بل يتطور مع الوقت، ولكن مخرجات التعليم تواجه مشكلة عدم تلبيتها للحاجة المستقبلية للدولة فبعض التخصصات بحاجة إلى إعادة نظر من حيث احتياجات سوق العمل وليس من ناحية المناهج وتطوير أداء الطالب كما أن دولة الإمارات تواجه مشكلة عدم توفر فرص العمل المناسبة للشباب من الخريجين والخريجات حيث ان بعض الخريجين لا تسنح الفرصة لهم إلا بعد مضي ثلاث سنوات وقد تمتد إلى عشر في بعض الحالات مما أدى إلى تعطيل المهارات الإبداعية وقدرات الخريج على العطاء ومن هنا تأتي حقيقة أن مخرجات التعليم في الدولة ليست ضعيفة بل تعاني بعض القصور في الأداء وتطوير بعض المهارات.
واعتبرت الدكتورة مريم أن مواجهة هذا القصور تتم بوجود نظام تعليمي متكامل ومعرفة احتياجات سوق العمل الحقيقية على المدى القصير والبعيد ومن ثم وضع برنامج تعليمي يتم من خلاله توظيف مهارات الطالب وتنميتها وتزويده بقيم إنسانية يرتقي من خلالها بمجتمعه فكريا وعمليا، مشيرة إلى أن التعليم ليس نقلا لمجموعة من المعلومات الجامدة وتلقينها للطالب أو تدريبهم على أداء مهمة محددة، بل هو عملية تحفيز للعقل والتفكير الابداعي وتغيير في سلوك الإنسان وأنه لتحقيق ذلك لابد من النظر في الهيئة التدريسية القائمة على استمالة الطالب وتطوير مهاراته كما أن الهيئة الإدارية ودوافع وقدرات الطالب والرغبة الشخصية له تلعب دورا في تجنب إخفاقه وضعف أدائه.
وقالت إنه من الضروري للارتقاء بمستوى الخريج توافر برامج الرعاية الشاملة للنواحي الاجتماعية والدينية والنفسية ولتحقيق الجودة في التعليم أيضا لابد من أن تتوافق أعداد الطلبة مع قدرة الجامعة على رعايتهم وتعليمهم.
* عدم وضوح الرؤية
ورد الدكتور عبد الرضا عبدالله أستاذ مساعد واستشاري الأمراض الباطنية ضعف المخرجات الجامعية إلى عدم وضوح رؤية الهدف من التعليم من قبل الإدارات المتعاقبة للمؤسسات التعليمية سواء على مستوى الجامعة أو ما قبلها قائلا إن جامعاتنا العربية تفتقد وجود منظومة متكاملة متصلة بالجامعات لمتابعة متغيرات العملية التدريسية ومدى قيامها على أسس فعالة ومتطورة، رابطا بين تلك الأسس ومخرجاتها واختيار عضو هيئة التدريس في الجامعة والكيفية التي يصل بها الطالب إلى الدراسة الجامعية.
وحمل عبد الرضا المرحلة الثانوية أسباب ضعف مستوى الخريج بقوله إن ارتفاع نسب النجاح في الثانوية إلى ما فوق ال90% ليس المعيار الدقيق لنجاح أو فشل الطالب في دراسته الجامعية لعدم تنمية المهارات الأخرى لديه مثل التحليل والاستنباط والبحث والمعارف الأخرى، مقترحا وضع المخرجات وأساليب التدريس والتقييم بمساق دراسي يصاغ بشكل مبسط للطلبة وعلى كافة المراحل الدراسية حتى يصبح الطالب ملما بأساليب التدريس والمادة التدريسية وأساليب التقويم بصورة عامة.
وفرق عبد الرضا بين الطالب في جامعاتنا العربية والطالب في أوروبا وأميركا من حيث البرامج الدراسية والرغبة في التحصيل الجيد بتأكيده أنها جميعا لصالح الطلبة الغربيين لتوافر الوسائل التي تعينهم على هذا النوع من التحصيل، موضحا أن جامعة الشارقة أخذت بزمام المبادرة في معالجة بعض مظاهر الضعف في المخرجات عن طريق عقد ندوات متواصلة ومنتظمة لفرص تنمية قدرات أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة مع بناء رؤية واضحة لرفع مستوى الخريج من التخصصات كافة.
* معايير الجودة
وربط الدكتور أحمد القيشي الشحي أستاذ الأدب العربي الحديث بين المخرجات الجامعية وضعف مستويات الخريجين وتطبيق معايير الجودة بقوله انه في الوطن العربي ككل تحتاج مخرجات التعليم إلى هيئات متخصصة لإخراج برامج تعليمية دقيقة تتوافق والمعايير العالمية، واتفق معه الدكتور سيف البدواوي أستاذ التاريخ العربي مضيفا أن عوامل الضعف تعود لمستويات إعداد وتهيئة الطالب للدراسة الجامعية في المراحل السابقة عليها.
ولم تزد نسبة تقدير الشحي لمستوى الخريج على 50% قد ترتفع إلى 60% لدى بعض الجامعات على حد قوله، وطالب ـ لرفع المستويات لتتناسب مع سوق العمل ومتطلبات العصر- بإعداد مناهج سليمة تخدم ليس فقط أهداف العملية التعليمية ولكن أيضا تنمية المهارات، والمداومة على رفع مستويات أعضاء الهيئة التدريسية سواء في ذلك كل المراحل الدراسية، بينما ركز البدواوي مطالبه على ضرورة الاهتمام بالأنشطة الجامعية التي تبني شخصية الخريج بالتوازي مع البرامج التعليمية.
* مسؤولية المجتمع
وعدد المحاضر في كلية الفنون الجميلة جاسم العوضي ثلاث مشكلات تؤدي من وجهة نظره إلى ضعف مستوى الخريجين محليا وعربيا، مقررا في توضيحه للمشكلة الأولى أن الخلل في النظام التعليمي الذي لا يخدم قطاعات المجتمع بشكل واضح ولا تحقق برامجه المطبقة مصلحة الخريج والمجتمع وإلا كان قد حدث التوافق بين متطلبات السوق وحاجة الخريج للعمل.
وضرب مثالا بتميز الإمارات في التطور العمراني والاقتصادي والفني متسائلا كم من الفنانين الإماراتيين الموجودين على الساحة يخدمون هذه القطاعات؟ وهل شبابها اقتحموا العمل الحكومي في مجالات الاقتصاد وساندوا فلسفته.
والمشكلة الثانية عنده أن لا شيء واضحاً في المجتمع العربي إذ أنه قد يوجد في أي بلد عربي أحد الحاصلين على دكتوراه من الخارج في الذرة أو في البيئة أو في الفنون أو في الاقتصاد ولا تتم الاستفادة منه ولذلك فالأمر في تقدير العوضي يتعلق بانفصال المجتمع عن الجامعة مطالبا بتحقيق التزاوج الصحيح بينهما برجوع الجهات المسؤولة والمؤسسات المجتمعية في مشكلاتها المتعلقة بمستويات الخريجين للجامعة وأن يتحمل أستاذها جزءا من المسؤولية تجاه تحسين نوعية وجودة وكفاءة العاملين من الخريجين، وتمثلت المشكلة الثالثة في تشخيص جاسم العوضي انعدام الهدف والرغبة في التعلم لدي الطلبة العرب وقوة تأثير الوالدين على توجهاتهم الدراسية في الجامعة الأمر الذي يضعف من مستوياتهم وبالتالي على كفاءاتهم.
تحقيق: فتحي عبد الكريم