المناطق النائية في إمارة رأس الخيمة تئن من وطأة الإهمال والنسيان وتشكو لوعة الهجر والحرمان، فمنها من زحفت إليها بعض من الخدمات، وغيرها تحبو إليها خطوات التنمية على استحياء وأخرى محرومة من كل شيء ومعزولة عن مدن ومناطق الدولة، والضحية دائما هم ابناؤها وسكانها.

الغيل، اذن، اعسمه، مسافي، دفتا ـ وادي غليلة وادي كوب ـ المنيعي ـ وادي اصفني ـ كدره ـ شوكه وغيرها ومثيلاتها من المناطق والقرى النائية في رأس الخيمة تشابهت مطالبها وتعددت احتياجاتها وكثرت آمالها التي طال انتظارها. وبالرغم من أن الماء والدواء ومسكنا للإيواء من أولويات متطلبات واحتياجات تلك المناطق إلا أنهم في أمس الحاجة كذلك إلى الخدمات الأخرى الأساسية والحيوية.

«البيان» جابت الشوارع والطرقات وتجولت بين الجبال والسهول والوديان لتطرق أبواب المواطنين بدون مواعيد مسبقة أو برامج معلنة بل جاءت زياراتها إلى هذه المناطق عفوية لتنقل أصوات أبنائها ومطالبهم إلى الجهات المسؤولة والمعنية لعل وعسى أن تسمع شكواهم وتتبدل أحوالهم.

منطقة الغيل تحتضن مع اذن والمناطق المجاورة لهما أبناء قبيلة المزاريع، وقائمة تلك المناطق واحتياجاتها من الخدمات والمشاريع تطول وتطول.

* الخدمات الصحية

المواطن راشد علي عبيد راشد المزروعي أحد أبناء منطقة الغيل يلخص لنا احتياجات المنطقة فيقول: إن المنطقة في حاجة إلى خدمات عدة وأولها وأهمها الخدمات الصحية وهي الأساس حيث لا يوجد مركز صحي في الغيل الأمر الذي يشكل عائقاً أمام الأسر في حالة احتياجها للخدمات الصحية خاصة في فترة الليل، وفي ظل غياب الأبناء وأرباب الأسر بحكم ظروف عملهم في أبوظبي والإمارات الأخرى، فكيف تستطيع النساء التصرف في مثل هذه الظروف؟ وتابع راشد حديثه: إن الغيل بحاجة ماسة أيضاً إلى مدرسة ثانوية للبنات أسوة بالبنين، فعدد البنات كبير ويجب على وزارة التربية والتعليم أن تعي أهمية هذا الموضوع.

وتطرق الشهياري إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتيها حيث أشار إلى أن الغيل تعاني من ندرة المياه ولا يوجد فيها سوى سد واحد صغير، والمطلوب من الحكومة بناء عشرة سدود على الأقل يتم توزيعها على منطقتي الغيل واذن والمناطق المجاورة لهما، وبما أن المياه الجوفية في استهلاك مستمر فإن بناء السدود سيحل المشكلة وسينعش القطاع الزراعي بحكم أن الغيل منطقة زراعية من الدرجة الأولى. ويوضح الشهياري المزروعي أن المنطقة تعتمد حالياً على المياه التي توفرها الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء والتي تشتريها من مزرعة أحد المواطنين وتقوم بضخها إلى المنازل. ويؤكد أن هذه المياه لا تكفي أهالي المنطقة خاصة في فصل الصيف.

وطالب راشد الشهياري ووالده علي عبيد الشهياري مسؤولي الدوائر المحلية في رأس الخيمة كالبلدية والأشغال والأراضي افتتاح أفرع لها في الغيل أو في منطقة اذن على أقل تقدير وذلك لأن اذن تقع في موقع وسط ويمكن أن تستفيد المناطق الأخرى القريبة منها من موقعها في حالة توفر هذه الخدمات بها، وأَضاف: نحن لا نطالب بأفرع لهذه الدوائر بقدر ما نطالب بمكاتب صغيرة تقوم بتخليص معاملات المواطنين وتريحهم من مشقة وعناء التنقل إلى المدينة وقطع مسافة تزيد على المئة كيلومتر ذهاباً وإياباً.

