بدأت حركة «حماس» في محاولة رسم خريطة الواقع الفلسطيني الجديد، عبر البحث عن رئيس حكومة «مهني ومقبول دولياً»، بينما اتفق زعيمها خالد مشعل مع رئيس السلطة الوطنية محمود عباس(ابومازن) على إبقاء المفاوضات مع إسرائيل ضمن اختصاص منظمة التحرير، وأعلن التعامل ب«واقعية» مع اتفاق أوسلو، واستعداد الحركة للتخلي عن سلاحها لمصلحة جيش فلسطيني موحد، بينما مسلحو حركة«فتح» يستعرضون قوتهم في الشارع، وسط تحضيرات ل«انقلاب شبابي» لإطاحة قادتها.
ففي مؤتمر صحافي عقده في دمشق امس، حذر مشعل السلطة الفلسطينية من «تعطيل» انتصار «حماس» عبر تسريع تسليم السلطة إليها، مشددا على ان حركته لا تقبل بأن تحشر في عامل الزمن، ناصحاً «الجميع أن يركبوا قطار حماس»، وقال إن الحركة ستتعامل مع مسار أوسلو «بواقعية شديدة» رغم تأكيده أنه مات.
وتابع أن حماس «لا تزال تمد يدها إلى المشاركة» مع القوى الفلسطينية الأخرى، ولمح إلى أن «التشاور لتشكيل الحكومة قد يستمر أسابيع وربما أشهرا» مضيفا «أن المرحلة الانتقالية يتحمل مسؤوليتها الناس في السلطة والذين قدموا استقالاتهم»، مضيفا «سننجح وسننتصر وسترون»، معتبرا أن «فتح» استعجلت القول إنها لا تريد المشاركة في الحكومة.
ورسم مشعل، الذي هدد المستشار السياسي والأمني لوزارة الدفاع الاسرائيلية باعتقاله حال عودته الى غزة، خريطة طريق الواقع الفلسطيني الجديد بالقول إن «حماس» تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف هي: «إصلاح الواقع الفلسطيني وتغييره إلى الأفضل من اجل شعبنا وتخفيف آلامه»، ثم «حماية المقاومة التي صنعتنا وأعطتنا كل هذا المجد»، وثالثا «ترتيب البيت الفلسطيني ومؤسساته ليقوم على الشراكة» موضحا أن هذا الترتيب «بدأ عبر التشريعي» على ان «يصل لاحقا إلى منظمة التحرير الفلسطينية».
وردا على سؤال عما إذا كانت حركته ستفرض الشريعة الإسلامية قال «حماس تعرف المرحلة وتؤمن بالتدرج والوسطية والتسامح ولا تفرض فكرها على أحد».
وفي ما يتعلق بالسلطة المقبلة، ظهرت إشارات من أكثر من طرف أن رئيس الوزراء قد لا يكون من بين قياديي «حماس»، ففي وقت أعلن أحد قياديي الحركة أن «غالبية الحكومة المقبلة ستشكل من خارج المجلس التشريعي».. كشفت مصادر نيابية عن أن المفاوضات بين رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) وقيادة «حماس»، التي كان يفترض أن تبدأ أمس في غزة لولا إلغاء الرئيس رحلته، قد تنتهي إلى تكليف شخصية مهنية «يوافق عليها ابومازن و«حماس» والمجلس التشريعي» في حين قالت مصادر أخرى إن البحث يدور عن رئيس وزراء يحظى بقبول الغرب.
وترجح هذه المصادر إن تختار الحركة شخصية مستقلة مقبولة من الغرب لتولي الحكومة، فيما تكتفي هي بوزارات ذات طابع خدمي مثل التربية والتعليم والصحة، فضلا عن العمل في سن القوانين والرقابة على أداء الحكومة.
