توغلت الأزمة النووية الإيرانية أمس إلى مرحلة أكثر خطورة بعدما تخطت ساحة المناورات الكلامية إلى دائرة الفعل، عندما اتفقت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي وصاحبة «حق الفيتو» على رفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي، لكن موسكو سارعت إلى التوضيح بأن رفع الملف هو للاطلاع فقط، في حين ردت طهران بصلابة على هذه الخطوة بالتهديد بوقف عمليات التفتيش المفاجئ لمنشآتها ومواصلة تخصيب اليورانيوم محذرة من ان رفع الملف يعني نهاية الدبلوماسية، ورغم ذلك قالت مصادر ان ايران قدمت إلى الوكالة الدولية معلومات حساسة تتعلق بتصاميم رؤوس حربية نووية في محاولة أخيرة لتفادي رفع ملفها إلى مجلس الأمن.
واتفقت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن في وقت متأخر الليلة قبل الماضية على رفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، حسب ما جاء في بيان مشترك صدر في لندن، ورد فيه ان أميركا وروسيا وفرنسا والصين وبريطانيا «اتفقت على ضرورة ان يرفع الاجتماع الاستثنائي للوكالة الدولية للطاقة الذرية هذا الأسبوع، إلى مجلس الأمن قراره حول الاجراءات المطلوبة من إيران».
وأوضحت الدول الخمس التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) أنه «يتوجب على مجلس الأمن ان ينتظر تقرير المدير العام (للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي) إلى مجلس حكام الوكالة (...) قبل اتخاذ اي قرار لتعزيز سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وصدر البيان وهو الاول للدول الكبرى الخمس حول الملف النووي الايراني الشائك،في ختام مأدبة عشاء جمعت وزراء خارجية الدول الخمس في لندن.
وفي اول رد فعل اميركي صرح الناطق باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان بأن «هناك توافقا قويا في المجتمع الدولي فيما يتعلق بالتعامل مع هذه المسألة. التطور الذي حدث (الاثنين) يعتبر خطوة مهمة». وقال وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي انه اراد مع نظرائه «ان يوجه المجتمع الدولي رسالة صارمة بشكل موحد إلى السلطات الإيرانية التي يجب ان تدرك ان عليها تعليق نشاطاتها النووية الحساسة».
لكن الدبلوماسية الروسية سعت إلى التقليل من أهمية هذا الاتفاق. وقال مساعد المتحدث باسم الخارجية الروسية ميخائيل ترويانسكي في تصريح اوردته وكالة «ايتار تاس» ان وزراء خارجية الدول الخمس اتفقوا على «مجرد اطلاع» مجلس الأمن على نتائج الاجتماع الطارئ الذي سيعقده مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الثاني والثالث من فبراير.واضاف ان الاتفاق يقضي بـ «تأجيل اي تحرك محتمل (للمجلس) إلى مارس على اقرب تقدير عند انعقاد اجتماع جديد لمجلس حكام الوكالة».
ونقلت وسائل اعلام روسية عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قوله امس «اتوقع ان يزور ممثلون عن القيادة في وزارة الخارجية الروسية ونظراؤهم الصينيون طهران ليشرحوا الاتفاقات التي اقرت في لندن ويحضوا ايران على اعطاء ردود محددة على الاسئلة التي طرحتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
وفي المقابل لم تظهر طهران اي إشارة إلى تراجع في موقفها، اذ نقلت وكالة انباء «مهر» الإيرانية شبه الرسمية عن علي لاريجاني كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين قوله «في حال حدوث أي احالة أو ارسال تقرير إلى المجلس فسنكون ملزمين برفع كل الايقافات والتوقف عن تنفيذ البروتوكول الإضافي استنادا للقانون الذي اصدره البرلمان».
وفي وقت سابق قال ان «اطلاع مجلس الأمن الدولي على الملف الايراني او احالته عليه هو نهاية العمل الدبلوماسي وامر ليس ايجابيا على الاطلاق». واضاف «لا اريد استخدام كلمة مشين (...) لوصف قرار ارسال الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي بسبب (استئناف) نشاطات الأبحاث». وقال المسؤول الإيراني «اعتقد انه يمكننا التوصل إلى نتائج جيدة عبر المفاوضات لكن اذا اختار الاوروبيون طريقا غير سلمي (...) فلن يكون ذلك في مصلحتهم». وتابع «ننصحهم بمواصلة المفاوضات البناءة مع إيران».
وأوضح كبير المفاوضين الايرانيين في الملف النووي جواد وعيدي ان قرار استئناف نشاطات البحث النووي في مجال تخصيب اليورانيوم «لا رجوع عنه» معتبرا ان «نشاطات البحث حق ايراني غير قابل للتصرف». وأضاف ان هذه النشاطات «غير مرتبطة بإنتاج الوقود النووي في نطنز (وسط) بكميات صناعية وهي عملية لا تزال معلقة». لكنه رأى انه «يمكن ايجاد حل عن طريق المفاوضات بشرطين: اولا بقاء الملف النووي الايراني داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وثانيا عدم اغلاق باب الدبلوماسية».
من جهته قال مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية غلام رضا اغازاده، لوكالة الأنباء الطلابية (اسنا) ان «الأوروبيين لن يتمكنوا من ايجاد اساس قانوني في اطار نظام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحالة الملف الايراني على مجلس الامن الدولي وهذا يشكل اكبر صعوبة يواجهونها». مؤكداً «اعتقد انه يمكن التوصل إلى حل دبلوماسي لهذه الأزمة».