ويتمنى راشد الشهياري المزروعي إنشاء جمعية تعاونية في الغيل أو في المناطق المجاورة لتسهيل عملية شراء المستلزمات والسلع الاستهلاكية على المواطنين، كما لفت إلى احتياج المنطقة إلى بنك وطني من شأنه تقديم الخدمات البنكية والمصرفية للمواطنين خاصة كبار السن.

* مركز للدفاع المدني

أما الجانب الأمني فيقول راشد إنه مستتب بوجود مركز شرطة اذن وهو يخدم المناطق القريبة والمجاورة، ولكن المنطقة بأسرها تحتاج إلى فرع للدفاع المدني، وإذا تعذر إنشاؤه في الغيل فمن الأجدى تشييده في منطقة اذن.

ويقول راشد: نعاني كثيراً في حالة وقوع حادث حريق، فأقرب مركز للدفاع المدني يقع في منطقة المنامة التابعة لإمارة عجمان التي تبعد عن الغيل حوالي 16 كيلومترا.. والمسؤولون هناك يؤدون الواجب معنا في حالة وقوع أي حادث ويصلون الينا قبل سيارات الطوارئ والانقاذ في الدفاع المدني برأس الخيمة بحكم بعد المسافة، لذلك فإن وجود مركز للدفاع المدني في الغيل أو اذن أمر في غاية الأهمية.

تشكل البطالة عائقاً أمام أبناء المناطق النائية وتحد من طموحات البعض منهم الذين يحذوهم الأمل في خدمة وطنهم في أي موقع وبناء مستقبل لهم لتأسيس حياتهم الزوجية والاجتماعية وتعاني منطقة الغيل وغيرها من هذه الظاهرة.

ويناشد راشد الشهياري المزروعي الدوائر القريبة ومصانع الكسارات في المنطقة بتشغيل أبناء المنطقة وهذا ما يعتبر من واجبهم ومن حق الوطن عليهم. وتطرق الشهياري إلى مشكلة التلوث التي تسببها تلك المصانع وهذا ما يشكل نوعاً من الضرر، وقال: لن نبالغ في هذا الضرر الواقع علينا من هذه المصانع، فنحن أفضل حالاً وأخف ضرراً من سكان بعض المناطق الذين يعانون كثيراً بسبب اضرار التلوث التي تصيبهم.

وتوجه أهالي الغيل بالشكر إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة على اهتمامه بالمناطق النائية على مستوى الدولة، وقالوا إن هذا الاهتمام بدأ يؤتي ثماره على بعض المناطق النائية لكننا نطالب الجهات التنفيذية مواصلة متابعتها لهذه المناطق والوقوف على متطلباتها أولاً بأول.

* إعسمة تعاني من الإهمال والنسيان

إعسمة منطقة نائية تابعة لإمارة رأس الخيمة تختفي عن أنظار القادمين والمغادرين خلف الجبال، فالمتجه إلى دبا عن طريق مسافي عليه أن يقطع مسافة 15 كيلومتراً تقريباً ومن ثم الانعطاف يساراً في اتجاه «طيبة» ومن ثم يعرج يساراً للوصول إلى إعسمة التي لا توجد لها لوحة على الشارع الرئيسي أو الداخلي تشير إلى اسمها أو ترشد عليها وهذا دليل واضح على ان هذه المنطقة قد جرفها تيار النسيان والإهمال. واستمعت «البيان» إلى أهالي إعسمة فأخذوا يسردون همومهم ويتحدثون عن الخدمات الغائبة عنهم وكأن منطقتهم ليست جزءاً من هذا الوطن.

بداية التقينا بعدد من أهالي منطقة إعسمة وهم محمد راشد المطوع ومحمد سالم محمد الشهياري وعلي عبيد خميس الشهياري وعنبر عبيد صنقور ومحمد عبيد خميس الشهياري، حيث أجمعوا على أن إعسمة أشبه بالمنطقة المعزولة التي لا يسأل عنها أحد ولا تعتني بشؤون أهاليها أية جهة حكومية وقالوا: إنها منطقة محرومة من أبسط حقوقها، لا توجد بها شوارع كافية تحميها من الحفر والغبار والأتربة ولا مركز صحياً ولا مدارس ولا مساكن صالحة تأوي أهلها، فجميع المساكن تكفل ببنائها أصحابها وفقاً لإمكانياتهم وقدراتهم.