إلى ذلك، رجحت مصادر وثيقة الصلة بـ «حماس» اختيار عدد من النواب المستقلين لتولي أبرز مناصب في الحكومة، وكشفت عن أن الدكتور زياد أبو عمرو هو المرشح الأقوى لتولي وزارة الخارجية، فيما سيتولى مازن سنقرط، وزير الاقتصاد في حكومة أحمد قريع المستقيلة والمقرب من الحركة الإسلامية، وزارة المالية أو الاقتصاد، في حين سيتولى نائب مسيحي دعمته الحركة في غزة موقعاً وزارياً مرموقاً.
وكشف أحد قادة الحركة أن الحكومة المقبلة ستتوجه نحو العالم العربي للحصول على الدعم المالي بدلا من الدعم المالي الغربي، وقال إن الدول العربية وبخاصة السعودية والكويت تثق بإدارة «حماس» وستقدم لها العون اللازم لإدارة السلطة.
وقال القيادي البارز في «حماس» يحيى موسى إن هناك توجها لدى قيادة الحركة لإرسال وفد من الفائزين في الانتخابات في جولة تشمل بلدانا عربية وإسلامية، وقد تشمل دولا أوروبية، لتوضيح مواقف القائمة وانفتاحها على الجميع.
وأكد أن مشاورات تأليف الحكومة ستشمل حركة «فتح» باعتبارها فصيلا مهما في الشارع الفلسطيني، معتبراً التصريحات التي أطلقها مسؤولون في الحركة برفض الانضواء حكومياً تحت راية «حماس» مجرد أراء شخصية وليست موقفا رسميا. وهو ما وجد صدى في التصريحات التي نقلت عن عضو اللجنة المركزية لـ «فتح» د. نبيل شعث الذي أعلن أن حركته لم تقرر نهائيا وبشكل رسمي موقفها إزاء المشاركة في الحكومة، رغم قوله إن «فتح» تفضل أن تكون في المعارضة «ولكننا لن نكون معارضة انقلابية بل ملتزمة وبناءة». وكشف عن أن «حماس» ستدخل في إطار منظمة التحرير.
أضاف شعث: «سنشارك في السلطة من خلال الصلاحيات الممنوحة للرئيس محمود عباس ومن خلال دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية والتي ستبقى تحت إطار المنظمة وليس تحت إطار أي جهة أخرى»، مؤكدا «أن هذا الكلام تم الاتفاق عليه بين ابومازن وخالد مشعل».
وفي هذا السياق، برز تضارب في المواقف داخل حركة« الجهاد الإسلامي» بخصوص المشاركة في الحكومة، ففيما أكدت مصادر من الحركة أن المشاركة مرفوضة.. قال نافذ عزام القيادي البارز فيها إنه إذا شكلت «حماس» حكومة تستند إلى برنامج «مقاومة الاحتلال» فإن حركته ستدرس بشكل جدي مسألة المشاركة، لكن «لن نشارك في الحكومة إذا قامت على الأسس التي قامت عليها الحكومات السابقة نفسها»، في إشارة إلى اتفاقيات أوسلو.
وكان أبو مازن ألغى زيارته المقررة إلى غزة أمس، للالتقاء بقادة «حماس» تمهيدا لانطلاق مشاورات تشكيل حكومة جديدة، من دون ذكر الأسباب. ولكن يبدو أن الأمر مرتبط بالوضع المتأزم داخل حركة «فتح» والذي بدا من تطورات الساعات الـ 48 الماضية أنها مقبلة على استحقاقات داخلية صعبة، بينما تلوح في الأفق بوادر «انقلاب شبابي» على خلفية الهزة الانتخابية التي تعرضت لها، وكانت البداية في الفوضى الشارعية لكوادر الحركة التي طالبت باستقالة ابومازن واللجنة المركزية وإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية للحركة، وزاد زخم هذه المطالب دعوة أمين سر الحركة الأسير مروان البرغوثي إلى عقد المؤتمر السادس «لترتيب أوراق الحركة ... والحفاظ على وحدتها وقوتها وعنفوانها».
دمشق ـ تيسير أحمد:
رام الله ـ محمد إبراهيم:
غزة ـ ماهر إبراهيم: