أهالي «البدية» في إمارة الفجيرة مشاكلهم كثيرة وبلا نهاية، تمثلت في مساكن شعبية باتت تهدد حياتهم بعد أن هددت أموالهم من قبل في الصيانة والتعديلات، وأجبرت أصحاب المعاشات القليلة على الاقتراض من البنوك وبمبالغ كبيرة من أجل مواجهة سقوط الجدران والأسقف حفاظاً على أرواحهم وأولادهم. معظم أهالي المنطقة من كبار السن، ويتسلمون معاشات بسيطة من الشؤون الاجتماعية، لا تكاد تسد احتياجاتهم الأساسية من المأكل والمشرب، إضافة إلى عمليات ترميم للمنازل المتهالكة والآيلة للسقوط في أية لحظة.

وقد سعى أبناؤهم في ظل البحث عن الأمان والاستقرار باللجوء إلى السلفيات والقروض لإنقاذ أرواح أهاليهم ببناء غرفة صغيرة بسبب عدم توفر المساحة الكافية للشعور بقليل من الأمان لحظة هطول الأمطار التي تتساقط معها أسقف الغرف القديمة، وبالرغم من جمالية الموقع إلا أنه يفتقر إلى الخدمات الضرورية، كمركز للإطفاء أو مستشفى حكومي، أو أماكن للترفيه، كالحدائق أو المكتبات مما جعل الأطفال يستغلون أوقات فراغهم بالرسم على الجدران بكل الألوان ليعكسوا بذلك فن الفراغ والحرمان، ومن الأمور المحزنة اختفاء الشوارع ووجود طرق وعرة تتهالك معها السيارات الصغيرة، واختفاء الإنارة التي يصعب معها الرؤية في المنطقة بسبب تغلغل معظم المنازل بين الجبال.

* الحفر ومنازل «نهي»

مئات المنازل المتنوعة في منطقة البدية يقع بعضها على الساحل البحري والتي يطلق عليها (بدية البحر) وبعضها الآخر يوجد في داخل الجبال حيث يطلق عليها (نهي) والتي لا توجد حتى لوحة تدل عليها وكأنها منسية، ويعاني أهلها مشكلات صحية تتمثل في الأمراض الصدرية بسبب عمليات الحفر والتفجير التي تمنعهم من أبسط حقوقهم وهي النوم بهدوء، وحتى تجفيف ملابسهم يتم في داخل الغرف لتحاشي الأتربة والغبار المتطاير، وحتى الأطفال حرموا من اللعب بسبب آليات المشروع الضخمة التي تتسبب بسيل من الدخان والأتربة ليصبح الهواء ملوثاً يصعب استنشاقه يضطر سكانها إلى تنظيف مكيفاتهم شهريا بسبب تراكم الأتربة داخلها.

ويوجه أهالي «البدية» نداء إلى المسؤولين لانقاذهم من وقوع كوارث بسبب عمليات الحفر حيث ان منازلهم لا تتحمل ذلك.

يقول الوالد عبدالله سعيد الذيب (ضرير) انه يسكن في منزله منذ سنة 1981 ولديه عشرة أبناء والمنزل متهالك، وهو لا يمتلك المال من أجل صيانته فهو يعيش على الشؤون الاجتماعية التي بالكاد تسد احتياجات عائلته، يعشق الأرض منذ نعومة أظفاره فشب ليصبح مزارعاً يحرث ويروي الأرض، ولكن القدر أفقده نعمة البصر ليصبح أعمى، ومازال لديه بصيص أمل بأن ينال أبناؤه مسكناً شعبياً جديداً يشعرهم بالأمان بعد مكرمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله.

وارتسمت علامات الحزن على وجه الوالد سالم سعيد الحنطوبي الذي يعمل سائق باص مدرسة براتب 5000 درهم وقام باقتراض مبلغ 250 ألف درهم من البنك وهو الحد الأقصى لترميم منزله المتهالك وتصليح سيارته المعطلة باستمرار بسبب انعدام الطرق المعبدة ولسد احتياجات عائلته المكونة من 14 فرداً.

* خط الكهرباء يهددهم

ويصيح علي مبارك علوان: أنقذوني وعائلتي، من خطر الخط الكهربائي ذي التوتر العالي المقابل لمنزلي والذي سبق أن ظهر في أحد البرامج المحلية، مناشدا بضرورة انتشاله أو انتزاعه من أمام منزله والذي سيكلفه 30 ألف درهم، وهو الذي يعيل 21 فرداً من عائلته في مسكن شعبي قديم منذ 1974، لكن صيحاته لم يستجب لها أحد حيث أكد له بعض الاختصاصيين إمكانية تسببه بمرض دماغي خطير وتم نصحه بمغادرة الموقع في أسرع وقت.