* شارع مسافي ـ دبا

وتابع أهالي إعسمة حديثهم: لقد طرقنا جميع الأبواب ولكن لا حياة لمن تنادي، فالمنطقة تحتاج إلى روضة لتعليم الأطفال الصغار، والشارع الرئيسي وهو طريق مسافي دبا والذي يتفرع منه شارع إعسمة بلا إنارة والكثير من أبناء وشباب المنطقة فقدوا حياتهم في حوادث مرورية مروعة وراحوا ضحية عدم إيجاد حل لهذه المشكلة، لقد كثر عدد الوفيات في هذا الشارع ولكن لا أحد يعنيه هذا الأمر.. فهل أصبحت أرواح أبنائنا رخيصة إلى هذا الحد في نظر المسؤولين وأصحاب القرار؟

وتطرق أهالي إعسمة إلى مشكلة البطالة وذكروا أن أبناءهم من الجنسين وخاصة الإناث يعانون من هذه المشكلة فكيف يحصلون على فرص عمل ولا توجد في منطقتهم أية خدمات أو مصالح حكومية تذكر.

* مسجد لصلاة الجمعة

وأثناء الحديث أشار أهالي إعسمة إلى المسجد الذي دار فيه هذا الحوار وقالوا: إن هذا الجامع قديم وسبق ترميمه وهو لا يستوعب أهالي إعسمة في صلاة الجمعة فالمصلون تزدحم بهم الساحة الخارجية التي تبرع بها بعض المحسنين بأسقف معدنية وحديدية، وهم إن استطاعوا أداء الصلاة في الخارج شتاء فكيف سيتحملون حر الصيف، إن حالة المسجد يُرثى لها، لذلك نرجو من أهل البر والإحسان والجمعيات الخيرية بناء هذا الجامع وتوسعته كي يتمكن أهالي إعسمة من أداء صلاة الجمعة بارتياح وطمأنينة.

وفي إعسمة طرقنا باب منزل المواطن علي سيف عبيد اليتيم المزروعي للاطمئنان على حالة ابنه خليفة 26 عاماً المقعد على كرسي متحرك بحكم إعاقته في أطراف جسمه.

خليفة الذي لم يتلق الدراسة ولم يتعلم يقول: إنني لم أيأس من حالتي، حاولت التعلم والدراسة ولكن لا توجد مراكز تأهيلية وتعليمية لذوي الاحتياجات الخاصة وأقربها لنا في منطقة الذيد التابعة لإمارة الشارقة، ولكن تبقى مشكلة المواصلات غير متوفرة، وهنا يطالب خليفة بإنشاء مركز تخصصي لتأهيل وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة يكون قريباً من إعسمة ليخدم المناطق المجاورة لها والقريبة منها.

* السكن أولاً

وادي غليلة تلك المنطقة النائية التي تنام في أحضان الجبال وتلتحف السماء، يقطنها رهط من قبائل الشحوح يتمنون أن يعيشوا حياة كريمة تتوفر فيها أهم الخدمات الأساسية. ولدى تجولنا في المنطقة واقترابنا من سكانها وأهلها شعرنا منذ الوهلة الأولى أن أول ما تحتاج إليه هذه المنطقة هو السكن والمأوى ومن ثم الخدمات الأخرى.

المواطن محمد علي سالم من سكان وادي غليلة يعيش وأسرته وأولاده في منزل قديم متهالك عمره يقارب الربع قرن وهو عبارة عن مكرمة آنذاك من الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله. ويقول محمد علي سالم إن المنطقة بالفعل تحتاج إلى منازل سكنية أو منح من الحكومة لتشييد بيوت للمستحقين ثم ان هناك خدمات أخرى تفتقدها المنطقة مثل المركز الصحي والمدارس، ثم يطالب دائرتي الأشغال والبلدية والجهات ذات العلاقة بتوفير مياه لري النخيل والمزارع، فليس بوسعنا دفع مبلغ ألف درهم لفاتورة المياه من أجل ري النخيل، ونحن الآن نجلب كميات من المياه عن طريق إحدى شركات الكسارات المجاورة لنا التي توفر هذه الخدمة لمواطني المنطقة ولكن هذه الكمية من المياه قليلة ولا تفي بمتطلبات أهالي المنطقة.

