يعاني 108 آلاف عامل يقطنون 592 تجمعا سكنيا في منطقة « المحيصنة والمعروفة باسم «صونابور» من احتمال انتقال الأمراض إليهم من مكب النفايات الذي يزيد عمره على 30 سنة والذي لا يفصل بينه وبينهم سوى 50 متراً، فيما أعلنت بلدية دبي عن إلغاء خطة نقل مكب النفايات من المحيصنة إلى منطقة ورسان.

بعض هذه التجمعات تنطبق عليها شروط السلامة والأخرى تفتقر لمقومات السكن الآدمي، وهي في مجملها غير صالحة للسكن بقدر ما هي بيئة خصبة لانتقال الأمراض وتفشي الأوبئة كونها مجاورة لمكب النفايات الذي يعد مائدة دسمة لعشرات الآلاف من طيور «النورس» التي تعتبر أحد ناقلي إنفلونزا الطيور، إضافة إلى مستوى الوعي الصحي المتدني للعمال والشروط الصحية التي يعانون منها في مساكنهم.

«البيان» قامت بزيارة المنطقة للإطلاع على شكوى العمال المتضررين من قرب «مكب النفايات».

طيور النفايات

أكد ريتشرد تومي عامل مقيم في منطقة سكن العمال «صونابور» منذ سنتين خشيته من انتقال الأمراض الوبائية بسبب مكب النفايات القريب من مجمعات السكن، وأبدى تخوفه من توفر الجو الملائم لتواجد مرض «إنفلونزا الطيور» بسبب الأعداد الكبيرة من طيور النورس التي تتجمع بالآلاف وتقتات من النفايات، وأوضح أنه من المرجح ألا تتوانى هذه النوارس الجميلة في نقل الأمراض والتي قد يكون منها «إنفلونزا الطيور».

وأكد استياءه من قرب مكب النفايات من سكن العمال واعتبره إساءة واضحة وعدم اكتراث للعمال وإهمالاً لهم، وعدم احترام لحقوقهم التي من المفترض أن تراعى في ظل التطور الذي تشهده الدولة على المستوى الصناعي. وطالب ريتشرد بلدية دبي بنقل المكب إلى خارج حدود إمارة دبي لأنه يعد من المظاهر غير المتحضرة كونه يقع قرب سكن يجمع عشرات الآلاف من العمال ويقع بين مناطق سكنية عدة كعود المطينة ومنطقة المزهر ومنطقة المحيصنة.

اعتادوا الرائحة فلم يشعروا بها

وأكد رافي لالي عامل أنه من الصعب وصف الرائحة الكريهة التي تفوح من مكب النفايات، وخاصة عندما تهب الرياح باتجاه السكن وهو ما يدفعهم لإغلاق النوافذ طيلة الوقت، حتى أن الرائحة تدخل عليهم من نوافذ المكيفات، وأوضح أن بعض العمال اعتادوا على الرائحة، وكثيراً منهم لم يعودوا يتأثروا بها لأنهم استنشقوها بما فيه الكفاية لتصبح أمراً اعتيادياً.

وأضاف ان هناك العديد من المشكلات التي تصيب العمال بسبب قرب المكب منهم وأكثرها ضررا هي الأمراض التي من الممكن أن تنتقل عبر الهواء كالأمراض الجلدية والصحية العامة.

البعوض ومشاركة السكن

وأشار بابو ساري الذي يسكن في المنطقة منذ سنتين أنه تأذى كثيراً من الرائحة الكريهة وخاصة عندما تحرق النفايات، وأن الرائحة تنتشر بشكل كبير وقت الصيف وأن معظم السكان يعانون من وجود الحشرات الطائرة مثل «البق» و«البعوض» و«الذباب» التي أصبحت شريكة العمال في سكنهم. وأوضح بابو أنه أصيب بأمراض جلدية ما زال يعاني منها بسبب البيئة الملوثة القريبة من مكب النفايات.