وتقول الأرملة شيخة علي راشد إن منطقتهم منسية لا يوجد بها خدمات حتى البسيطة منها، كالشوارع والإنارة وحتى حاويات للقمامة والمنظر العام للمنطقة غير جميل حيث تملأه المهملات من كل جهة، مضيفة أن منزلها قديم جدا حيث تم بناؤه عام 1974 وأصابته الشقوق ولم يعد يحتمل الصمود، وأسلاك الكهرباء مكشوفة وتتسبب دائما بتماس كهربائي حين نزول المطر وتسربه عبر الشقوق، ما يستدعي فصل الكهرباء إلى أن يتم جلب شخص اختصاصي يقوم بتصليح العطل، وهي تعيل أربعة من أفراد عائلتها ولغاية الآن لا توجد سوى الوعود التي قد تتسبب لهم بكارثة.

ويقوم عبدالله سيف المرشد منذ سنة ببناء غرفة بسبب تهالك منزله فعند سقوط الأمطار لا يستطيع المقاومة فتملأ المياه الغرف وتتلف الأثاث وتتناثر الأسقف معلنة عن سقوطها، واحتياجه لحاوية قمامة جعلته يحول خزان المياه إلى حاوية بعدما فقد الأمل في أن تقدم البلدية لهم حاويات للقمامة.

وأرملة عبيد بن خميس تجلس في منزل هده الزمن ولم يعد يتحمل المزيد منتظرة حصولها على مسكن شعبي جديد لتشعر بالأمان والاستقرار.

ويقول أبو محمد من «البدية» انه حزين جدا بسبب عدم الاهتمام بمنطقتهم وهي التي تطل على البحر وخلفها توجد الجبال الشاهقة وتشتهر بمسجد «البدية الأثري» الذي يجذب العديد من السواح من مختلف المناطق رغم انه يفتقر إلى المواقف حيث تصطف السيارات على الطريق الضيق متسببة بحوادث خطيرة.

مضيفاً أن المنازل تطل على الشارع العام ويقطنها مستأجرون من العمالة الآسيوية وقد منع أصحابها من هدمها والبناء فيها ليضطروا للبناء عن طريق مشروع الشيخ زايد للإسكان داخل المناطق الجبلية المليئة بالحجارة التي تتسبب في أعطال كثيرة لمحركات السيارات وهذه العمالة تزرع الرعب في نفوس أهل البدية بسبب تجمعاتهم الكبيرة مستغربا إهمال البلدية التام لهم وعدم الاستجابة لصيحاتهم خاصة عند سقوط أمطار الخير الغزيرة وإغلاقها للطريق التي يصعب اجتيازها سوى بسيارة الدفع الرباعي، وعدم وضع أية لوحات تحذيرية تنبه السائقين بضرورة الحذر وتخفيف السرعة، وأيضا عدم إزالة الأشجار الجانبية فقد أصابها التلف بسبب الحوادث المتكررة التي تقع في المكان ذاته إلا أنهم مرغمون على دفع 500 درهم (الحق العام) لتصليح ما أتلف ولكن يبقى الحال على ما هو عليه، والمبلغ يذهب إلى حساب الدائرة المعنية.

* الجبال مكبات للنفايات

ويضيف سعيد عبدالله أن الوضع لا يطاق وأن الوعود لا تتحقق فهم يعانون من الإهمال الواضح، فلا توجد لديهم شوارع معبدة وإنارة تضيء الطريق، والجبال التي خلف المساكن تحولت إلى مكبات للنفايات لعدم وجود حاويات للقمامة، والخدمات معدومة وان تعرضوا لحريق وجب عليهم الانتظار لحضور إطفاء خورفكان.

ومركز الشرطة يعاني نقصاً في المستلزمات والأدوات الضرورية ويفتقر إلى الخبرة في عمليات الإنقاذ والعيادة الطبية لديها نقص في الخدمات والأدوية وتفتح من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثانية ظهرا ثم من الساعة الرابعة عصراً إلى السابعة مساء، ومستشفى خورفكان لا يستقبلهم للعلاج أي أن عليهم المعالجة في مستشفى الفجيرة الذي يبعد عنهم 30 كيلومتراً متسائلا: لماذا لم تطل منازل أهالي البدية أية صيانة إلى الآن بالرغم من نداءات ساكنيها الذين يعيشون في ظروف صعبه متمنياً أن يعيشوا الاستقرار والأمن في أسرع وقت قبل وقوع كارثة، وهذا الاستقرار يتحقق بفضل مكرمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله لإمارة الفجيرة ومناطقها النائية.