* جدران متصدعة وكتل اسمنتية متهاوية

سعيد علي سلطان الشحي من أهالي منطقة وادي غليلة يشكو الحال ويقول: إن عائلتي تتألف من 16 فرداً ونسكن جميعاً في منزل يعود تاريخ إنشائه إلى بداية الثمانينات وقد بناه لنا المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ضمن مكرماته لأبناء رأس الخيمة في تلك الحقبة التاريخية، أما الآن فالمنزل متهدم ويعاني من تصدعات في أسقفه وجدرانه والكتل الاسمنتية تتهاوى وتنهال علينا من كل الاتجاهات.

ثم اصطحبنا سعيد إلى غرفتي منزله وإذا بنا نتفاجأ بالأغراض والملابس ملقاة على الأرض وعندما سألناه عن سبب ذلك قال: أين نضع هذه الأغراض، إن منزلاً متهالكاً يتألف من غرفتين ومجلس ويأوي 16 فرداً من الطبيعي ألا يجد أصحابه موطئ قدم لهم فكيف بالأغراض الأخرى أين نضعها، فإذا أضفنا أثاثاً ودواليب أخرى في الغرفتين لن يكون هناك مكان للجلوس أو النوم، هذه هي حياتنا التي نعيشها، لقد تقدمنا بطلبات عدة إلى الجهات الحكومية المعنية ولكن لا أحد يأبه بنا.

* من يروي ظمأ المنيعي؟

منطقة المنيعي الجبلية النائية تظمأ صيفاً شتاءً، هكذا يقول واقعها المرير، فالمنطقة تعاني من جفاف سدودها وقلة حيلتها وما توفره الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء من الماء لا يكاد يفي بمتطلبات واحتياجات أهالي المنطقة، الأمر الذي دفعهم إلى استنزاف بعض مما تجود به آبار مزارعهم لسد احتياجاتهم اليومية من الماء. إن أهالي منطقة المنيعي يأملون بخدمات إضافية ولكن الماء يأتي على أولويات مطالبهم، وذلك لأن الماء هو عصب الحياة، فمن سيروي ظمأ المنيعي؟

أثناء مرورنا بمنطقة اذن وجدنا امرأة مواطنة طاعنة في السن تدعى شيخة محمد عبدالرحمن تتكئ على الجدران الخارجية لمنزلها وتمشي رويداً رويداً لتصل إلى باب المنزل، اقتربنا منها وعرفناها على أنفسنا ففرحت فرحاً شديداً بذلك وقالت بعفويتها: الله يخليكم بلغوا المسؤولين عن المعاناة التي نعيشها، أنا أسكن مع أولادي في هذا البيت القديم المتصدع من أين لي أن أرحمه أو أبني بيتاً غيره وأنا أعيش على راتب الضمان الاجتماعي، إن ابني الأكبر انتقل إلى رحمة الله ولا يوجد عائل لنا، إننا والعديد من أبناء هذه المنطقة في أمس الحاجة إلى الخدمات الضرورية وفي مقدمتها المسكن.

أما مناطق وادي اصفني وكدره وشوكه وغيرها فلا يختلف وضعها كثيراً عن غيرها من المناطق النائية، فهذه المناطق علاوة على حاجتها للخدمات الأساسية فهي تعاني من الآثار السلبية لمصانع الكسارات وشاحناتها التي تجوب الشوارع الضيقة وترمي معها مخلفاتها التي تسبب العديد من الحوادث وكان الحادث الذي وقع في أواخر ديسمبر الماضي على شارع وادي اصفني كدره وراحت ضحيته مواطنة وابنتها أكبر دليل على صحة ما ذهب إليه مواطنو تلك المناطق.

حيث تسببت مخلفات الشاحنات من المواد الخام والحجارة الصغيرة في انحراف سيارة تلك المواطنة التي حاولت استخدام الفرامل ولكن سيارتها هوت بها في بطن الوادي وتدهورت اثر انحرافها بفعل مخلفات الشاحنات. المواطنون هناك طالبوا أيضاً بإحكام الرقابة وتكثيف الدوريات، وتساءلوا: هل يُعقل أن يتم تخصيص دوريتين للمرور فقط لتلك المناطق بهدف مراقبة شوارها وطرقاتها؟

استطلاع : وليد الشحي