طريق النفايات إلى الشارقة

وأكد داجو جوني استغلال مكب النفايات كطريق مختصرة للوصول إلى الشارقة عبر صعود جبل النفايات واجتيازه وصولاً إلى دوار آل«ناشيونال» بإمارة الشارقة وأن استخدام «طريق النفايات» يأتي بسبب عدم توفر مواصلات عامة ورخيصة وكافية للعمال، وان المدة التي تفصل بين «جبل النفايات» ودوار ال«الناشيونال» في الشارقة 30 دقيق مشياً على الأقدام، وأشار إلى أن استخدام هذا الطريق يوفر انتظار ساعات طويلة للحصول على مركبة تنقلهم إلى الشارقة وتوفر عليهم المال.

وأوضح أنهم يقفون ساعات عدة في انتظار الحافلات العامة المتوجهة إلى دبي وقد يقف أحدهم ساعتين أو ثلاث ساعات خلال أيام العطلات الأسبوعية أو يلغي، سفره إلى دبي، بسبب عدم استطاعته ركوب الحافلة المزدحمة.

جبل النفايات لن ينتقل

أكد ناجي الرضي رئيس قسم معالجة النفايات ببلدية دبي إلغاء نقل مكب نفايات المحيصنة رغم بلوغه سن الشيخوخة (30 سنة)، بسبب ارتفاع معدلات النفايات العامة في دبي بنسبة 33% عن العام الماضي، حيث كان من المقرر نقله فبراير الجاري، بعد تشغيل محطة فرز النفايات العامة بمنطقة «ورسان».

وأشار إلى أن قرار إلغاء نقل مكب المحيصنة الذي يستوعب يومياً بين 1000 إلى 1500 سيارة مختلفة الأحجام من النفايات جاء بناء على دراسة أظهرت ارتفاعاً كبيراً في نسبة زيادة النفايات الأمر الذي لم يكن متوقعاً، حسب زيادات الأعوام الأربعة السابقة التي لم تصل في مجملها إلى 50%، مما استوجب استمرار مكب نفايات المحيصنة لاستيعاب الزيادة المطردة لحين إيجاد حلول بديلة.

وأوضح أن التوسعات الجديدة ك«نخلة ديرة» دفعت الإدارة لعمل دراسات مع الشركة القائمة على محطة الفرز في «ورسان» لإضافة خطوط فرز جديدة سواء في نفس المنطقة أو في منطقة جبل علي وان الحاجة إلى مواقع مستقبلية جديدة فكرة مطروحة للدراسة لاستيعاب كمية النفايات التي من المتوقع أن تكون كبيرة.

وعن مراقبة مواد النفايات أضاف ناجي أن هناك محطة تجريبية تقوم بعمل دراستين سنويا للنفايات التي ترد للموقع للتعرف على نوعية النفايات والتغيرات التي تطرأ عليها وتستمر الدراسة 40 يوماً يتم خلالها أخذ عينات عشوائية من المركبات التي تجلب النفايات.

ندفنها ولا نحرقها

وأشار إلى أن آلية العمل في المكب تبدأ بضغط النفايات في الموقع وفرش الرمال عليها ومن ثم ضغطها مرة أخرى لمنع تحلل المواد وتحولها لغاز «الميثان» القابل للاشتعال، والذي يسبب اختناقاً في حال انتقاله والذي يتولد تلقائياً بسبب تحلل المواد.

ونفى رئيس قسم معالجة النفايات أن يكون هناك عمليات حرق للنفايات ونوه إلى أن الحرائق التي تحدث هي تلقائية وطبيعية في جميع مكبات النفايات في العالم، وتحدث بسبب تحلل بعض المواد القابلة للاشتعال وتتم السيطرة عليها بالسرعة اللازمة.

لا آثار لغاز «الميثان» السام

وأكد ناجي عدم وجود آثار لغاز «الميثان» السام في جبل نفايات المحيصنة وأشار إلى أن قسم حماية البيئة والسلامة قام مؤخرا بحفر آبار في الجبل «المكب» وأخذ عينات من أسفله ومن المياه الجوفية وأحالها للدراسة وأظهرت خلو جبل النفايات من غاز «الميثان» أو تلوث المياه الجوفية به.