* منزل عمره 32 عاماً

ويقول الوالد سعيد علي خصيف: لقد قدمت للحصول على منزل منذ سنة 1995 وللآن لم أحصل عليه وأعيل 14 فرداً في منزل قديم عمره يقارب الـ 32 سنة، وباءت محاولاتي بالفشل واستنفدت كل أموالي من أجل ترميم وصيانة المنزل. وجاره محمد بن سيف خليفة يعاني هو الآخر من عملية الترميم والصيانة بالرغم من أنه يتسلم 2000 درهم من الشؤون الاجتماعية وينتظر الاهتمام به وبأسرته أكثر، فهم يصارعون الخطر، والحياة الصعبة الخالية من أية خدمات، والمليئة بالإهمال وتزداد معاناتهم مع وجود عمليات الحفر بجانب مساكنهم لتمتلئ بالأتربة والغبار بسبب الآليات الثقيلة وتكسير الجبال للحصول على الحجارة من أجل أحد المشاريع السياحية، مضيفاً انهم ليسوا ضد أي مشروع سياحي وإنما ضد التضحية بالأرواح البشرية في حين أن الاختيارات متعددة والأماكن الجبلية متوفرة وبعيدة عن الأحياء السكنية.

ويؤكد سعيد عبدالله موظف محلي أن المنزل لا يستطيع المقاومة، فقد مر عليه أكثر من 30 عاماً وراتبه ضعيف لا يغطي مصاريف الصيانة، فهو بالكاد يستطيع سد احتياجات عائلته المكونة من 9 أفراد، وطرقهم غير المعبدة تتسبب لهم بالكثير من المشكلات، فعند عبور باصات المدارس تمتلئ المنازل بالغبار الكثيف ناهيك عن السيارات الصغيرة التي تجاهد من أجل المرور على الطريق الوعرة خوفاً على السيارة التي تمثل الضرورة القصوى لسكان «البدية» التي تساعدهم على التنقل من مكان لآخر في منطقة تخلو من أية خدمات وتعيش فقراً في الاهتمام.

* أمثلة صارخة

ولم يفقد عبدالله علي الخزيمي الأمل في تعديل وضعهم في ظل رعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله الذي يسعى إلى تحسين أوضاع المناطق النائية التي تشهد نقصاً في الخدمات الضرورية، وتعاني من مشكلات في المساكن الشعبية القديمة التي قام ببنائها المغفور لهما الشيخ زايد والشيخ راشد رحمهما الله في بداية الاتحاد، فهو متقاعد يتسلم راتباً وقدره 6000 آلاف درهم وأربعة آلاف تخصم للسلفية التي قام بسحبها من أجل عمل تعديلات على المنزل الذي بات لا يستجيب حتى للأصباغ التي تخفي الشقوق من على الجدران، ويتمنى أن تلاقي صيحاتهم الاستجابة السريعة خاصة عند التعرض إلى عوائق في الطرق.

قال: إن هناك مشاكل في المنزل تستدعي السرعة وعدم التباطؤ في إتمامها، تلافياً لحصول تماس كهربائي أو حدوث حريق مفاجئ. ومنزل أيتام علي محمد سعيد هو الآخر يعاني من أسلاك الكهرباء التي تزين جدران الغرف وتهدد أرواحهم، حيث تقول أرملته: إن الظروف صعبة للغاية والمنزل قديم وكل أسقف المنزل تتساقط مهما بذلوا من جهد لإخفائها، مشيرة إلى أن حالتهم المادية صعبة حيث إنها تعيل اثني عشر فرداً براتب ضئيل لا يتسنى لهم معه ترميم منزلهم المتهالك.

الوالد سعيد حمدان سعيد ما زال يسدد القرض الذي بلغ 180 ألف درهم ليتبقى له 1800 درهم لسداد احتياجات عائلته المكونة من أربعة عشر فرداً، وترميم منزله القديم من راتبه التقاعدي آملاً أن تسارع السلطات في إعطائهم مساكن شعبية جديدة بطرق معبدة لتسهيل حركة مركباتهم وتوفير الخدمات الضرورية من صحة وتعليم وترفيه.

تحقيق: عائشة الكعبي