ونفى وجود أي حالة إنفلونزا بين الطيور التي تتجمع بمئات الآلاف فوق النفايات وأوضح أن هناك تعليمات مشددة للعاملين في الموقع في حال رؤيتهم لطير نافق حيث يقوم مختصون بقسم حماية البيئة بالحضور للموقع وأخذ الطير النافق وإجراء التحاليل له للتأكد من أسباب نفوقه.

وأكد أن بعض عمال الموقع يعملون منذ أكثر من 10 سنوات في نفس المكان ولم يصب أحدهم بمرض بسبب النفايات وحالتهم الصحية جيدة.

500 مليون درهم تكلفة محطة «ورسان»

وأشار إلى أن كلفة محطة فرز النفايات في منطقة «ورسان» بلغت 500 مليون درهم. وأوضح أن ارتفاع التكلفة جاء بسبب توفير تقنيات إضافية للتعامل مع المواد المرفوضة التي لا يمكن الاستفادة منها، والاستغناء عن 700 من الأيدي العاملة واستبدالها بالآليات واستخدام تقنيات متطورة لم يسبق استخدامها من قبل على مستوى العالم.

وأعلن أن العمل في المحطة سيبدأ نوفمبر المقبل والتي ستعمل على استيعاب 4 آلاف طن من النفايات يوميا وتعد المحطة الأضخم على مستوى العالم من ناحية سعة المعالجة واستخدام تقنيات متطورة وأن السنوات العشر الأولى ستكون كفيلة برد رأس المال.

الخطورة في ارتفاعها على شكل جبل

من ناحيته أكد الدكتور جمعة بلال مدير إدارة مكافحة الأمراض السارية بوزارة الصحة أنه في حال تم معالجة النفايات ودفنها بالطرق العلمية فإن احتمال خطورتها تصبح ضعيفة.

وحذر د. جمعة من احتمال تسرب الغازات التي تتولد من النفايات خاصة في حالة ارتفاعها عن مستوى سطح الأرض وتكتلها على شكل جبل الأمر الذي يعرضها للانكشاف وتسرب الغازات الموجودة بينها في حال هبوب الهواء أو العواصف. وأشار إلى أنه في حال تم التأكد من عدم تطبيق شروط الدفن العلمية والصحيحة فإن أضرارا صحية قد تصيب أصحاب المناطق القريبة منه وفي هذه الحال يجب نقله إلى خارج الإطار السكني للمدينة.

وطالب بمراقبة الطيور التي تتواجد بكثافة في المكب والتي تنقل مرض «السالمونيلا» الذي يسبب التسمم للبشر واستبعد أن يتم نقل مرض إنفلونزا الطيور عبر طائر النورس. وأكدت د. مريم الفلاسي منسق قسم الصحة البيئية بجامعة الشارقة المخاطر الصحية التي قد تتسبب بها النفايات في حال تواجدت بقرب المناطق السكنية، حيث تنتج عنها مجموعة من الغازات التي تتفاوت خطورتها وآثارها الصحية، فبعضها يسبب الصداع وضيق التنفس والتهاب القصبات والشعبيات الهوائية وارتخاء العضلات وإضعاف القدرة على التركيز والتفكير كما تؤثر على فاعلية الجهاز العصبي المركزي بشكل عام.

وأوضحت أن بعض الغازات الناتجة عن النفايات تسبب الطفح الجلدي وسرطان الجلد والرئة وقد تظهر آثار حرق النفايات على المرأة الحامل وعلى تطور الجنين، مما قد يسبب التخلف العقلي وبعض الإعاقات والتشوهات الخلقية.

وأشارت د. مريم إلى أن كمية النفايات في الدولة آخذة في الارتفاع نتيجة النمو الحضاري والاقتصادي والتجاري ومضاعفة أعداد المنشآت الغذائية، وما ينتج عن المطابخ من مخلفات في الوحدات السكنية والفنادق والأسواق ونفايات المستشفيات والعيادات الطبية والمختبرات البحثية.

كتب محمد زاهر: